تحولات الاقتصاد العالمي في عصر الذكاء الاصطناعي

426

العدد الأسبوعي رقم 219-  الجمعة 3 أكتوبر 2025
تحولات الاقتصاد العالمي في عصر الذكاء الاصطناعي

اضغط هنا لتصفح النشرة من الموقع

صباح الخير قراءنا الكرام،

تشهد الاقتصادات العالميّة تحوّلًا هيكليًّا عميقًا تقوده الطفرة المتسارعة في تقنيات الذكاء الاصطناعي، مدفوعة بتراكم البيانات، وتقدّم قدرات الحوسبة، ونضج نماذج التعلّم الآلي. لم يَعُد أثر الذكاء الاصطناعي مقتصرًا على تحسين الكفاءة داخل خطوط الإنتاج أو أتمتة المهام الروتينيّة؛ بل امتدّ إلى ابتكار منتجات وخدمات جديدة، وإعادة تشكيل سلاسل القيمة، وتوسيع قاعدة الاستهلاك، بما يعزّز الإنتاجيّة والنموّ ويُسرّع دورات الابتكار.

وفي موازاة الفرص الاقتصاديّة الواعدة، يثير هذا التحوّل أسئلة جوهريّة حول مستقبل العمل وتوزيع العوائد، والذي يدفع لضرورة التركيز على التوازن بين مكاسب تبني الذكاء الاصطناعي، وتجاوز مخاطر الإزاحة الوظيفيّة، واتّساع فجوات عدم المساواة من خلال تطوير استراتيجية استباقيّة. كما يترك الذكاء الاصطناعي بصمته على التجارة العالميّة وسلاسل الإمداد عبر خفض تكاليف المعاملات وتحسين الامتثال واللوجستيات، مقابل تحدّياتٍ متزايدةٍ فيما يتعلق بخصوصيّة البيانات، والأمن السيبراني، وشفافيّة اتخاذ القرارات آليًّا. وتزداد أهميّة الحوكمة الرشيدة للذكاء الاصطناعي- استثمارًا وبنيةً تحتيّةً ورأسَ مالٍ بشريًّا- بوصفها شرطًا لازمًا لتحويل الإمكانات التقنيّة إلى عوائد ملموسة على التنمية الشاملة والمستدامة.

وانطلاقًا من هذا الواقع، يقدم العدد قراءةً تحليليّةً مُحكمة لآثار الذكاء الاصطناعي الاقتصاديّة والاجتماعيّة على الاقتصاد العالمي، ويقترح مساراتٍ عمليّةً لتعظيم المنافع وتقليص المخاطر عبر الاستثمار في البحث والتطوير، وبناء منظوماتٍ رقميّةٍ موثوقة، وتنمية المهارات، وتفعيل التعاون الدولي، بما يدعم صُنّاع القرار في صياغة استجاباتٍ متوازنة تُحوّل الذكاء الاصطناعي إلى رافعةٍ للنمو والتقدم والرفاه الاقتصادي.

ويستعرض هذا العدد ما يلي:

  • القسم الأول: الذكاء الاصطناعي محرك رئيس للنمو الاقتصادي.

  • القسم الثاني: تطبيقات الذكاء الاصطناعي وأثرها في تطوير القطاعات الاقتصادية.

  • القسم الثالث: تحولات سوق العمل في عصر الذكاء الاصطناعي.. تحديات وتطلعات مستقبلية.

  • القسم الرابع: الذكاء الاصطناعي ونمو التجارة العالمية: الفرص والتحديات.

  • القسم الخامس: مسارات تعزيز الدور الفعال للذكاء الاصطناعي في تحسين أداء الاقتصاد العالمي.

اضغط هنا للتواصل معنا

يتطور الذكاء الاصطناعي بوتيرة سريعة، مع تزايد ابتكارات التعلم الآلي والحوسبة، إضافة إلى النمو السريع للبيانات؛ مما يُغير باستمرار من إمكاناته واستخداماته، ومع التوسع المستمر في تطبيق تقنيات الذكاء الاصطناعي تشير التوقعات إلى مكاسب اقتصادية كبيرة محتملة من الذكاء الاصطناعي.

وتؤكد بعض التقديرات أن الذكاء الاصطناعي من المتوقع أن يسهم في زيادة الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة تصل إلى 14% بحلول عام 2030، أي ما يعادل 15.7 تريليون دولار إضافية، ومن المتوقع أن يأتي 6.6 تريليونات دولار من هذا المبلغ من زيادة الإنتاجية، بينما من المتوقع أن يأتي 9.1 تريليونات دولار من تأثيره على استهلاك المستهلكين وهو ما يجعله فرصة كبرى لتعزيز الاقتصاد العالمي سريع التغيّر.

أولًا: محددات تأثير الذكاء الاصطناعي على النمو الاقتصادي

وفقًا للتقديرات، فالتأثير ليس مؤقتًا أو محدودًا، بل هو تحوّل هيكلي واسع النطاق قادر على إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي على امتداد العقود القادمة. كما أن هناك عدة محركات رئيسة لهذا الأثر الاقتصادي، من بينها:

تحسين الإنتاجية: من خلال أتمتة العمليات باستخدام الروبوتات والمركبات ذاتية القيادة، إضافة إلى تعزيز قدرات القوى العاملة البشرية عبر أنظمة الذكاء الاصطناعي.

زيادة الطلب الاستهلاكي: نتيجة توافر منتجات وخدمات ذات جودة أعلى وأكثر تخصيصًا بفضل الذكاء الاصطناعي.

الابتكار في المنتجات: مع مرور الوقت سيتزايد أثر ابتكار منتجات جديدة مدعومة بالذكاء الاصطناعي على حساب المكاسب الناتجة فقط عن تحسين الكفاءة.

وفي هذا الصدد ترى التقديرات أن تحسين الإنتاجية سيمثل في البداية المصدر الأكبر للمكاسب الاقتصادية، خاصة في القطاعات كثيفة رأس المال مثل التصنيع والنقل؛ حيث يمكن للأتمتة أن تقلل التكاليف وتسرّع العمليات بشكل جوهري. ومن المتوقع أن تمثل هذه التحسينات أكثر من 55% من إجمالي المكاسب في الناتج المحلي الإجمالي خلال الفترة بين عامي 2017– 2030. ومع ذلك، فمع مرور الوقت ستتحول الكّفة لصالح الاستهلاك، وسوف يأتي 58% من المكاسب المتوقعة في عام 2030 من الطلب الاستهلاكي المتزايد على المنتجات والخدمات المحسّنة بالذكاء الاصطناعي.

