من عمق المشهد | د. ست البنات حسن أحمد تكتب …… نحو جالية خدمية نهضوية: حين تسقط الوصاية وتنتصر المؤسسية

12

من عمق المشهد |
د. ست البنات حسن أحمد

*نحو جالية خدمية نهضوية: حين تسقط الوصاية وتنتصر المؤسسية*

يعيش السودانيون في جمهورية مصر العربية اليوم منعطفاً مفصلياً غير مسبوق في تاريخ وجودهم بالمهجر؛ فالكتلة البشرية الهائلة، والتنوع الديمغرافي الثري، والخبرات النوعية المتراكمة، تجعل من هذه الجالية قوة حضارية، واجتماعية، واقتصادية ضاربة. إنها طاقة جبارة قادرة على أن تكون خط الدفاع الأول لإسناد قضايا الوطن، وظهيراً صلباً لملايين الأسر والوافدين، وجسراً حيوياً لتمتين وشائج الإخاء والمصير المشترك بين الشعبين الشقيقين في وادي النيل.
غير أن النظر إلى المشهد من عمقه يكشف مفارقة مؤلمة: هذه الطاقة الاستثنائية تصطدم في الواقع العملي بعقلية إدارية بالية، تُصرّ على إعادة إنتاج ذات النهج الإقصائي الذي قيّد العمل العام لسنوات طوال، ونفّر الكفاءات الوطنية وزهدها في المشاركة.
أولاً: تفكيك فخ الولاء قبل الكفاءة
إن الممارسات القديمة القائمة على تقديم “أهل الثقة والولاء” على “أهل الخبرة والاستحقاق”، وتهميش القامات الفاعلة، وهندسة “جمعيات عمومية صورية” عبر انتقائية مقيتة وإقصاء مقصود للكيانات الحية؛ لم تعد مجرد ممارسات متجاوزة زمنياً وفكرياً، بل غدت عائقاً مباشراً يُجهض أي مسعى لبناء منظومة خدمية تصون كرامة المواطن السوداني في بلاد المهجر.
إن المرحلة الراهنة لا تحتمل التشبث بالمناصب بلا اقتدار، ولا تدار بعقلية المكاتب المغلقة وأصحاب النظرة الفئوية الضيقة التي تفرّ من استحقاقات الشفافية والمساءلة. فالعمل العام ليس ساحة للاستقطاب السياسي أو التكسب الوجاهي والتجارة بطاقات الناس وآلامهم؛ بل هو في أصله وجوهره “أمانة استخلافية وخدمة قومية”، غايتها صون كرامة الإنسان الصابر، وتحويل طاقاته من خانة الاستهلاك والانتظار إلى منصة الإنتاج والإعمار.
ثانياً: التحول المؤسسي.. ركائز الانطلاق الجديد
من هنا، لا تأتي الدعوة إلى إحداث نقلة تنظيمية شاملة—والتي تتجسد اليوم في حراك “تحالف مستقبل الجالية”—كتنافس انتخابي عابر، بل كمخاض وطني ضروري لتأسيس عهد جديد يُعيد الاعتبار لقواعد العمل العام الراشد وفق محددات لا مساومة عليها:
* العدالة وتكافؤ الفرص: فتح أبواب المشاركة والتمثيل لكافة أطياف المجتمع السوداني دون وصاية أبوية، أو تمييز فئوي، أو إقصاء جغرافي أو سياسي.
* الاحتكام للبرامج لا للشخوص: إسقاط منطق الهتاف والوعود الشفهية، وجعل “الخطط القابلة للقياس والتنفيذ” شرطاً جوهرياً للتصدي للمسؤولية؛ فالشرعية لا تُمنح بالأقدمية بل بما يتحقق على الأرض.
* المواكبة الاستراتيجية لقضايا الوطن: أن تسير الجالية جنباً إلى جنب مع مسارات التعافي الوطني، متسقة مع متطلبات إعمار ما دمرته الحرب، ومسخرة إمكاناتها لخدمة قضايا السودان المصيرية، بالتنسيق الحضاري الشفاف مع مؤسسات الدولة المصرية الشقيقة.
ثالثاً: من التمثيل الشكلي إلى آفاق البناء التنموي
إن الطموح المشروع لجالية يتجاوز تعدادها الملايين يفرض تجاوز الأطر التقليدية التي تختزل دور الكيانات في إصدار بيانات بروتوكولية أو تنظيم مناسبات اجتماعية عابرة. المطلوب اليوم هو تحويل مجلس الجالية إلى “مؤسسة تنموية وخدمية متكاملة” تُلامس تفاصيل المعاش اليومي من خلال مشاريع هيكلية مستدامة:
* منظومة تأمين صحي تكافلية: تجاوز مسكنات “الفزعة الفردية” عبر بناء شبكة تعاقدية مع المستشفيات والمراكز العلاجية، وتأسيس صندوق دوائي وإسعافي يحفظ كرامة المريض السوداني.
* رعاية البيئة التعليمية: إسناد حقيقي للمدارس والمراكز التعليمية السودانية، وتطوير أوعية جامعية تستوعب آلاف الطلاب الذين هددت الحرب مستقبلهم الأكاديمي، بالتنسيق التام مع الجهات الرسمية في البلدين.
* أوعية اقتصادية تضامنية: تحفيز إنشاء صناديق إنتاجية ومصرفية تكافلية تدعم الأسر المنتجة وصغار الحرفيين، وتوظف مدخرات ومبادرات المغتربين والمهنيين لتوليد فرص العمل والاستقرار الاجتماعي.

رابعاً: كلمة أخيرة.. إرادة التغيير تصنع المستقبل
إن القيود القديمة، والجمعيات العمومية المصممة سلفاً لإنتاج الفشل، لن تكون سداً في وجه الإرادة الصادقة للخدمة الوطنية والنهوض المجتمعي؛ فالأفق أرحب بكثير من أروقة القاعات المغلقة، حين يستند العمل العام إلى الشفافية الصارمة، والتفويض الشعبي الموثوق، والنزاهة المؤسسية.
لقد برهن السودانيون على مر العصور أنهم صنّاع حضارة وأهل إعمار أينما حلوا وأقاموا. وما تحتاجه جاليتنا في مصر اليوم ليس اجترار الصراعات أو استجداء الحلول، بل “إرادة حرة، وتخطيط رشيد، ووحدة صف قومية”؛ لتعود لـ”*بيت السودانيين*” هيبته ومكانته، وليكون العمل العام مرآة حقيقية تليق بأصالة هذا الشعب وعظمة تضحياته.

Leave A Reply

Your email address will not be published.