موضوع العدد:  جيل زد والاقتصاد المرن: رؤى جديدة لعالم متغيُّر

429

العدد الأسبوعي رقم 211 – الجمعة 8 أغسطس 2025

موضوع العدد:  جيل زد والاقتصاد المرن: رؤى جديدة لعالم متغيُّر

اضغط هنا لتصفح النشرة من الموقع

صباح الخير قراءنا الكرام،

في عالم يشهد تحولات اقتصادية واجتماعية وتقنية متسارعة، يبرز “جيل زد” بوصفه الجيل الذي يعيد صياغة ملامح الحاضر والمستقبل، فهو الجيل الرقمي الذي نشأ في بيئة غنية بالتكنولوجيا منذ سنواته الأولى، ويعيش الآن وسط ثورة تكنولوجية، وتقلّبات اقتصادية، وتحديات بيئية وصحية غير مسبوقة. يحمل هذا الجيل سمات خاصة تجعله مختلفًا عن سابقيه في نظرته إلى العمل، والاستهلاك، والاستثمار، وحتى علاقاته الاجتماعية وطموحاته الشخصية. كما ينعكس حضوره القوي على شكل الاقتصاد المرن، الذي أضحى السمة المميزة لعصرنا الحالي، بكل ما يحمله من فرص وتحديات.

في هذا السياق، يستعرض هذا العدد أبرز سمات جيل زد وسلوكياته الاقتصادية، وكيف ينظم هذا الجيل علاقته مع الاقتصاد المرن، وأنماط إنفاقه واستهلاكه، وتأثيره على سوق العمل، فضلًا عن التحديات التي يواجهها، ليختتم بمجموعة من التوصيات العملية التي تمكِّنه من مواجهة المستقبل بثقة ونجاح.

  • القسم الأول: جيل زد (Generation Z): التعريف والسمات

  • القسم الثاني: جيل زد والاقتصاد المرن

  • القسم الثالث: أنماط الإنفاق والاستهلاك لدى جيل زد

  • القسم الرابع: تأثير جيل زد على مستقبل العمل

  • القسم الخامس: جيل زد والاقتصاد المرن: تحديات تحتاج إلى حلول

  • القسم السادس: توصيات ونصائح لجيل زد

اضغط هنا للتواصل معنا

يشير مصطلح “جيل زد” (Generation Z) إلى الأشخاص المولودين بين عامي 1997 و2012. ويقع هذا الجيل بين جيل الألفية (Millennials) وجيل ألفا (Generation Alpha)، وقد تشكَّلت هوية “جيل زد” في ظل العصر الرقمي، والقلق المتزايد بشأن التغيّر المناخي، والتقلُّبات في الأوضاع المالية، فضلًا عن تأثيرات جائحة “كوفيد-19″، ويُعرف أفراد هذا الجيل بأنهم “جيل الرقميين الأصليين” (Digital Natives)؛ إذ يُعتبرون أول جيل نشأ منذ طفولته مع وجود الإنترنت والتكنولوجيا الحديثة، وتتمثل سماتهم الرئيسة في:

الواقعية في نظرتهم للعمل: يُقدِّر جيل زد التوازن بين الحياة والعمل، ويسعون إلى وظائف تتماشى مع قيمهم وأهدافهم الشخصية. ففي عام 2025، أفاد 39% من جيل زد الذين يعملون بالفعل في وظائف أو مجالات مهنية، إنهم قد يبحثون عن وظيفة جديدة خلال الأشهر الستة المقبلة، مقارنة بـ 28% من الأجيال الأكبر سنًّا. إلا أن الأمر لا يتعلق بقلة الالتزام، بل برغبتهم في فرص تتيح لهم النمو وتحقيق الرضا الوظيفي، وتحظى الأعمال الحرة بشعبية كبيرة لديهم، نظرًا لتقديرهم للمرونة والاستقلالية.

أذكياء ماليًّا ويميلون للتوفير والاستثمار: لم يَعُد من الدقة وصف جيل زد بالتبذير المالي؛ إذ يتسمون بقدر كبير من الذكاء في التعامل مع أموالهم؛ فقد أشار 59% منهم إلى نيتهم ادخار المزيد من المال، متفوقين على بقية الأجيال. كما يتقدمون على الأجيال الأخرى في مجال الاستثمار؛ إذ شهدت نسبة الشباب الأمريكيين والبريطانيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و27 عامًا ممن يمتلكون أسهمًا واستثمارات، زيادة بنسبة 46% منذ عام 2017. وفي الفترة نفسها، تراجعت نسبة من لا يملكون أي مدخرات أو استثمارات بنحو 29%. تعكس هذه الاتجاهات جيلًا يفكر في مستقبله المالي، ويوازن بين الحذر والطموح.

أكثر عرضة للشعور بالقلق: لا تزال الصحة النفسية قضية محورية لدى جيل زد؛ إذ يُعدّون الجيل الأكثر ميلًا للإبلاغ عن معاناتهم من القلق، كما أن 18% منهم يشعرون بأن وسائل التواصل الاجتماعي تسبب لهم التوتر. منذ عام 2020، ارتفعت نسبة من أبلغوا عن إصابتهم بمشكلة صحية نفسية من أبناء هذا الجيل بنسبة 25%. تسلط هذه الأرقام الضوء على الحاجة إلى أماكن عمل داعمة تُولي أولوية للصحة النفسية، ومن اللافت للانتباه أن أبناء “جيل زد” الذين يعملون بالفعل في وظائف أو مجالات مهنية والذين يحصلون على دعم للصحة النفسية في العمل أكثر رضا عن وظائفهم بنسبة 19%، مما يُظهر أن الجهود الموجهة يمكن أن تُحدث فرقًا ملموسًا.

السفر بالنسبة لهم ضرورة لا رفاهية: بالنسبة لجيل زد، لا يُعد السفر مجرد رفاهية، بل جزء أساسي من أسلوب حياتهم؛ حيث يقدّر أبناء هذا الجيل التجارب الفريدة، ويفضّلون الوجهات التي توفّر لهم مناظر خلابة، ومغامرات في الطبيعة، وأنشطة ثقافية مميزة.

المصدر

يعتبرون وسائل التواصل الاجتماعي آلية التواصل الرئيسة: لا تزال وسائل التواصل الاجتماعي في صميم حياة “جيل زد” للبقاء على تواصل مع الآخرين، فقد زاد عدد مستخدمي تطبيق “تيك توك” من أبناء جيل زد الذين يستخدمون المنصة للتواصل مع الأصدقاء والعائلة بنسبة 82% بين عامي 2020 و2024. وبالمثل، شهد تطبيق “إنستغرام” زيادة بنسبة 28% في عدد المستخدمين الذين يدخلون المنصة بغرض المراسلة في الفترة نفسها.