كما تؤكد العديد من الدراسات على إمكانات الذكاء الاصطناعي في تعزيز الإنتاجية، مع ملاحظة أن آثاره تختلف باختلاف المهام والظروف. ويمكن قياس الإنتاجية بعدة طرق، منها إنتاجية العمالة، التي تُعرّف بأنها الناتج لكل عامل أو لكل ساعة عمل، وإنتاجية عوامل الإنتاج الإجمالية، التي تعكس كفاءة استخدام جميع عناصر الإنتاج (مثل العمالة ورأس المال والمواد أحيانًا). وعلى سبيل المثال، أشارت دراسة أجريت على موظفي خدمة العملاء إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي أسهم في زيادة الإنتاجية، من حيث عدد المشكلات التي تم حلها في الساعة، بنسبة 15% في المتوسط، وتحسّن أداء الموظفين الأقل خبرة ومهارة من حيث السرعة والجودة على حد سواء.

المصدر

ثانيًا: أثر الذكاء الاصطناعي على مستوى مناطق العالم المختلفة

من الناحية الاقتصادية الكلية، هناك فرص أمام الاقتصادات الناشئة لتجاوز نظيراتها الأكثر تقدمًا، فوفقًا للسيناريو الأساسي للتوقعات، والذي يقوم على افتراض عدم قدرة الاقتصادات ذات الدخل المنخفض على اللحاق بركب الاقتصادات ذات الدخل المرتفع من حيث التكنولوجيا والبنية التحتية الرقمية، من المرجح أن يرتفع دخل الاقتصادات ذات الدخل المرتفع بنسبة 14%، مقارنة بـ 11% للاقتصادات ذات الدخل المتوسط ​​و8% للاقتصادات ذات الدخل المنخفض. ومع ذلك، فإن هذا الفارق يتقلص بشكل كبير إذا تحسنت البنية التحتية الرقمية في الاقتصادات ذات الدخل المنخفض؛ حيث من المتوقع أن يصل نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى 11% في الاقتصادات ذات الدخل المنخفض، و12% في الاقتصادات ذات الدخل المتوسط ​​والدخل المرتفع.

أما في السيناريو الذي يتضمن التوسع في تحسين البنية التحتية للذكاء الاصطناعي والتبني الواسع لتقنياته، فمن المتوقع أن تستفيد الاقتصادات ذات الدخل المنخفض والمتوسط ​​بشكل أكبر؛ حيث يصل نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى 15% في الاقتصادات ذات الدخل المنخفض و14% في الاقتصادات ذات الدخل المتوسط.

من ناحية أخرى، تُظهر التحليلات أن الأثر الاقتصادي لن يتوزع بالتساوي بين المناطق؛ إذ ستشهد الصين أكبر المكاسب نسبيًّا، حيث يتوقع أن يرتفع ناتجها المحلي الإجمالي بنسبة 26.1% بحلول عام 2030، بما يعادل 7 تريليونات دولار إضافية. ويعود ذلك إلى اعتمادها الكبير على التصنيع، إضافة إلى مستويات الاستثمار المرتفعة وإعادة ضخ الأرباح في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي.

أما أمريكا الشمالية فتأتي في المرتبة الثانية، مع مكاسب متوقعة بنسبة 14.5% في الناتج المحلي الإجمالي، بما يعادل 3.7 تريليونات دولار، مدفوعة بقدرتها العالية على تبني التكنولوجيا بسرعة، وبنيتها التحتية الرقمية المتقدمة، وتوافر رأس المال البشري والخبرات. وفي المقابل، ستشهد أوروبا وآسيا المتقدمة مكاسب تتراوح بين 10% و11.5% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما ستبقى المكاسب في أمريكا اللاتينية وإفريقيا بنحو 5.6%، نتيجة ضعف معدلات تبني التكنولوجيا والقيود الهيكلية على البنية التحتية والاستثمار.

ثالثًا: التأثير على القطاعات الاقتصادية المختلفة

يمتد تأثير الذكاء الاصطناعي إلى القطاعات الاقتصادية المختلفة؛ حيث تشير التوقعات إلى تأثير الذكاء الاصطناعي على عدد من القطاعات الاقتصادية بشكل أكبر؛ حيث ستكون الأكثر استفادة من تلك التقنيات، ومن بينها مجالات الرعاية الصحية، والتي ستشهد تحوّلًا عبر دعم التشخيص والكشف المبكر عن الأمراض وتخصيص العلاج، ما يرفع من جودة الخدمات الصحية ويزيد من الكفاءة.

أما الخدمات المالية فستتأثر عبر تطبيقات مثل التخطيط المالي المخصص والكشف عن الاحتيال وأتمتة العمليات، ما يتيح حلولًا أوسع وأرخص للمستهلكين. وتشير التقديرات إلى أن قطاع التجزئة سيحقق مكاسب كبيرة من خلال الإنتاج المخصص، والتنبؤ بالطلب، وإدارة المخزون بسلاسة أكبر؛ مما يحسن تجربة المستهلك ويزيد حجم الإنفاق، وكذلك، سيغير الذكاء الاصطناعي ملامح النقل والخدمات اللوجستية من خلال الشاحنات ذاتية القيادة، وإدارة المرور لتقليل الازدحام، وزيادة الاعتماد على الأتمتة في المستودعات، وكلها عوامل ترفع الكفاءة وتخفض التكاليف وتفتح الباب أمام استهلاك وخدمات جديدة.

