من عمق المشهد| د. ست البنات حسن أحمد تكتب ……… فخ “الأرقام الورقية”.. حين ننتظر الحصاد من مكاتب لا حقول
من عمق المشهد
د. ست البنات حسن أحمد
فخ “الأرقام الورقية”.. حين ننتظر الحصاد من مكاتب لا حقول
من وحي مقالنا السابق، ونحن نناقش حيرة المزارع بين شح الغيث ووعود الوزير، وما سبقه من تشريح لأزمة صناعة السكر وأوهام الطاقات التصميمية؛ تتجلى للمتابع من عمق المشهد حقيقة واحدة تكاد تختصر أزمة التنمية والاقتصاد في هذا البلد: نحن أمة أدمنت التخطيط على الورق، وغفلت عن متطلبات الأرض ..
في مقال السكر، استعرضنا كيف ظلت التقارير الرسمية على مدى سنوات تتفاخر بأن طاقة مصانعنا التصميمية تتجاوز 1.2 مليون طن، بينما لم يكن حصادنا الفعلي يلامس ربع هذا الرقم. وفي ملف الموسم الزراعي، رأينا كيف يُراد لملايين المزارعين المنهكين بالنزوح وتكلفة الوقود أن يستندوا إلى مجرد تصريحات جزافية تقطع بنجاح الموسم، لمجرد أن التقاوي كُتبت في مذكرات التمويل وسُجلت خططها في دفاتر البنك الزراعي . هذه المفارقة المكررة تضعنا أمام ظاهرة هيكلية خطيرة: فصل القرار الإداري عن كيمياء الواقع الميداني
أولاً: وهم التخطيط المكتبي
إن إدارة الاقتصاد الإنتاجي—وفي مقدمته قطاعا الزراعة والتصنيع الزراعي—لا تقوم على حسابات الجمع والطرح النظري , حيث تنهض الشعوب حين تتجه البوصلة نحو الإنتاج الحقيقي، وتدرك أن ثروة الأوطان لا تُصنع خلف المكاتب المغلقة، ولا تغذيها المعاملات الورقية الممتدة، بل تنبت في رحم الأرض . فالفدان لا يُعطي إنتاجه لأنه مدرج في خطة طموحة، بل ينتج إذا وصلت جرعة السماد في ميعادها، ورُوي في ساعته، وحُصد قبل أن يتلف
والمصنع لا يدور لأن إدارته وضعت جدولاً للتشغيل، بل يدور إذا كان المزارع يملك دافعاً لبيع محصوله بسعر عادل، وكان العامل يجد أمانه وبيئته اللائقة، وكانت خطوط النقل آمنة وخالية من الجبايات والاختناقات , الخلل يكمن في اعتبار “تأمين المدخل في العاصمة أو الميناء” إنجازاً كافياً لاكتمال العملية الإنتاجية؛ بينما المعيار الحقيقي هو وصول ذلك المدخل إلى آخر نقطة في الريف بالسعر والوقت المناسبين. إن مسافة الميل الأخير بين المستودع والحقل هي التي يتحدد عندها مصير الموسم كله، وهي غالباً المسافة التي تسقط من حسابات المكاتب.
ثانياً: نقل الكلفة وتغييب العدالة
الخيط الرابط الآخر بين أزماتنا الإنتاجية هو الاستسهال الدائم في “نقل الكلفة” إلى الطرف الأضعف.
حين يتعثر مصنع السكر أو تتراجع كفاءته التشغيلية، يُعوَّض العجز بحماية جمركية مفتوحة يدفع ثمنها المستهلك من قوته اليومي، أو ببخس حق المزارع في طن القصب
* وحين تتأخر الدولة في توفير مدخلات الزراعة المطرية أو ضبط أسواق الوقود، يُطلب من المزارع وحده أن “يتكيف ويصمد” وأن يراهن برأس ماله وأرضه لإنقاذ الأمن الغذائي القومي، فإن نجح الموسم كان إنجازاً للسياسات، وإن تعثر تحمل هو وحده غياهب الإعسار وديون السلم.
لا يمكن لأي منظومة اقتصادية أن تحقق استدامة وهي قائمة على هذا النمط من خصخصة النجاح وتعميم الخسائر. النجاح لا يكون حقيقياً إلا إذا كان نتاج كفاءة مؤسسية تحترم الإنسان الذي يقف خلف الآلة والمحراث، وتجعل عدالة التوزيع رديفاً لكفاءة الإنتاج.
ثالثاً: ما الذي نحتاجه لتغيير المعادلة؟
إن الخروج من هذه الحلقة المفرغة يتطلب شجاعة القطيعة مع أسلوب “إدارة التمنيات”:
* النزول إلى لغة القياس الفعلي: الانتقال من إعلان الطاقات النظرية والمساحات المستهدفة إلى قياس الإنتاج المتحقق فعلياً، وتتبع كفاءة سلاسل الإمداد خطوة بخطوة؛ فالطن الذي يصل المصنع ويباع للمستهلك بسعر مناسب هو الرقم الوحيد الذي يستحق الذكر.
* إصلاح حلقة الوصل بين الإدارة والميدان: بناء قنوات اتصال شفافة وآنية تنقل صوت المزارع والمنتج الصغير إلى مراكز صنع القرار دون تجميل؛ لمعالجة الاختناقات لحظة وقوعها بدلاً من انتظار مواسم التقاويم السنوية لتسجيل الخسائر.
* محاسبة السياسات بالنتائج لا بالنوايا: يجب أن يخضع كل دعم حكومي، وكل برنامج استثنائي، للمساءلة الدقيقة: كم كلف؟ ومن استفاد منه فعلاً؟ وما هي القيمة المضافة الصافية التي عادت على الاقتصاد والمجتمع؟
كلمة أخيرة..
إن أرض هذا الوطن لم تبخل يوماً، وإنسانه لم يستكن لعجز؛ لكن ما أثقل كاهل الإنتاج هو الاعتقاد بأن الأزمات تُحل بالبيانات الإنشائية والتفاؤل غير المشروط. إنقاذ الإنتاج الوطني يبدأ يوم نغلق دفاتر المكاتب المعزولة، وننزل إلى الحقول لنزن الأمور بموازين العرق والأرض، محققين معادلة الكفاءة المقرونة بالعدالة، فذلك وحده مخرجنا الآمن من عمق المشهد.