لديهم تطلعات كبيرة تجاه الذكاء الاصطناعي: يقود “جيل زد” موجة استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي؛ حيث يرون الذكاء الاصطناعي وسيلة لحل المشكلات، وإجراء الأبحاث، وإطلاق العنان للإبداع، مما يمنحهم وقتًا أكبر للتفكير النقدي. ومع ذلك، يطالبون الشركات التي تعتمد على هذه التقنية بالشفافية، معتبرين أن التواصل الواضح حول مزايا الذكاء الاصطناعي أمر بالغ الأهمية.

يفضلون التخصص والمدارس المهنية: يُقدّر جيل “زد” المهارات العملية والمعرفة المتخصصة، وهم أكثر استعدادًا للالتحاق بالمدارس المهنية أو الدرجات العلمية المتخصصة التي توفّر مسارًا مهنيًا واضحًا وإمكانات عالية للدخل، كما أنهم أكثر وعيًا بالتكاليف، ويميلون إلى تقييم العائد مقابل تكلفة التعليم العالي، خاصة في ظل الارتفاع الكبير في تكاليفه والمخاطر المعروفة للديون الطلابية.

أقل ميلًا للتخطيط للتقاعد: يُبدي جيل زد اهتمامًا أقل بالتقاعد مقارنة بالأجيال السابقة، إذ يميلون إلى إعطاء الأولوية لأهدافهم المالية والمهنية الحالية على حساب التخطيط لتقاعدهم.

يعطون الأولوية للولاء الوظيفي: يقدّر جيل زد الولاء الذي يُظهره أصحاب العمل تجاههم، فهم يدركون أن الولاء ليس أمرًا تلقائيًا، بل يجب أن يُبنى على الاحترام والتقدير المتبادلين. كما يُعطون أولوية للشعور بالتقدير والاعتراف بجهودهم في العمل، حتى ولو تطلّب الأمر تغيير وظائفهم بدلًا من البقاء طويلًا في نفس الشركة.

لديهم ثقة كبيرة في والديهم: يثق جيل زد في آراء والديهم المالية أكثر من “جيل الألفية”، ويعود ذلك إلى نشأتهم في ظل فترات من عدم الاستقرار الاقتصادي؛ حيث عاصروا والديهم في أثناء تعاملهم مع التحديات المالية المتنوعة؛ مما جعلهم يعتبرون والديهم مصدرًا موثوقًا للنصائح والإرشاد المالي، كما يُعزى ذلك إلى مستوى الشفافية والانفتاح الأكبر الذي أبداه آباء “جيل إكس” تجاه أبنائهم مقارنة بالأجيال السابقة.

لا يميلون لامتلاك المنازل: لا يُعَد امتلاك منزل أولوية بالنسبة لجيل زد، ولا حتى هدفًا ممكن التحقق، كما كان الحال مع الأجيال السابقة، ويُعزى هذا التراجع إلى عدة عوامل، أبرزها ارتفاع أسعار العقارات، وتراكم الديون الناتجة عن القروض الدراسية، ما يجعل امتلاك منزل عبئًا ماليًّا يفوق قدراتهم. بالإضافة إلى ذلك، شهد كثير من أفراد جيل زد والديهم يعانون من أزمات الرهن العقاري وخسارة منازلهم خلال الأزمة المالية لعام 2008؛ مما جعلهم أكثر حذرًا وترددًا حيال فكرة شراء منزل.

المصدر

اقتصاد العمل المرن هو سوق عمل تعتمد على العقود قصيرة الأجل أو العمل الحر المستقل، بخلاف الوظائف التقليدية ذات الدوام الكامل؛ فهو يمثل نقيض نمط العمل التقليدي الذي يلتزم بساعات محددة؛ حيث يعمل معظم الأفراد من التاسعة صباحًا حتى الخامسة مساءً. يوفر اقتصاد العمل المرن لجيل زد جدول عمل مرنًا، وإمكانية تنويع مصادر دخلهم، إضافة إلى فرص اكتساب مهارات وخبرات جديدة، كل ذلك جعله خيارًا جذابًا لأولئك الذين يبحثون عن مسار مهني أكثر استقلالية وإشباعًا لطموحاتهم.

يُشار إلى “جيل زد” غالبًا بوصفهم أول جيل رقمي حقيقي؛ إذ نشأوا منذ صغرهم وهم على اتصال بالإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي والتقنيات الرقمية. وقد أسهم هذا التعرض المبكر للتكنولوجيا في اكتسابهم مهارة طبيعية في التعامل مع الأدوات والمنصات الرقمية؛ مما يجعلهم مؤهلين بشكل كبير للعمل ضمن اقتصاد العمل المرن والحر الذي يعتمد اعتمادًا كبيرًا على هذه التقنيات. وتتمثل أبرز معالم جيل زد والاقتصاد المرن فيما يلي:

1. الحصول على فرص العمل من خلال المنصات الرقمية: يجيد أفراد “جيل زد” التعامل مع المنصات الرقمية بكفاءة، سواء لأغراض التواصل الاجتماعي أو التجارة الإلكترونية أو الأنشطة المتعلقة بالعمل. وتمكِّنهم هذه المهارات من التفاعل بسهولة مع منصات العمل الحر مثل “أبوورك” (Upwork) -وهي منصة للعمل الحر على الإنترنت يتواصل من خلالها أصحاب العمل مع العمال المستقلين للتعاون عن بُعد- حيث يمكنهم العثور على فرص العمل وإدارتها بمرونة، كما تُسهم قدرتهم على التكيف السريع مع الأدوات الرقمية الجديدة في زيادة إنتاجيتهم وكفاءتهم في أدوارهم ضمن اقتصاد العمل الحر.

في السياق ذاته، فإن الطبيعة الرقمية لجيل زد تجعلهم يشعرون براحة خاصة مع العمل عن بُعد. فهذا الجيل معتاد على التواصل من خلال الوسائل الرقمية، وقد تبنّى استخدام أدوات مثل “زووم” (Zoom) و”جوجل ورك سبيس” (Google Workspace) لأغراض شخصية ومهنية على حد سواء. ونتيجة لذلك، فهم أكثر ميلًا للانخراط في أعمال حرة عن بُعد، وهو ما يتماشى مع أسلوب حياتهم ومهاراتهم.

2.  تعدد مظاهر الدخل: فالكثير من أفراد “جيل زد” يتخلّون عن المسارات المهنية التقليدية لصالح المزيد من المرونة والأمان المالي، فهم لا يبحثون فقط عن وظيفة، بل يعملون على بناء علامات تجارية شخصية، وإدارة أعمالهم عبر الإنترنت، والاستثمار في الأسهم والعملات المشفرة، وابتكار المحتوى، وكل ذلك بالتوازي مع وظائف جزئية أو بدوام كامل.