المصدر

يشهد العالم تطورًا متسارعًا في تقنيات الذكاء الاصطناعي؛ حيث أصبحت هذه التكنولوجيا قادرة على محاكاة مهارات التعلم والفهم البشريين وحل المشكلات، وقد باتت عنصرًا أساسيًّا في العديد من القطاعات الاقتصادية؛ إذ أحدثت تحولات جذرية في طرق العمل وأسهمت في مواجهة التحديات العالمية عبر تطبيقات واسعة ومتنوعة.  ومع استمرار تطور تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، من المتوقع أن يتوسع تأثيرها ليشمل مختلف القطاعات بشكل كبير في المستقبل. وفيما يلي أبرز تطبيقات وابتكارات الذكاء الاصطناعي في عدد من القطاعات الاقتصادية:

أولًا، تطبيقات الذكاء الاصطناعي في قطاع الزراعة: 

في الوقت الراهن، تبرز تطبيقات واسعة للذكاء الاصطناعي في الممارسات الزراعية، تشمل إدارة التربة والمحاصيل، وإنتاج البذور الهجينة، وتطوير أصناف جديدة، وتسويق المحاصيل عبر التطبيقات، فضلًا عن شبكات أفضل لتسعير المنتجات، والإدارة الفعالة لأنظمة الري.

بالإضافة إلى ذلك، فقد أسهمت حلول التسميد والمبيدات القائمة على الذكاء الاصطناعي في تحسين الكفاءة وقلّصت من استخدام المدخلات في الزراعة. كذلك، فقد أحدثت الطائرات المسيّرة المعززة بالذكاء الاصطناعي ثورة في القطاع الزراعي؛ حيث تُستخدم في التخفيف من آثار الطقس غير المواتي، وزيادة الإنتاج، وتحسين جودة الزراعة، وتحسين غلة المحاصيل. ومن الجدير بالذكر أن قيمة السوق العالمية للحلول القائمة على الطائرات بدون طيار تُقدّر بـ127.3 مليار دولار، يخصص منها 32.4 مليار دولار لقطاع الزراعة.

إلى جانب ذلك، تُستخدم الروبوتات في الزراعة عبر تقنيات “الزراعة الدقيقة” (Precision Farming)، وهي طريقة زراعية مُطوّرة بالذكاء الاصطناعي تتضمن استخدام أنظمة التموضع عالية الدقة، والخرائط الجيولوجية، وتقنيات الاستشعار عن بُعد، والاتصالات الإلكترونية المتكاملة، بما يسهم في تقدير أوقات الزراعة والحصاد المثلى، وإدارة الموارد المائية، وإدارة مغذيات النبات والتربة، ومكافحة الآفات والقوارض.

اتصالًا، فقد شهدت الأدوات الزراعية، لا سيما الجرارات، تحولات كبيرة من خلال استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يظهر جليًّا في جرار (Monarch MK-V) الكهربائي القابل للتشغيل الذاتي ويعتمد على أنظمة التعلم العميق لمعالجة البيانات في الوقت الفعلي، وجرار (Yanmar e-X1) الكهربائي الذي يمكن التحكم فيه عن بُعد للعمل في البيئات القاسية أو الخطرة، كما يتمتع بقابلية التشغيل الذاتي، وأخيرًا جرار (John Deere) الكهربائي المستقل المقرر إطلاقه في أستراليا عام 2026، والذي من المتوقع أن يُحدث ثورة في الزراعة الأسترالية بفضل قدراته الذكية.

بشكلٍ عام، فقد ساعدت تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الزراعة؛ لا سيما “الزراعة الدقيقة”، في رفع غلات المحاصيل بنسبة 20-30%، بينما خفّضت أنظمة الري الذكية استهلاك المياه بما يصل إلى 25%. ومن المتوقع أن ينمو استخدام الذكاء الاصطناعي في سوق الزراعة العالمية بمعدل نمو سنوي مركب يقارب 25% بين عامي 2023 و2031.

مع ذلك، يحتاج توظيف الذكاء الاصطناعي في الزراعة إلى أن يصبح أكثر جدوى تجاريًّا، من خلال إتاحة الحلول الجديدة على منصات مفتوحة المصدر، بما يسهم في خفض أسعارها، وزيادة تبنيها من قِبل المزارعين.

ثانيًا، تطبيقات الذكاء الاصطناعي في قطاع التصنيع: 

تواجه عمليات التصميم والتصنيع تحديات معقدة تتعلق بالتعقيد والسلوك غير المتوقع والتغير المستمر، إلا أن تقنيات البيانات الضخمة والمعالجة السريعة والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي، بما في ذلك أنظمة التعلم الآلي والعميق، أحدثت تحولًا في أساليب عمل المهندسين والخبراء في قطاع الصناعة، وقد أصبح الذكاء الاصطناعي يُستخدم على نطاق واسع في تحسين العمليات الصناعية عبر تطبيقات ذكية تضمن الوصول إلى الحلول المثلى للتصنيع، مع تحقيق أهداف خفض التكاليف وزيادة قوة وصلابة المنتجات.

فضلًا عن ذلك، يتيح الذكاء الاصطناعي إمكانية التنبؤ بالأعطال قبل وقوعها، سواء في الصناعات البحرية أو السيارات أو الأدوية أو النسيج أو السلع الاستهلاكية، من خلال خوارزميات التعلم الآلي التي تحدد العمر التشغيلي للمعدات ومدى الاستعداد للإصلاحات. كما تُستخدم تقنية “أتمتة العمليات الروبوتية” (Robotic Process Automation, RPA)، وهو برنامج قائم على الذكاء الاصطناعي، لتنفيذ العمليات المتكررة كبيرة الحجم مثل حفظ السجلات والرد على الاستفسارات وإجراء العمليات الحسابية؛ مما يخفف الأعباء الروتينية على العمال.

وقد أسهمت هذه التطبيقات في تطوير أنظمة تصنيع أكثر دقة وكفاءة ومرونة، مع تعزيز الصيانة التنبؤية وتبني الأتمتة الذكية، الأمر الذي سيؤدي إلى حدوث ثورة في الإنتاج الصناعي عبر تحسين الكفاءة وتعزيز استغلال الموارد، ويُبشر بعصر جديد من الابتكار الصناعي في القرن الحادي والعشرين.

