صحيفة القوات المسلحة | شيء للوطن | صلاح غريبة يكتب: تكامل الخنادق: محمد فتح الرحمن.. دبلوماسية “الكرامة” في محراب التعليم

117

شيء للوطن
م.صلاح غريبة
Ghariba2013@gmail.com

تكامل الخنادق: محمد فتح الرحمن.. دبلوماسية “الكرامة” في محراب التعليم

لا تُقاس قامة الرجال بالمناصب التي يشغلونها، بل بالأثر الذي يتركونه في أوقات المحن. وفي تاريخ الشعوب، تبرز شخصيات تتجاوز حدود التكليف الوظيفي لتمارس دوراً وجودياً يمسّ صلب استقرار المجتمع ومستقبله؛ وهذا ما جسده بامتياز سعادة العميد محمد فتح الرحمن، نائب الملحق الفني بسفارة السودان بالقاهرة، والذي ودعته الأوساط التربوية والدبلوماسية في ليلة وفاء نادرة نظمتها مؤسسة “أبو ذر الكودة” التعليمية.

لقد لفتت احتفالية “مدرسة الكودة” الأنظار إلى زاوية غاية في الأهمية: أن معركة الكرامة التي يخوضها السودان اليوم ليست عسكرية فحسب، بل هي معركة وعي واستمرارية. فحين وصف الأستاذ عمر مبارك الكودة المحتفى به بأنه “أحد محاربي معركة الكرامة في ميدان التعليم“، لم يكن ذلك مجرد بلاغة خطابية، بل توصيف دقيق لمن جعل من مكتبه ثغراً لحماية مستقبل آلاف الطلاب السودانيين في ظل ظروف استثنائية بالغة التعقيد.

ما قدمه العميد محمد فتح الرحمن في ملف “الشهادة السودانية” المؤجلة لعامي (2023-2024) يمثل نموذجاً لما يمكن تسميته “الإدارة بالأزمات“. إن تأمين الامتحانات من لحظة الاستلام وحتى إعادتها، وضمان نزاهتها في بيئة نزوح واغتراب، هو عمل لوجستي وأمني وتربوي جبار. لقد أثبت الرجل أن الدبلوماسي الناجح هو الذي ينزل إلى تفاصيل معاناة المواطن، ويصنع من منصبه جسراً لتذليل العقبات، لا جداراً من البيروقراطية.

تستحق مؤسسة الكودة التعليمية تقديراً خاصاً، ليس فقط لتكريمها أهل العطاء، بل لكونها أضحت منصة تعكس وجدان الإنسان السوداني. وما “كورال الكودة” الذي ألهب مشاعر الحاضرين إلا دليل على أن التعليم يتجاوز التلقين إلى بناء الهوية؛ وهي دعوة نضم صوتنا فيها إلى ضرورة توثيق هذا الإبداع الفني الذي يرتقي بالذائقة الوطنية في زمن الشتات.
لقد غادر العميد محمد فتح الرحمن موقعه في القاهرة، ليس ليرتاح، بل ليمتطي صهوة جواد المهنة في “ثغر” آخر من ثغور بلاد النيلين. رحل تاركاً وراءه ما أسماه المستشار عاصم محمد الحسن “إرثاً يُنهك من يأتي بعده“، لأنه رفع سقف العطاء، وأكد في كلمته المؤثرة أن “روح العمل هي التي تصنع الإنجاز لا المسميات”.

إن هذا التكريم هو رسالة لكل مسؤول سوداني في الخارج: أن الوفاء لا يُشترى، بل يُنتزع بالإخلاص. سيبقى محمد فتح الرحمن نموذجاً للفارس الذي أدى ضريبة الوطن في غربته، وعاد إلى حضن السودان ليواصل مسيرة العزة والكرامة.

مصدر المقال

القوات المسلحة – الأحد -٨-٢- ٢٠٢٦م

Leave A Reply

Your email address will not be published.