3. العملات المشفرة هي الاستثمار الأكثر شيوعًا بين مستثمري هذا الجيل: تُعَد العملات المشفرة الاستثمار الأكثر شيوعًا بين مستثمري “جيل زد”، وهو اتجاه يُعزى على الأرجح إلى نشأة هذا الجيل في عصر اتسم بالتغيرات التكنولوجية، ووسائل التواصل الاجتماعي، وسهولة الوصول إلى أدوات الاستثمار. كما أن حماس هذا الجيل تجاه العملات المشفرة يتزامن أيضًا مع انتشار تطبيقات الاستثمار التي تتيح للمستخدمين الشراء بمبالغ صغيرة نسبيًّا، ما يوفّر وصولًا أكبر إلى الاستثمار لمن لديهم قدرة أقل على الإنفاق. ولقد شهد هذا الجيل -عمومًا- صعود شركات التكنولوجيا العملاقة مثل ألفابت (Alphabet)، وأبل (Apple)، وميتا (Meta)، ولديه ثقة كبيرة في استمرار نمو قطاع التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي.

المصدر

يُعرف جيل زد بأنه الجيل الرقمي بامتياز؛ إذ نشأ في بيئة غنية بالتكنولوجيا منذ سنواته الأولى، وتُقدَّر القوة الشرائية لهذا الجيل بأكثر من 400 مليار دولار أمريكي عالميًّا، وتنتشر بين أفراده خدمات “اشترِ الآن وادفع لاحقًا”، إذ يستخدمها أكثر من 44% من المشترين الرقميين فوق سن 14 سنة، وقد ازداد الإقبال عليها بنحو ستة أضعاف خلال خمس سنوات. كما يعتمدون على توصيات العائلة والأصدقاء لاكتشاف علامات تجارية جديدة في المرتبة الأولى، وتأتي إعلانات “يوتيوب” في المرتبة الثانية. وعلى عكس جيل الألفية، فهم يُفضِّلون التسوق داخل المتاجر، ويُظهرون اهتمامًا واضحًا بالتميُّز الفردي؛ إذ يفضِّل 48% منهم العلامات التجارية التي لا تُصنِّف منتجاتها حسب النوع الاجتماعي.

يُظهر هذا الجيل أيضًا استعدادًا واضحًا للدفع مقابل خدمات بث الموسيقى؛ إذ تشير بيانات عام 2025 إلى أن 67.6% منهم مشتركون في هذه الخدمات. في المقابل، لا يهتم سوى أقل من 16% بالصحف أو الاشتراكات في المجلات أو الكتب الإلكترونية؛ ما يعكس تراجع جاذبية المحتوى التقليدي لديهم.

أما من حيث الحضور الرقمي، فـ81% منهم يقضون ساعة واحدة على الأقل يوميًّا على منصات التواصل الاجتماعي، بينما يقضي أكثر من نصفهم ثلاث ساعات أو أكثر. وتشير البيانات إلى أن الفتيات أكثر استخدامًا لهذه المنصات مقارنة بالذكور. كما يُفضِّلون المحتوى القصير الذي لا يتعدى بضع دقائق، مثل المقاطع المنشورة عبر (TikTok) و(Instagram Reels) و(YouTube Shorts)؛ مما يعكس أسلوبهم السريع في الاستهلاك الرقمي وتفاعلهم مع المحتوى البصري السريع.

ورغم أن 77% من شباب جيل زد يتوقعون ارتفاع الأسعار خلال العام المقبل (2026)، فإن 80% منهم لا يخططون لتقليل إنفاقهم؛ ما يعكس استعدادهم للإنفاق بشرط توافر معايير واضحة.

وتُعَد الجودة من أبرز هذه المعايير، ووفقًا لاستطلاع رأي أجرته شركة “نيلسن” (Nielsen) بالنيابة عن “أمريكان إكسبريس” (American Express) كندا، أكد 63% من جيل زد أنهم يفضلون الشراء من علامات تجارية تقدم منتجات عالية الجودة. كما يلعب التأثير الاجتماعي دورًا كبيرًا في قراراتهم الشرائية؛ حيث أشار 45% إلى أنهم ينفقون أكثر إذا كان أصدقاؤهم يتسوقون من العلامة التجارية نفسها.

ولا يكتفي جيل زد بالتفاعل مع التجارة الإلكترونية التقليدية، بل أصبح معتادًا على الشراء مباشرة من منصات التواصل الاجتماعي، فيما يُعرَف بـ”التجارة الاجتماعية”، وهو سلوك يتجاوز أسلوب الشراء من المواقع الإلكترونية الذي يفضله جيل الألفية. وتشير الإحصاءات إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي تؤثر على قرارات الشراء لدى 28% من الفئة العمرية بين 13 و17 عامًا، و39% من الفئة بين 18 و23 عامًا.

هذا التحول يتطلب من الشركات تبنّي استراتيجيات متعددة القنوات (Omnichannel)، تدمج بين المنصات المختلفة وتقدم تجربة تسوق مخصصة، خاصة أن 64% من جيل زد يتوقعون محتوى شخصيًّا يتماشى مع تفاعلاتهم السابقة على وسائل التواصل.

ومع ذلك، يظل هذا الجيل حذرًا تجاه خصوصيته الرقمية؛ إذ إن أقل من 30% منهم على استعداد لمشاركة بياناتهم الصحية، أو موقعهم الجغرافي، أو معلومات الدفع.

في المجمل، يجمع جيل زد بين الحضور الرقمي القوي والوعي المعلوماتي، وبين الرغبة في تجربة تسوق ذكية ومخصصة دون المساس بخصوصيتهم؛ ما يشكِّل تحديًا وفرصة في آنٍ واحد أمام الشركات الساعية إلى جذب هذا الجيل والتعاطي معه بفعالية.

المصدر

جيل زد والشراء أونلاين: التأثير الحاسم للمراجعات والمؤثرين

يُعَد جيل زد من أكثر الأجيال اعتمادًا على التسوق الإلكتروني، ليس فقط بسبب سهولته، بل لأن تجربة الشراء بالنسبة لهم تبدأ من البحث والمقارنة وتنتهي بقرار مدروس مبني على مراجعات وتجارب الآخرين.

وتشير دراسة حديثة لمنصة “مافلي” تعود لعام 2024 إلى أن المؤثرين وصنّاع المحتوى أصبح لهم تأثير كبير على قرارات الشراء، خاصة بين الأجيال الشابة. فقد أشار 28% من المستهلكين إلى أنهم اشتروا هدايا خلال العام الماضي بناءً على توصية من مؤثر، وترتفع هذه النسبة إلى 52% لدى جيل زد، و36% لدى جيل الألفية. كما أظهرت الدراسة أن 34% من المشاركين يثقون في توصيات المؤثرين المحليين أو الصغار، وتصل هذه الثقة إلى 58% بين أفراد جيل زد.