ثالثًا، تطبيقات الذكاء الاصطناعي في قطاع الاتصالات: 

يُعد قطاع الاتصالات من أوائل القطاعات التي تبنت تطبيقات الذكاء الاصطناعي؛ حيث بدأ استخدامه في تشخيص المعدات المعقدة، ثم توسعت التطبيقات تدريجيًّا مع تطور الشبكات والتقنيات. ويتميز هذا القطاع باندماج عمليات الأعمال مع التطبيقات الرقمية؛ مما جعله سبّاقًا في إدماج الذكاء الاصطناعي في عملياته لتحسين الكفاءة وتعزيز القدرة التنافسية.

تُستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي في الاتصالات عالميًّا لتطوير خدمة العملاء، وأتمتة إدارة الشبكات، وتحسين الأمان، وتمكين حلول اتصال مبتكرة. على سبيل المثال، تُسهم خوارزميات التعلم العميق في تصميم الشبكات وتقليل تكاليفها، وإعادة تهيئة الشبكات وتوزيع الموارد استنادًا إلى حجم واتجاه حركة مرور البيانات. كما تُسهم هذه التطبيقات في تحسين توجيه الشبكات وإدارة الاتصالات.

يساعد الذكاء الاصطناعي كذلك في كشف الأنماط للتنبؤ بالمشكلات ومعالجتها تلقائيًّا، مثل التعرف على “الهجمات الموزعة لحجب الخدمة” (DDOS) والتعامل معها عبر تصفية الحزم الضارة.

من ناحية أخرى، تُستخدم الطائرات المسيّرة المدعمة بالذكاء الاصطناعي مثل (Avy Aera 3 VTOL) و(Skeyetech by Azur Drones) في عمليات المراقبة والأمن؛ حيث تتميز بسهولة التشغيل، وتوفير صور عالية الدقة في الزمن الفعلي؛ مما يعزز كفاءة العمليات ويزيد من مرونة القطاع.

وبذلك، يظل قطاع الاتصالات في طليعة القطاعات الأكثر استفادة من الذكاء الاصطناعي، سواء في خدمة العملاء أو إدارة الشبكات أو تعزيز مستويات الأمان، ومع استمرار تطور الذكاء الاصطناعي، يُبشر دمجه في قطاع الاتصالات بتطورات جوهرية في تحسين الشبكات، واكتشاف المشكلات الرقمية.

المصدر

رابعًا، تطبيقات الذكاء الاصطناعي في قطاع التسويق: 

يُحدث الذكاء الاصطناعي ثورة في قطاع التسويق العالمي من خلال تحسين تجارب العملاء وتبسيط العمليات؛ حيث أصبحت الشركات قادرة على الترويج لعلاماتها التجارية ومنتجاتها بدقة عالية عبر الخوارزميات والروبوتات الذكية. وتتمثل أبرز تطبيقات الذكاء الاصطناعي في ذلك القطاع في التسوق الإلكتروني؛ إذ أتاحت محركات البحث المدعومة بالذكاء الاصطناعي نتائج دقيقة وسريعة قادرة على توقع تفضيلات المستهلكين.

هذا، وتُعد منصة “نتفليكس” (Netflix) مثالًا بارزًا في هذا الصدد؛ حيث تعتمد على تقنيات تنبؤية لتحليل كمّ هائل من البيانات وتقديم توصيات مخصصة للمستخدمين وفقًا لتاريخ المشاهدة وتفضيلاتهم، مع تحسين مستمر للتوصيات بمرور الوقت. وتبرز تلك التطبيقات قدرة الذكاء الاصطناعي على تعزيز التفاعل ورفع مستويات المشاركة.

كما تُظهر الابتكارات المستقبلية، مثل تقنيات التعرف على الصور لدى شركات مثل “كام فايند” (CamFind)، إمكانية إحداث نقلة نوعية في عالم التسويق؛ إذ تسمح للمستهلكين بشراء المنتجات بمجرد التقاط صور لها. وبذلك، يُعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل استراتيجيات قطاع التسويق ويغير طريقة تفاعل الشركات مع المستهلكين عبر الإنترنت.

خامسًا، تطبيقات الذكاء الاصطناعي في قطاع النقل: 

يشهد قطاع النقل نموًّا متسارعًا بفضل تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي؛ حيث تُستخدم نماذج متعددة مثل الشبكات العصبية الاصطناعية (ANN)، والخوارزميات الجينية (GA)، ونظام المناعة الاصطناعي (AIS)، وغيرها في إدارة حركة المرور عبر تحليل حجم وأنماط المرور وتزويد السائقين بمعلومات عن أسرع المسارات لتخفيف الازدحام المروري.

فعلى سبيل المثال، تُستخدم الشبكات العصبية الاصطناعية لتحديد مواقع المركبات وتقدير سرعاتها، بينما تسهم الخوارزميات الجينية في تطوير أنظمة النقل الذكية من خلال التنبؤ بالطرق وتخطيط الوجهات استنادًا إلى البيانات السابقة. كما يمكن للخوارزميات الجينية إعداد جداول يومية مثالية للشاحنات لتسليم الطلبات بكفاءة. كما تُستخدم نماذج “المنطق الضبابي” (Fuzzy Logic) في محاكاة تدفق حركة المرور والتخطيط المروري والتحكم فيه.

هذا، ويُعد نموذج “المدينة الذكية” (Intelligent City) التطبيق الأبرز للذكاء الاصطناعي في المدن الذكية؛ حيث تُدمج تقنيات المعلومات والاتصالات مع الحلول الرقمية والسحابية بما يسهم في خفض التكاليف، وتحسين استخدام الموارد، وتعزيز التفاعل، ورفع جودة الحياة للسكان عبر استراتيجيات مستدامة وتكاملية قائمة على المعرفة.

سادسًا، تطبيقات الذكاء الاصطناعي في القطاع المالي:

يلعب الذكاء الاصطناعي، لا سيما “الذكاء الاصطناعي التوليدي” (Generative AI)، دورًا متزايدًا في تعزيز الكفاءة والإنتاجية داخل القطاع المالي؛ إذ أصبح الاعتماد على المعالجة السريعة والآلية للمهام أمرًا جوهريًّا، سواء في العمليات الخلفية أو في الواجهات الموجهة للعملاء، وكذلك في مجالات البحث وبناء النماذج التحليلية. وقد ساعد هذا التطور في تمكين المؤسسات المالية من الاستفادة من كميات ضخمة من البيانات بشكل أسرع وأكثر فعالية، ما عزز قدرتها على الاستجابة والتخطيط.