وشملت الدراسة أكثر من 1000 مستهلك أمريكي، وأظهرت أن أكثر من نصفهم (54%) يخططون للتسوق خلال موسم العطلات عبر الإنترنت والمتاجر معًا، بينما تميل الأجيال الأكبر سنًّا إلى الشراء عبر الإنترنت فقط. كما أفاد 56% من المشاركين أن جزءًا من مشترياتهم خلال العطلات كان لمنتجات شاهدوا ترويجها عبر مؤثرين.

ويعتمد جيل زد بشكل خاص على ترشيحات الهدايا وتوصيات المؤثرين كمصدر للإلهام عند الشراء؛ إذ استخدم 47% منهم ترشيحات الهدايا، وأظهروا ثقة كبيرة في المحتوى المقدم من المؤثرين المحليين. وتُعرَف “ترشيحات الهدايا” بأنها قوائم مُنظمة تضم مجموعة من المقترحات التي يقدمها المؤثرون أو المتاجر، بهدف مساعدة المستهلكين في اختيار الهدايا الأنسب بحسب الفئة المستهدفة أو المناسبة الخاصة.

ورغم هذا التأثر الملحوظ بالمحتوى التسويقي، فإن قرارات الشراء لا تكون فورية؛ حيث يحتاج معظم المستهلكين إلى رؤية الإعلان مرتين أو ثلاث قبل اتخاذ القرار، بينما يحتاج 23% من جيل زد إلى مشاهدته أربع أو خمس مرات قبل الإقدام على الشراء. ورغم أن جيل زد هو الجيل الأكثر اتصالًا بالإنترنت، لكنه أيضًا الأكثر تشككًا، ما يدفعه للاعتماد على المؤثرين الذين يثق بهم، ويجعل من عملية إقناعه بالشراء أكثر تعقيدًا وتتطلب محتوى موثوقًا ومتكررًا.

وتُظهر توجهات هذا الجيل أن قراراته الشرائية لا تعتمد فقط على الجودة أو السعر، بل تتأثر بدرجة كبيرة بِقِيَمِه الشخصية وسعيه إلى الأصالة. فهم يُفضلون العلامات التجارية التي تتماشى مع مبادئهم الأخلاقية والاجتماعية، ويُولون اهتمامًا خاصًّا بالاستدامة البيئية، والعدالة الاجتماعية، وشفافية الشركات. ولا ينظرون إلى عملية الشراء بوصفها مجرد تبادل تجاري، بل يرونها وسيلة للتعبير عن الهوية ودعم القضايا التي يؤمنون بها.

ويميل مستهلكو هذا الجيل إلى شراء المنتجات من الشركات التي تتبع ممارسات صديقة للبيئة، مثل: استخدام المواد المستدامة، وتقليل البصمة الكربونية، ودعم مبادرات التجارة العادلة. كما يُفضِّلون التعامل مع العلامات التجارية التي تتحلى بالشفافية في سلاسل التوريد وعمليات الإنتاج، ويمنحون ثقتهم للشركات التي تبرهن على التزامها الحقيقي بهذه المبادئ. وفي هذا السياق، تُعَد المنتجات ذات “الملصقات النظيفة” التي تحتوي على مكونات طبيعية واضحة وخالية من المواد الكيميائية أو الاصطناعية— خيارًا مفضلًا؛ حيث أظهرت البيانات أنها سجلت أداءً أفضل بنسبة 8% خلال عام 2023، ما يعكس تزايد التوجه نحو الخيارات الصحية والشفافة.

وعلى الرغم من اهتمامهم بالجودة والتميُّز، فإن جيل زد يتمتع بوعي سعري مرتفع، ويحرص على تحقيق أقصى قيمة ممكنة مقابل المال. ووفقًا لبيانات عام 2024، أشار 32% منهم إلى تفضيلهم شراء المنتج الأرخص، بينما أكد 37% حرصهم على البحث عن العروض والتخفيضات. كما يُظهر هذا الجيل قدرة متقدمة على استخدام التكنولوجيا لمقارنة المنتجات والأسعار، ويُقدِّر الشفافية في التسعير بدرجة كبيرة. لذلك، فإن العلامات التجارية التي تجمع بين الجودة، والقيمة، والالتزام الصادق بالمبادئ الأخلاقية والبيئية، هي الأقدر على كسب ثقة هذا الجيل وبناء علاقة مستدامة معه.

يُفضِّل جيل زد خوض تجارب شرائية مصممة بشكل خاص لهم؛ إذ يتوقعون من العلامات التجارية تقديم محتوى وتوصيات ومنتجات تتماشى مع أذواقهم واهتماماتهم الفردية. وينجذبون بشكل خاص إلى الشركات التي تعتمد على تحليل البيانات في تخصيص رسائلها التسويقية وتجربة التسوق، مثل التوصيات الذكية والبريد الإلكتروني المُوجَّه.

وفي هذا السياق، يمكن للشركات المُصنِّعة للسلع الاستهلاكية الاستفادة من هذا التوجه عبر تطوير منتجات تلبي احتياجات شرائح دقيقة من المستهلكين، بما يعزز جاذبيتها لهذا الجيل المعروف بذوقه الانتقائي وتفضيلاته الواضحة.

لكن في المقابل، يواجه تجار التجزئة ومصنِّعو السلع الاستهلاكية تحديات حقيقية في كسب ثقة جيل زد، الذي يتميز بتوقعات مرتفعة على صعيدي التجربة الرقمية والتخصيص. فهو يتطلب تفاعلًا سريعًا وسلسًا عبر الإنترنت، وقد يتخلى عن عملية الشراء في حال واجه أي بطء أو تعقيد في التصفح. كما أن توقُّعه لتجربة مصممة خصوصًا له يتطلب من الشركات توظيف أدوات تحليل متقدمة للتنبؤ باحتياجاته والتفاعل معه بمرونة.

إلى جانب ذلك، يُولي هذا الجيل أهمية كبيرة للشفافية والمصداقية، ويحرص على دعم العلامات التجارية التي تُجسد التزامًا فعليًّا بالاستدامة والمسؤولية الاجتماعية. ومن هنا، يصبح من الضروري على الشركات مواءمة ممارساتها الإنتاجية والتسويقية مع قيم هذا الجيل. ويتطلب ذلك استثمارات وجهودًا مستمرة لبناء الثقة وتعزيز الولاء على المدى الطويل.

المصدر

الاستهلاك المعاصر: الاستخدام دون الامتلاك

طرأ تغيُّر كبير على مفهوم الاستهلاك مع الجيل الجديد من المستهلكين، لا سيما جيل زد، الذي يتَّسم بنظرته العملية والواقعية؛ فلم يَعُد الهدف من الاستهلاك هو امتلاك المنتج بحد ذاته، بل أصبح الأهم هو إمكانية استخدامه عند الحاجة، دون الاضطرار إلى شرائه وامتلاكه بشكل دائم.

فجيل زد، ومعه أيضًا شريحة متزايدة من الأجيال الأكبر، يركِّز على “الوصول” إلى الخدمة أو المنتج أكثر من “امتلاكه”، وهو ما يفسر إقبالهم الكبير على خدمات مثل: تأجير السيارات، أو الاشتراكات في المنصات الرقمية لمشاهدة الأفلام، أو استخدام التطبيقات التي تتيح الوصول إلى سلع وخدمات بشكل مؤقت. بهذا المفهوم، لم تعُد القيمة تُقاس بامتلاك الشيء، بل بإمكانية استخدامه في الوقت والمكان المناسبين.

ومع هذا التحوُّل، بدأت الشركات في تعديل نماذج أعمالها. فشركات السيارات مثلًا لم تعُد تركز فقط على بيع السيارات، بل على تأجيرها مرارًا وتكرارًا لمستخدمين مختلفين، ما يدر عليها عائدًا مستمرًّا من سيارة واحدة. وكذلك شركات الأدوات الرياضية لم تَعُد تكتفي ببيع المعدات، بل باتت تقدم خدمات مرافقة، مثل: التدريب، وتوفير مجتمعات رياضية، ودعم فني وتقني، بهدف مساعدة الأفراد على تحسين مهاراتهم، وبالتالي خلق تجربة متكاملة.

إضافة إلى ذلك، ظهر نوع جديد من الاستهلاك يُعرَف بـ”الاستهلاك التعاوني”؛ حيث يمكن للمستهلك أن يصبح مقدم خدمة أيضًا، مثل العمل المؤقت مع شركات يعرفها ويثق بها، وهو جزء من “اقتصاد المهام المؤقتة” أو “الاقتصاد الحر”، الذي يوفِّر فرصًا للدخل الإضافي من خلال أعمال مرنة ومؤقتة.

هذا التحول يفرض على الشركات التقليدية أن تعيد التفكير في طريقة تقديم منتجاتها وخدماتها، وأن تبني منصات متكاملة تجمع بين المنتجات، والخدمات، والتجارب، بهدف خلق علاقة أعمق وأكثر استدامة مع المستهلك، تعتمد على التفاعل المستمر وليس مجرد البيع لمرة واحدة.

المصدر

يُعَد أفراد جيل زد أحدث الموظفين في بيئة العمل المعاصرة، وإلى جانب ما يحظون به من اهتمام خاص بسبب مساهماتهم الفريدة، فإن لهم تأثيرًا كبيرًا على المشهد العام لسوق العمل. في الواقع، يُشكل العديد من أولوياتهم سياسات الشركات والممارسات التنظيمية بشكل يُصبُّ في مصلحة جميع الأجيال.

يُعزى التأثير القوي لجيل زد إلى نقص المواهب في السوق؛ مما يضطر أصحاب العمل للتركيز على اجتذابهم والاحتفاظ بهم بفضل مهاراتهم ورؤاهم الحديثة وإمكاناتهم الواعدة. كما يُستمد تأثيرهم من الانتشار الواسع الذي يتمتعون به، مستفيدين من منصات التواصل الاجتماعي لتضخيم صوتهم بشكل كبير. ومع ذلك، يواجه الجيل تحديات فريدة، وأبرزها ارتفاع معدلات المشكلات الصحية النفسية مقارنة بأي جيل سابق. وفيما يلي استعراض أولويات جيل زد وملامح سوق العمل:

التركيز على العمل ذي المغزى

جميع الموظفين يسعون إلى عمل ذي قيمة مضافة، لكن 37% من جيل زد يعتقدون أن هذا هو الأهم لديهم. وبحسب استطلاع منصة (Edu Birdie)، الذي أُجري في فبراير 2024، فإن 26% من جيل زد يشعرون بقلق كبير إذا لم يجدوا وظيفة تلهمهم، و12% يعتبرون أن تحقيق تأثير إيجابي هو أهم ما يشغلهم، و15% يجدون في غياب الفرص الهادفة تحديًا رئيسًا. كما أن 32% يخشون عدم تحقيق كامل إمكاناتهم، و9% يقلقون من عدم إحداث تأثير على العالم.

ولكن ليس من الواقعي توقع أن يكون كل جزء من العمل ذا مغزى عميق، فهناك دومًا جوانب محببة وأخرى أقل جاذبية في أي وظيفة. ولكن مفتاح السعادة يكمن في إيجاد التوافق الأمثل بين ما يحب الفرد وما تطلبه الوظيفة. كما يمكن تعزيز الإحساس بالمعنى من خلال تذكر تأثير العمل الذي يقوم به الفرد على الصورة الشاملة وعلى الزملاء والمستفيدين.

وبناءً عليه، سيدفع تأثير جيل زد أصحاب العمل لتوفير وظائف مفعمة بالمعنى. ومن الضروري عند البحث عن وظائف أن ينظر الفرد إلى مدى توافقها مع اهتماماته، وأن يطالب أصحاب العمل بوضع مسارات لتطويره تساعده على التعلم والنمو وتولي المهام التي يستمتع بها.

أيضًا، يزداد استعداد المؤسسات لتعديل محتوى العمل بحيث يتماشى بشكل أفضل مع تفضيلات الموظف. ويمكن للفرد أيضًا التفكير في استخدام الذكاء الاصطناعي لتخصيص جزء من مهامه الأقل إثارة؛ مما يمنحه وقتًا لأعمال أكثر جذبًا وتعقيدًا.

توقع الأمان المالي

قد يكون خوف جيل زد ناتجًا عن الأخبار المقلقة بشأن التضخم والبطالة وتسريحات الموظفين؛ حيث يولون أهمية كبيرة لصحتهم المالية وأمنهم الوظيفي. ففي استطلاع منصة (Edu Birdie)، أقر 33% منهم أن التحدي الأبرز أمامهم هو التعامل مع الضغوطات المالية والديون، بينما أشار 21% إلى أن عدم اليقين حيال المستقبل وسوق العمل يشكل أصعب تحدٍ لهم.

هذا، ويُعَد المال أولوية قصوى لهذا الجيل؛ فوفقًا لمنصة (Edu Birdie)، فإن 55% من أفراد الجيل يضعون الاستقرار المالي في مقدمة أولوياتهم، و31% يعتبرون جني المزيد من المال أهم شيء، في حين يخشى 22% عدم الوصول إلى الثروة، في حين يرى 15% أن الأمان الوظيفي أهم من غيره، و55% قلقون من عدم بلوغ الاستقرار المالي مطلقًا.

إن أهمية المال بالنسبة لجيل زد كبيرة لدرجة أنهم مستعدون للتضحية بالعمل من المنزل (41%)، والهوايات (37%)، والحياة الاجتماعية (34%)، بل والعلاقات الشخصية (19%)، وحتى مهام مثيرة في العمل (22%)، مقابل حصولهم على راتب أعلى.