وقد شهد القطاع المالي استخدامًا متزايدًا لتقنيات التعلم الآلي والشبكات العصبية الاصطناعية، لا سيما في مجالات التداول عالي السرعة والتداول الآلي، لتصبح تلك التقنيات مع الوقت عنصرًا حاسمًا في أسواق المال. وفي الوقت الراهن، باتت “نماذج اللغة الكبيرة” (LLMs) قادرة على معالجة كميات كبيرة للغاية من البيانات غير المنظمة، والتي غالبًا ما تكون نصية؛ مما يمنح المستثمرين قدرة أكبر على تحليل الوثائق المعقدة مثل عقود السندات أو تقارير الأرباح بسرعة، وبالتالي تحسين آليات اكتشاف الأسعار عبر فئات الأصول المختلفة.

فضلًا عن ذلك، من شأن استخدام الذكاء الاصطناعي أن يسهم في خفض الحواجز أمام المستثمرين الكميين لدخول أسواق أقل سيولة، مثل الأسواق الناشئة والسندات الخاصة بالشركات، الأمر الذي قد يحسن السيولة ولكنه قد يثير أيضًا بعض المخاوف المتعلقة بالاستقرار المالي. إضافة إلى ذلك، تتيح تقنيات الذكاء الاصطناعي تحسين عمليات الترميز البرمجي، وجمع البيانات، والتحليل الاستثماري؛ مما يسرّع من وتيرة العمل ويخفض التكاليف التشغيلية.

في سياقٍ متصل، فقد بدأ تبني ما يعرف بـ”وكلاء الذكاء الاصطناعي” (Agentic AI) القادرين على إدارة حسابات الأفراد وتقديم الاستشارات والنصائح المالية وتنفيذ المعاملات من قبل عدد من الشركات الكبرى؛ فعلى سبيل المثال، قامت شركة إدارة الاستثمارات “فانجارد” (Vanguard) بتطوير روبوتات دردشة ذكية مُفعّلة صوتيًّا، تُعالج مكالمات خدمة العملاء بعد ساعات العمل، وأدوات توليدية لدعم العملاء والمستشارين، فيما أطلقت “بلاك روك” BlackRock)) محلل الذكاء الاصطناعي الجديد “أسيموف” (Asimov) لتحليل البيانات والتقارير بسرعة فائقة.

بشكلٍ عام، يجسد الذكاء الاصطناعي في القطاع المالي مزيجًا من التطور التدريجي والتحولات الثورية. فمن ناحية، يعزز الكفاءة والدقة في إدارة البيانات والتنبؤات المالية، ومن ناحية أخرى، يفتح المجال أمام تطبيقات أكثر ابتكارًا يمكن أن تعيد تشكيل استراتيجيات الاستثمار وتطوير أدوات جديدة للتفاعل مع الأسواق.

على إثر ما تقدم، يتضح أن الذكاء الاصطناعي أصبح قوة محركة رئيسة للابتكار في القطاعات الاقتصادية كافة، من الزراعة والصناعة والاتصالات إلى التسويق والنقل والقطاع المالي؛ فقد أسهم في تحسين كفاءة الأعمال، ورفع الإنتاجية، وخفض التكاليف، وتعزيز القدرة التنافسية، فضلًا عن إحداث تحولات نوعية في طرق العمل التقليدية. ومع تنامي الاعتماد على تطبيقاته التنبؤية والتحليلية والروبوتية، يتوقع أن يتعاظم تأثيره في المستقبل القريب، بما يفتح المجال أمام فرص واسعة للنمو الاقتصادي المستدام، ويؤكد في الوقت ذاته على الحاجة إلى تبني استراتيجيات متوازنة تراعي الأبعاد التقنية والتنظيمية.

المصدر

يشهد سوق العمل العالمي اليوم تحولات غير مسبوقة بفعل التطورات السريعة في مجال الذكاء الاصطناعي، الذي لم يعد مجرد تقنية مساعدة بل قوة محركة لإعادة تشكيل طبيعة الوظائف ودور العاملين. فقد أسهمت تقنيات الذكاء الاصطناعي في أتمتة العديد من المهام الروتينية؛ مما أدى إلى تقليص الاعتماد على بعض الأدوار التقليدية، وظهور وظائف جديدة تتطلب مهارات متقدمة في تحليل البيانات، والبرمجة. وتشير التوقعات إلى إمكانية توفير ما بين 20 إلى 50 مليون وظيفة جديدة عالميًّا بحلول عام 2030، لا سيما في قطاعات مثل الرعاية الصحية، والصناعات الدوائية، والتكنولوجيا المتقدمة.

ومع ذلك، فإن هذا التحول يطرح تحديات كبيرة، أبرزها مخاطر فقدان الوظائف في الصناعات المعتمدة على الأعمال اليدوية والمتكررة، وما يترتب على ذلك من حاجة ماسة إلى إعادة تأهيل القوى العاملة وتزويدها بالمهارات الرقمية. وبين التفاؤل بما يمكن أن يتيحه الذكاء الاصطناعي من فرص للنمو والإنتاجية، والقلق من تبعاته الاجتماعية والاقتصادية، تظل المسألة الأساسية هي كيفية التكيف مع هذا الواقع الجديد وضمان أن يكون تأثير الذكاء الاصطناعي على العمل إيجابيًّا ومتوازنًا يخدم الأفراد والاقتصادات على حد سواء.

أولاً: تأثير الذكاء الاصطناعي على القوى العاملة العالمية

الذكاء الاصطناعي أصبح قوة محورية في إعادة تعريف سوق العمل العالمي. فلم يعد دوره يقتصر على تحسين الكفاءة والإنتاجية في المصانع، بل بات يتغلغل في الاجتماعات وعمليات اتخاذ القرار، مسهمًا في إعادة رسم ملامح المهن وطبيعة المهام. وهذا التحول يتسم بسرعة وانتشار غير مسبوقين؛ حيث ارتفعت نسبة استخدامه في أماكن العمل الأوروبية على سبيل المثال بنسبة 5.5 نقاط مئوية خلال عام واحد فقط.