تشير كل هذه المعطيات إلى تزايد التوقعات الملقاة على عاتق أصحاب العمل. فالمطلوب هو التوجه نحو جهات عمل تدفع أجورًا عادلة وسخية، وتوفر مقومات الاستقرار المالي على المدى الطويل من خلال بناء مؤسسات قوية، وتقديم التثقيف المالي، وتهيئة الظروف التي تُمكِّن الموظفين من اتخاذ قرارات مالية سليمة تدعم مستقبلهم الاقتصادي.

المصدر

تحقيق التوازن بين العمل والحياة

تغيَّرت النظرة إلى العمل كثيرًا عمّا كانت عليه في الماضي، فقد انقضت أيام تمجيد الإفراط في العمل بوصفه فضيلة. وأصبح تقدير التوازن بين الحياة المهنية والشخصية ضرورة لا غنى عنها، من قِبل العاملين، والقادة، والمؤسسات، على حد سواء.

يُعَد العمل جزءًا مهمًّا من الحياة؛ إذ يمنح شعورًا بالإسهام والمعنى، غير أن هنالك أبعادًا كثيرة في الحياة لا تقل أهمية خارج إطار العمل. وتشير بيانات منصة (Edu Birdie) إلى أن أفراد جيل زد يُعبِّرون عن وضوح تام في أولوياتهم وقيمهم في هذا الصدد:

السعادة في العمل ترتبط غالبًا بالسعادة خارج العمل. كما أنَّ القيام بأنشطة ممتعة خارج العمل يُسهم في تعزيز الشعور بالرضا داخل بيئة العمل أيضًا. لذا، يُستحسن الالتزام بعمل ذي قيمة، مع الحفاظ على هوية متكاملة متعددة الأبعاد، تشمل الاهتمامات والأنشطة الشخصية خارج نطاق الوظيفة.

وبناءً عليه، باتت مؤسسات عديدة تُولي أهمية متزايدة للجانب الحياتي خارج العمل، جنبًا إلى جنب مع بيئة العمل ذاتها. وتُعَد السياسات التي تتيح المرونة في تحديد توقيت العمل، ومكانه، وطريقته، إحدى السُبل التي تعكس هذا التوجه. كما أن تصميم المهام لتكون ذات مغزى وأثر ملموس، يُعد من المعايير المهمة.

الصحة والرفاهية

جزء مما سبق يرتبط أيضًا بموضوع الصحة والرفاهية، فوفقًا لاستطلاع منصة (Edu Birdie)، فإن 62% من جيل زد يَعتبرون أن صحتهم ورفاهيتهم الجسدية والنفسية تأتي في مقدمة اهتماماتهم، ويشعر 57% منهم  أن الحفاظ على الصحة النفسية وتجنب الإرهاق هو التحدي الأكبر، ويواجه 38% منهم مشكلات في صحتهم الجسدية، ويعترف 14% من هذا الجيل بتأثير وسائل التواصل الاجتماعي على صحتهم.

يواجه هذا الجيل أعلى معدلات من الاكتئاب والقلق والوحدة والانتحار مقارنة بالسابقين؛ لذا تُعَد هذه القضايا أولوية ضرورية للقلق والدعم. لذلك، يستجيب أصحاب العمل عبر توفير أنماط دعم متعددة، مثل: برامج مساعدة الموظف، وتطبيقات للصحة النفسية، وجماعات دعم، وبرامج تنمية تشمل التأمل والتغذية ومجالات أخرى متعددة.

ونتيجة لذلك، يُوصى بالبحث عن ثقافات تنظيمية تُقدِّر الرفاهية الشاملة، وتستثمر فيها المؤسسات في تجارب العمل التي تُعزز الصحة البدنية والعقلية والمعرفية.

النمو الشخصي والمهني

جيل زد يُلهم التوجه نحو النمو الذاتي والمهني؛ إذ يرى 26% من أفراده أن ذلك هو الهدف الأهم، و24% يضعون التطور المهني والتعليمي في أولوياتهم. أما الانتقال إلى مناصب قيادية فيخيف 10% منهم.

وتُظهر المؤسسات تجاوبًا لهذا التأثير، من خلال تبني الشفافية في الرواتب وتوضيح المسارات الممكنة للترقيات، بالإضافة إلى إدراك قيمة التعليم والتطوير المهني في جذبهم والاحتفاظ بهم. وكل ذلك يشير إلى إمكانية توقُّع توفر فرص متزايدة للنمو والتطور المهني طوال مسيرة العمل، في ظل التغيُّرات التي يُحدِثها هذا الجيل في ثقافة بيئة العمل.

يواجه جيل زد مستقبلًا مشرقًا بأولويات واضحة، لكن لديهم أيضًا مخاوف. ومع ذلك يمكن أن يهيئ التركيز على جيل زد الظروف المناسبة لهم لتلقي الدعم، وإعالة أنفسهم، وأن تُتَرجَم مخاوفهم إلى اتجاهات إيجابية تؤثر على جميع الأجيال.

وارتباطًا بما سبق، فإن جذب أفراد جيل زد إلى أي مؤسسة ليس سوى البداية؛ فالإدماج الفعّال لهم ضمن قوة عاملة تمتد عبر خمسة أجيال يُعَد أمرًا بالغ الأهمية؛ إذ إن هذا الاندماج يُسهم في مساعدة القادة الأقل دراية بالتكنولوجيا على تقبُّل المهارات الرقمية التي يتمتع بها جيل زد دون أن يشعروا بالتهديد أو الارتباك. كما يشجع الموظفين الأكثر خبرة على مشاركة معارفهم وخبراتهم مع الأعضاء الأصغر سنًا؛ مما يعزز النمو المهني لجميع الأطراف.

إن إيجاد انسجام بين الأجيال أصبح أمرًا ذا أهمية متزايدة، خاصةً أن واحدًا من كل عشرة من أفراد جيل زد يشغل بالفعل منصبًا إداريًّا، وقد يكون مسؤولًا عن إدارة موظفين من جيل أكبر سنًّا. ويجب التذكير بأن بعض أفراد هذا الجيل باتوا في أواخر العشرينيات ويقتربون من بلوغ سن الثلاثين.

لطالما ترك كل جيل بصمته الخاصة في عالم العمل، بدءًا من انخراط النساء في سوق العمل خلال الحرب العالمية الثانية، وصولًا إلى مساهمات جيل الألفية في رفع مستوى الوعي بشأن قضايا مثل الصحة النفسية. أما الجيل زد، فقد بلغ سن الرشد في أعقاب جائحة تاريخية، واضطرابات جيوسياسية، وأزمة مناخية متصاعدة. وما يبحث عنه هذا الجيل في بيئة العمل –وكذلك ما يرفضه– من المرجح أن يترك أثرًا عميقًا وطويل الأمد على طبيعة أماكن العمل.