وبحسب تقرير صدر عن صندوق النقد الدولي عام 2024، فإن الذكاء الاصطناعي يعد بزيادة الإنتاجية، لكنه في الوقت نفسه يهدد باستبدال البشر في بعض الوظائف. وتشير التقديرات إلى أن نحو 40% من الوظائف عالميًّا معرضة لتأثير الذكاء الاصطناعي، مع اختلاف مستوى التأثر بين الدول. ففي الاقتصادات المتقدمة، يصل التعرض إلى نحو 60% من الوظائف نظرًا لهيمنة الوظائف المعرفية. ويُقدّر أن نصف هذه الوظائف تقريبًا قد يتأثر سلبًا، بينما النصف الآخر قد يستفيد من تعزيز الإنتاجية عبر دمج الذكاء الاصطناعي. أما في اقتصادات الأسواق الناشئة، فإن نسبة التعرض تبلغ 40%، وتنخفض إلى 26% فقط في البلدان منخفضة الدخل.

وعلى عكس موجات الأتمتة السابقة التي أثرت بشكل أكبر على العمالة متوسطة المهارة، فإن مخاطر الإزاحة بالذكاء الاصطناعي تمتد لتشمل أصحاب الدخول المرتفعة أيضًا. لكن في المقابل، هناك فرص تكامل إيجابية بين الذكاء الاصطناعي والدخل المرتفع؛ حيث تشير النماذج إلى أنه في حال التكامل القوي، قد يحقق أصحاب الأجور العالية زيادات تفوق المعدلات المعتادة في دخولهم، وهذا يقود إلى اتساع فجوة عدم المساواة في دخل العمل، مضافًا إليها ارتفاع عدم المساواة في الثروة الناتج عن زيادة عوائد رأس المال.

ووفق تقرير “مستقبل الوظائف 2025” الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، يتوقع 40% من أصحاب الأعمال تقليص حجم القوى العاملة في حال إمكانية أتمتة المهام. ورغم أن التكنولوجيا ستخلق 11 مليون وظيفة، فإنها ستلغي في الوقت نفسه نحو 9 ملايين وظيفة. ومع تراجع الأدوار المبدئية، تتغير أيضًا توقعات الرواتب، إذ تشير استطلاعات إلى أن 49% من جيل (Z) في الولايات المتحدة يرون أن الذكاء الاصطناعي قلل من قيمة شهاداتهم الجامعية في سوق العمل.

من ناحية أخرى، فإن المكاسب الإنتاجية الناتجة عن اعتماد الذكاء الاصطناعي قد تعزز النمو الاقتصادي وتزيد دخول معظم العمال. فإذا كانت المكاسب كبيرة بما يكفي، يمكن للنمو المرتفع وزيادة الطلب على العمالة أن يعوضا عن الإحلال الجزئي للوظائف. وتشير التقديرات إلى أن العمال الحاصلين على تعليم جامعي لديهم قدرة أكبر على الانتقال من وظائف معرضة للإزاحة إلى وظائف جديدة ذات تكامل عالٍ مع الذكاء الاصطناعي. أما العمال الأكبر سنًا، فقد يكونون أكثر عرضة لفقدان وظائفهم وصعوبة التكيف مع متطلبات التدريب وإعادة التوظيف.

المصدر

ثانيًا: الوظائف الأكثر قابلية للاستبدال عبر الذكاء الاصطناعي

تشير تقديرات بنك “جولدمان ساكس” إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يستبدل ما يعادل 300 مليون وظيفة بدوام كامل. ويتوقع أن يحل محل ربع المهام الوظيفية في الولايات المتحدة وأوروبا، مع إمكانية خلق وظائف جديدة في المقابل، ورفع مستويات الإنتاجية بشكل ملحوظ. كما قد يسهم في زيادة القيمة السنوية للسلع والخدمات المنتجة عالميًّا بنسبة تصل إلى 7%. بينما نحو ثلثي الوظائف في الولايات المتحدة وأوروبا معرضة بدرجة ما للأتمتة عبر الذكاء الاصطناعي، وأن ما يقارب ربع الوظائف يمكن أن تنفذ بالكامل عبر هذه التقنية. وبالتالي فإن من الوظائف الأكثر عرضة للأتمتة ما يلي:

خدمة العملاء: معظم استفسارات العملاء أصبحت نمطية ومتكررة، ويمكن التعامل معها عبر ردود آلية من أنظمة الذكاء الاصطناعي دون الحاجة إلى ذكاء عاطفي أو اجتماعي عالٍ.

الاستقبال: العديد من الشركات باتت تستخدم الروبوتات لإدارة الاستقبال والمكالمات الهاتفية، حيث تستطيع الأنظمة رؤية الزوار وفهمهم والتفاعل معهم.

المحاسبة: تعتمد عدة شركات على الأتمتة والذكاء الاصطناعي في حفظ السجلات المحاسبية، بما يضمن جمع البيانات وتخزينها وتحليلها بكفاءة وبتكلفة أقل من الموظفين البشر.

المبيعات: مع انتقال الإعلانات إلى المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، لم تعد الشركات تعتمد بالدرجة نفسها على مندوبي المبيعات، إذ توفر الخوارزميات إمكانات استهداف دقيقة للجمهور.

البحث والتحليل: تطبيقات الذكاء الاصطناعي قادرة على فرز البيانات وتحليلها بسرعة ودقة، ما يقلل من الحاجة إلى تدخل بشري في كثير من مهام البحث والتحليل.

العمل في المخازن: مع توسع التجارة الإلكترونية، يزداد الاعتماد على أنظمة الأتمتة لتتبع الطلبيات وتوجيه الموظفين، ومع تطور الذكاء الاصطناعي قد تتولى الآلات مهام الالتقاط والتحميل مستقبلًا.

الاكتتاب التأميني: يعتمد هذا المجال على تحليل البيانات ضمن نماذج محددة، وهو ما يمكن للأتمتة القيام به بكفاءة، مع قدرة مستمرة على التوسع في مهام أكثر تعقيدًا.

التجزئة: باتت نقاط الدفع الذاتي شائعة في المتاجر الكبرى، إذ تقلل من الحاجة إلى موظفين في صناديق الدفع، ورغم زيادة مخاطر السرقات البسيطة فإن الشركات توفر عبر خفض تكاليف العمالة.