المصدر

سيُهيمن جيل زد قريبًا على القوى العاملة بعد تقاعد الأجيال الأكبر سنًّا، ولكن يواجه هذا الجيل تحديات غير مسبوقة في مجتمعنا اليوم، بدءًا من الاضطرابات الاقتصادية وصولًا إلى التغير التكنولوجي السريع. فمع ارتفاع تكاليف التعليم والمعيشة، والتغيرات في سوق العمل، والتقلبات الاقتصادية، ظهرت تحديات فريدة تختلف عن تلك التي واجهتها الأجيال السابقة؛ حيث يدخل جيل زد سوق عملٍ متقلبة؛ حيث قلبت نماذج العمل الجديدة المسارات المهنية التقليدية رأسًا على عقب، فيجد جيل زد نفسه في بيئة غير مستقرة في أثناء سعيه إلى تحقيق أمانه الوظيفي واستقراره المالي.

وقد أدى عدم الاستقرار الاقتصادي في السنوات الأخيرة إلى تفاقم الضغوط على الشباب، والتي يتمثل أبرزها في الآتي:

   1. انعدام الثقة في الأمان الوظيفي لدى جيل زد نتيجة تحولات في سوق العمل

يبدأ جيل زد مسيرته في سوق العمل بشكل مختلف عما شهدته الأجيال السابقة؛ حيث تُعيد فيه نماذج العمل الحديثة تشكيل المفاهيم التقليدية للاستقرار الوظيفي، فلم تعُد الوظيفة الواحدة مدى الحياة التي تمتد إلى أربعة عقود مع صاحب عمل واحد هي القاعدة، بل أصبحت شيئًا من الماضي؛ فقد حلَّت محلها أنماط عمل أكثر مرونة، كالعقود المؤقتة، والوظائف الجزئية، والعمل الحر، التي باتت شائعة بشكل كبير خاصة في قطاع الخدمات.

ورغم أن هذا النوع من العمل يوفر قدرًا من المرونة (واحدة من أكبر مزايا العمل الحر)، فإنه غالبًا ما يفتقر إلى المزايا التقليدية التي تمتعت بها الأجيال السابقة، مثل: التأمين الصحي، وخطط التقاعد، والضمان الوظيفي طويل الأمد، وهذا النوع من العمل الذي بات يُفضّل العمالة المرنة لتقليل التكاليف التشغيلية، خصوصًا في الصناعات ذات الهامش الربحي المنخفض. على سبيل المثال، يعتمد العديد من الشركات، لا سيما في القطاعات الخدمية منخفضة الهامش، على العمالة المؤقتة لتفادي الالتزامات طويلة الأمد؛ مما يؤدي إلى جداول عمل متقلبة ودخل غير منتظم، وهي ظروف تؤثر مباشرة على قدرة الشباب على الادخار، أو التخطيط لمستقبل مستقر ماليًّا.

ونتيجة لذلك، يُحرَم عدد كبير من الشباب من الحصول على تغطيات تأمينية موثوقة أو خطط تقاعد مدعومة من أصحاب العمل، وهو ما لا يضمن توفير الأمان الوظيفي؛ مما يزيد من تعقيد أوضاعهم المالية على المدى البعيد. وفي الوقت ذاته، يواجه ملايين من الشباب حول العالم معدلات مرتفعة من البطالة أو فرص عمل لا تُوظِّف قدراتهم الحقيقية، وحتى من يحصلون على وظيفة غالبًا ما يُحرَمون من الشعور بالأمان الوظيفي.

فقد أصبحت هذه البيئة غير المستقرة تحديًا جوهريًّا يُقوِّض المفهوم التقليدي للتدرج الوظيفي المستقر ضمن شركة واحدة، ويفرض على الأجيال الجديدة البحث عن مسارات مهنية أكثر تنقلًا وتكيفًا. ويمكن تلخيص تحديات اقتصادات العمل الحر والعمل الجزئي في النقاط التالية:

  • العاملون في هذا النمط يُصنفون عادةً كـ”متعاقدين مستقلين”؛ مما يعني غياب المزايا المؤسسية، مثل: التأمين الصحي والتقاعد، إضافة إلى غياب الحماية القانونية الكاملة.

  • تُعرُّض الشباب لانقطاع مفاجئ في الدخل بسبب الطبيعة قصيرة الأجل لهذه العقود، في ظل غياب شبكة أمان اجتماعي حقيقية؛ مما يعمِّق شعورهم بانعدام الأمان الوظيفي.

  • كما أن التقلّبات في حجم الدخل الشهري تُصعِّب عليهم التخطيط المالي السليم أو إدارة الميزانية بثبات، الأمر الذي قد يؤدي إلى أعباء مالية وضغوط نفسية متزايدة.

وعليه، فإن جيل زد يواجه واقعًا اقتصاديًّا جديدًا أكثر مرونة ولكن أقل استقرارًا، وهو ما يتطلب أدوات حماية وتشريعات محدثة، إضافة إلى وعي ذاتي ومهني يساعدهم على التأقلم مع بيئة العمل المتغيرة دون التضحية بأمنهم المالي والنفسي.

   2. تعرُّض جيل زد لضغوطات مالية متزايدة:

فمع تصاعد القلق بشأن تأمين المستقبل في ظل تقلبات اقتصادية حادة، باتت التكاليف المرتفعة وفرص العمل المحدودة تهدد شعورهم بالأمان المالي؛ حيث يُعاني جيل زد من قلق مالي كبير بسبب التضخم وتكاليف المعيشة المرتفعة، حيث تُشكل تكلفة المعيشة المرتفعة في العديد من المدن عقبة كبيرة أمام الشباب، خاصة في المناطق الحضرية. فمع ارتفاع أسعار الإيجارات وركود الأجور، يجد العديد من الشباب صعوبة في مغادرة منازل والديهم، وتحقيق استقلالهم المالي.

ووفقًا لدراسة أُجريت من قبل مركز بيو للأبحاث، فإن 52% من الشباب بين 18 و29 عامًا كانوا يعيشون مع والديهم في عام 2020، وهو أعلى معدل منذ الكساد الكبير؛ مما يؤثر على استقلاليتهم وفرصهم في الادخار والتخطيط للمستقبل.

كما تُشير دراسات أخرى إلى أن أكثر من 50% من جيل زد قلقون بشأن نقص المال، و73% يجدون صعوبة في الادخار بسبب الوضع الاقتصادي الحالي، ويؤثر ارتفاع الأسعار على 59% منهم؛ مما يجعل من الصعب عليهم الادخار لتحقيق أهدافهم، بينما يجد 40% صعوبة في شراء الضروريات بسبب ارتفاع الإيجارات. نتيجة لذلك، يلجأ العديد من الشباب إلى وظائف جانبية أو ثانية لتغطية نفقاتهم؛ حيث يُفكّر نحو 75% منهم في ذلك أو يفعلونه بالفعل.

ويُشير ذلك إلى أن جيل زد يواجه تحديات اقتصادية كبيرة؛ حيث يواجهون ظروفًا أصعب من آبائهم، فالأجيال الأكبر سنًّا تمكنت من بناء ثروتها عندما كانت الأسعار أقل، بينما يواجه جيل زد اليوم تكاليف مرتفعة وركودًا في الأجور.