المصدر

ثالثًا: الذكاء الاصطناعي ومستقبل التوظيف في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

تقف منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA) عند مفترق طرق حاسم في التحول العالمي الذي تقوده تقنيات الذكاء الاصطناعي (AI). فمع الانتشار المتسارع لتقنيات مثل التعلم الآلي، والروبوتات، ومعالجة اللغة، تتغير النظم الاقتصادية في مختلف أنحاء العالم، ما يفرض على المنطقة الاستعداد لتحولات كبيرة في أسواق العمل وأنظمة التعليم والأطر والسياسات العامة.

ورغم أن الذكاء الاصطناعي يفتح آفاقًا واسعة لزيادة الإنتاجية والابتكار، فإنه يشكل في الوقت نفسه تهديدات جوهرية للبنى التقليدية للتوظيف، خاصة في الاقتصادات التي تعتمد على العمالة منخفضة المهارة أو الأعمال الروتينية.

ووفقًا لمنظمة العمل الدولية (ILO)، فإن إدماج الذكاء الاصطناعي في أسواق العمل بالمنطقة العربية يحمل فرصًا اقتصادية وتنموية كبيرة. فمن المتوقع أن يسهم في تعزيز النمو الاقتصادي عبر إضافة نحو 14.1 مليار دولار أمريكي للناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، إلى جانب توفير ما يقارب 118 ألف وظيفة جديدة صافية، وهو ما يعكس قدرة التكنولوجيا على أن تكون محركًا للنمو إذا دعمتها استثمارات وسياسات مناسبة.

وفي هذا الصدد، فإن ما يقرب من 14.6% من الوظائف، أي حوالي 8 ملايين وظيفة، ستستفيد من الذكاء الاصطناعي عبر “التعزيز”، حيث تعمل التكنولوجيا على دعم أداء الإنسان بدلًا من استبداله. وتبرز هذه الإمكانات بشكل خاص في القطاعات التي تتطلب التفاعل البشري مع الابتكار التكنولوجي، مثل التعليم، والخدمات الشخصية، والهندسة، ما يعني تحسين جودة العمل ورفع كفاءته.

هذا، وقد يمنح الذكاء الاصطناعي أيضًا الشباب فرصة أكبر للاندماج في سوق العمل المستقبلي، إذ يعدون الفئة الأكثر قدرة على التكيف مع الوظائف الجديدة المدفوعة بالتكنولوجيا، خصوصًا في ظل توسع الاقتصاد الرقمي والقطاعات التقنية الناشئة. وهو ما يعزز دورهم كقوة دافعة للتحول الرقمي في المنطقة.

أما بالنسبة للنساء، فرغم أنهن أكثر عرضة لفقدان وظائف روتينية بسبب الأتمتة، فإن نحو 22.7% من وظائف النساء يمكن أن تستفيد من تعزيز الذكاء الاصطناعي، مقارنة بـ 13% فقط من وظائف الرجال. وهذا يفتح المجال أمام الذكاء الاصطناعي ليكون أداة تمكين للنساء، إذا ما دعمت السياسات المساواة في فرص التدريب والتوظيف الرقمي.

علاوة على ذلك، يشكل دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في تبني أدوات الذكاء الاصطناعي فرصة إضافية لتقوية الاقتصادات المحلية. إذ يمكن لهذه المؤسسات أن تستفيد من الرقمنة لزيادة كفاءتها وتوسيع نطاق أنشطتها، ما ينعكس على خلق وظائف جديدة وتعزيز الابتكار المحلي، وبالتالي المساهمة في تقليل الاعتماد على القطاعات التقليدية.

رابعًا: التهديدات المحتملة لتبني الذكاء الاصطناعي لسوق العمل

في المقابل، يفرض الذكاء الاصطناعي تحديات جدية، أبرزها أن الأتمتة قد تزيح الوظائف الروتينية والمتكررة، وهو ما يهدد قطاعات مثل التصنيع، والتجزئة، والنقل، والخدمات الإدارية. وتواجه بعض البلدان مخاطر خاصة نتيجة اعتمادها على عمالة منخفضة أو متوسطة المهارة. فوفقًا لمنظمة العمل الدولية، فإن نحو 2.2% من الوظائف، أي نحو 1.2 مليون وظيفة، معرضة لخطر الأتمتة الكاملة بفعل الذكاء الاصطناعي التوليدي.

كما يبرز تحدٍ آخرَ يتمثل في اتساع الفجوة بين مهارات القوى العاملة واحتياجات اقتصاد يقوده الذكاء الاصطناعي. ومن دون إصلاحات تعليمية وبرامج تدريبية موجهة، قد يجد الكثير من العمال أنفسهم خارج سوق العمل. إضافة إلى ذلك، فإن الفجوة الرقمية بين الجنسين قد تتسع، ما يزيد من عدم المساواة في المشاركة بسوق العمل.

بالإضافة إلى التفاوت بين الفئات السكانية باعتباره تهديدًا مهمًّا. فالنساء أكثر عرضة بثلاثة أضعاف الرجال لفقدان وظائفهن نتيجة الأتمتة (5.3% مقابل 1.6%)، وذلك بسبب تمركزهن في الأعمال المكتبية الروتينية. كما أن النساء، رغم استفادتهن المحتملة من تعزيز وظائفهن عبر التكنولوجيا، سيواجهن مستقبلًا فرصًا أقل إذا لم توضع سياسات تراعي المساواة بين الجنسين.

كما تواجه الفئات العمرية الأكبر سنًا (فوق 55 عامًا) مخاطر الإقصاء من سوق العمل بسبب تحديات إعادة التدريب وصعوبة التكيف مع التحولات الرقمية. في المقابل، فإن هذه التحديات أقل لدى فئة الشباب الذين يتمتعون بمرونة أكبر في اكتساب مهارات جديدة.

وفي سياق متصل، فإن التوزيع غير المتكافئ للبنية التحتية الرقمية، خاصة في المناطق الريفية والمتأثرة بالنزاعات، قد يعمّق الفجوة الرقمية ويمنع قطاعات واسعة من الاندماج في الاقتصاد الرقمي. وهذا التفاوت قد يترجم إلى فرص اقتصادية غير متكافئة بين الدول وداخل الدولة الواحدة.