المصدر

  3. صعوبة تنظيم الوقت والتوازن بين العمل والحياة:

يُولي جيل زد أهمية كبيرة لتحقيق توازن صحي بين العمل والحياة، ويعطون الأولوية للمرونة والصحة النفسية والرفاهية الشخصية، ويتوقعون من أصحاب العمل دعم هذه القيم، وتوفير بيئة عمل مرنة ومريحة. ورغم وعيهم العميق بأهمية التوازن بين العمل والحياة، فإنهم يواجهون صعوبات ملموسة في تحقيقه على أرض الواقع بسبب مجموعة من العوامل من بينها انتشار بيئات العمل التقليدية التي تعمل وفق جداول زمنية صارمة وتعريف صارم للإنتاجية، ويُمكن أن يؤدي التضارب بين توقعات جيل زد وتلك الجداول الزمنية الصارمة إلى عدم الرضا، وانعدام الاندماج بين موظفي جيل زد؛ مما يؤثر على أدائهم ورفاهيتهم. وقد يواجه بعض المديرين صعوبة في التحول من نماذج العمل التقليدية إلى ترتيبات أكثر مرونة يقدرها الجيل.

ومما يعوق اندماجهم في بيئة العمل أيضًا هو تبنِّيهم رؤية مختلفة تجاه الهياكل الوظيفية التقليدية، فهم يفضلون بيئات عمل قائمة على التعاون والانفتاح بدلًا من التسلسل الهرمي الصارم، فغالبًا ما يسعون إلى المشاركة الفعالة في اتخاذ القرار، والمساهمة في تطوير العمل؛ مما يدفعهم إلى تحدي النماذج الإدارية التقليدية، والبحث عن فرص تتيح لهم التعبير عن أفكارهم بشكل مباشر ومؤثر.

    4. حاجة جيل زد إلى مهارات تسويق ذاتية واحتياجات التعلم مدى الحياة:

يشهد العصر الرقمي تطورات تكنولوجية سريعة غير مسبوقة في تقنيات مثل الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي والحوسبة، فوفقًا للمنتدى الاقتصادي العالمي، فإن الثورة الصناعية الرابعة جارية وستحدث تغييرًا جذريًّا في الصناعات وأسواق العمل. وتلك السرعة الهائلة في التقدم التكنولوجي تجعل المهارات والمعارف اللازمة للقوى العاملة تتغير باستمرار.

فالعصر الرقمي أحدث تحولًا جذريًّا في المشهد الوظيفي؛ حيث تتغير الأدوار الوظيفية التقليدية وتظهر أدوار جديدة، مثل: علوم البيانات، والأمن السيبراني، والتسويق الرقمي. ويدرك العديد من أفراد جيل زد هذا الاتجاه ويشعرون بالقلق، كما يُدركون أيضًا أن الأمن الوظيفي لم يَعُد مضمونًا بمجرد الحصول على شهادة جامعية، بل يتعلق بالمرونة واكتساب المهارات وتحديث المعارف لمواكبة متطلبات سوق العمل المتطورة.

بالإضافة إلى ما سبَّبه التطور التكنولوجي من ضغوطات مجتمعية على هذا الجيل، تُشكل وسائل التواصل الاجتماعي توقعات غير واقعية حول النجاح وأسلوب الحياة، فيشعر الكثيرون أنهم يجب أن يكونوا مثاليين في كل جانب من جوانب حياتهم؛ مما يؤدي إلى شعور بالتخلُّف أو الإحباط.

كل ذلك يؤكد ضرورة التعلم المستمر، فلم يعُد التعلم مدى الحياة خيارًا، بل أصبح ضرورة للنجاح المهني والتطوير الشخصي. ونظرًا للتغيرات السريعة في سوق العمل، يحتاج جيل زد إلى إعادة صقل مهاراتهم باستمرار طوال حياتهم المهنية.

فإذا لم يتدارك جيل زد هذه التحديات، قد يواجه صعوبات في التأقلم مع سوق العمل؛ مما يؤثر على ثقتهم بأنفسهم وقابليتهم للتوظيف. هذا، ويجب على المؤسسات التعليمية والشركات العمل معًا لتوفير الفرص التعليمية والتدريبية التي تُمكِّن جيل زد من التكيف مع التكنولوجيا المتقدمة والاستفادة منها في سوق العمل.

   5. تعرض جيل زد لفجوة بين التعليم والمهارات العملية:

رغم أن جيل زد يُعَد من أكثر الأجيال تحصيلًا أكاديميًّا، فإن المفارقة تكمن في شعور العديد منهم بعدم الجاهزية الكافية لمتطلبات سوق العمل الفعلي، فما زالت هناك فجوة واضحة بين ما يقدمه التعليم التقليدي وبين المهارات العملية المطلوبة في اقتصاد اليوم الذي يعتمد بشكل متزايد على التكنولوجيا الحديثة. هذه الفجوة تُبرز الحاجة إلى إصلاحات تعليمية تواكب التحولات السريعة في بيئة العمل وتُهيئ الشباب بشكل أكثر واقعية وتطبيقية.

فوجود فجوة كبيرة بين المهارات التي تُكتَسب من خلال التعليم الأكاديمي والمهارات المطلوبة في سوق العمل، يُعرِّض جيل زد لتحديات كبيرة في سوق العمل.

وتُعاني الأنظمة التعليمية من تباطؤ في دمج المهارات الناشئة، مثل البرمجة وتحليل البيانات، في المناهج الدراسية، وهي مهارات يتطلبها سوق العمل؛ مما يؤدي إلى نقص في المهارات الرقمية ومواهب الذكاء الاصطناعي.

هذا، ويُشكل ارتفاع تكلفة التعليم العالي عقبة كبيرة أمام جيل زد؛ حيث ترتفع ديون الطلاب في العديد من البلدان؛ مما يُجبر الشباب للعمل من أجل الدخل بدلًا من اتباع شغفهم، وأحيانًا يتجهون لوظائف خارج مجال دراستهم. هذا الوضع يؤدي إلى حرمان البعض من فرص وظيفية معينة بسبب عدم قدرتهم على تحمل تكاليف الدراسة الجامعية أو اختيارهم عدم الالتحاق بها. وفي الوقت نفسه، تُظهر بعض قطاعات الخدمات مرونة في متطلبات التوظيف وعدم اشتراط شهادة جامعية، لكنها تقدم فرصًا محدودة للارتقاء الاجتماعي. هذه الحالة تخلق مفارقة؛ حيث يحتاج الفرد إلى التعليم لتحقيق أجر أفضل، وفي الوقت نفسه يحتاج إلى المال لتحمل تكاليف التعليم.

المصدر

Leave A Reply

Your email address will not be published.