أخيرًا، وفي ضوء ما سبق، يمكن القول إن تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل يتجاوز كونه مجرد تحول تقني إلى كونه تحولًا هيكليًّا يعيد صياغة العلاقات بين الإنسان والعمل والاقتصاد. فهو يفتح آفاقًا جديدة للنمو والإنتاجية ويمكّن من خلق وظائف نوعية عالية القيمة، لكنه في الوقت نفسه يثير مخاطر فقدان ملايين الوظائف التقليدية واتساع فجوة عدم المساواة. ويعتمد الاتجاه المستقبلي لهذا التأثير على مدى قدرة الدول والمجتمعات على التكيف مع التحولات عبر إصلاح أنظمة التعليم والتدريب، وتحديث التشريعات العمالية، وبناء شبكات حماية اجتماعية قادرة على استيعاب التحديات. وعليه، فإن الذكاء الاصطناعي ليس تهديدًا مطلقًا ولا فرصة مطلقة، بل أداة مزدوجة الأثر تتطلب إدارة رشيدة واستباقية لضمان أن تتحول قدراته إلى رافعة للتنمية الشاملة وعدالة الفرص في سوق العمل العالمي والإقليمي على حد سواء.

المصدر

يواكب الاهتمام المتزايد بالأثر الاقتصادي والاجتماعي للذكاء الاصطناعي اهتمام متزايد بتأثيراته على حركة التجارة، والسياسات التجارية المتبعة بين الدول، وهو أمر بالغ الأهمية في إطار توسع الحديث عن ضرورة إعادة تنظيم سياسات التجارة الحالية، بما في ذلك مبادرة البيان المشترك بشأن التجارة الإلكترونية التي جرى التطرق إليها في منظمة التجارة العالمية (WTO)، وكذلك اتفاقيات التجارة الإقليمية. ويعد نظام تجارة متعدد الأطراف قائمًا على قواعد، مع دور محوري لمنظمة التجارة العالمية، ضروريًّا لضمان توزيع فوائد الذكاء الاصطناعي بشكل عادل.

أولًا: أبرز فوائد الذكاء الاصطناعي في مجال التجارة الدولية

بصفة عامة يمكن توظيف أنظمة الذكاء الاصطناعي في عدد كبير من الأنشطة التجارية، وتشمل أبرز المجالات:

الخدمات اللوجستية: تسهم أنظمة الذكاء الاصطناعي في تحسين إدارة المخازن من خلال التنبؤ بالطلب، وتنظيم المخزون، ورفع كفاءة سلاسل الإمداد، إضافة إلى تتبع حركة الشحنات. ويمكن للذكاء الاصطناعي تقليل التأخيرات وتعزيز الكفاءة، بل وتحسين سلاسل التوريد بشكل جذري، من خلال تقييم مرونة شبكات التوريد وتقليل الاضطرابات التجارية الناجمة عن الأحداث غير المتوقعة. على سبيل المثال، من خلال دمج بيانات الموردين والمنتجين وشركات الخدمات اللوجستية والعملاء، يوفر الذكاء الاصطناعي رؤية شاملة لسلسلة التوريد في الوقت الفعلي؛ مما يتيح الاستجابة السريعة عند حدوث أي خلل.

الجمارك: تتم الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في قراءة وفهم أوصاف السلع التجارية وتصنيفها وفقًا لرموز النظام الموحد (HS Codes)، بما يساعد الشركات على تحديد متطلبات الإجراءات الجمركية والرسوم. كما يُستخدم الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع للكشف عن المنتجات المقلدة.

النقل: تمثل أنظمة الذكاء الاصطناعي ركيزة أساسية في المركبات ذاتية القيادة التي تعتمد على تقنيات تعلم آلي متقدمة لقراءة الخرائط، والتعرف على إشارات المرور، والتفاعل مع عوامل الخطر. وفي تطبيقات أخرى، يتم الدمج بين خوارزميات التعلم الآلي ومدخلات بشرية لتحسين برامج الملاحة، عبر الاستفادة من بيانات حركة المرور في وقتها، والمعلومات التاريخية لتوقع أفضل المسارات. ويتجاوز الاستخدام قطاع السيارات ليشمل النقل الجوي والبحري، من خلال تحسين جداول التشغيل، وزيادة الاستفادة من المساحات والحمولات، وتحليل البيانات اللحظية الداعمة لعمليات النقل.

تحسين إجراءات التعاقد: من خلال أتمتة المهام مثل صياغة العقود ومراجعتها والتفاوض بشأنها ومتابعتها، يمكن للأدوات القانونية التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي خفض التكاليف من خلال تقليل الوقت اللازم لتنفيذ العقود والحد من الأخطاء، ومساعدة الشركات، بما في ذلك المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، على التعامل مع اللوائح المعقدة.

تحسين تجارة الخدمات: لا تزال الاختلافات في اللوائح وإجراءات الاعتراف بالمعايير وشهادات المنشأ تشكل عقبات كبيرة أمام تجارة الخدمات، لا سيما الخدمات المهنية والخدمات الخاضعة للرقابة. وبينما لم تنجح موجات التحول الرقمي السابقة في تجاوز هذه التحديات، فإن للذكاء الاصطناعي القدرة على تقليل اختلالات المعلومات، وتعزيز معايير الجودة والسمعة، والتعامل مع البيئات التنظيمية المعقدة؛ مما يسهل تجارة الخدمات عبر الحدود.

يمكن لهذه الاستخدامات أن تفيد بشكل خاص الاقتصادات النامية التي تسعى إلى الارتقاء في سلاسل القيمة، وتشير نتائج أحد الاستطلاعات الموجهة لقطاع الأعمال إلى أن الشركات تتوقع أن يسهم الذكاء الاصطناعي في خفض تكاليف التجارة، لا سيما في مجالات الخدمات اللوجستية، والامتثال للأنظمة والتشريعات، إضافةً إلى تعزيز إمكانات التواصل بين الموردين والمشترين.

وتشير دراسة صادرة عن منظمة التجارة العالمية، استنادًا إلى استطلاع مشترك أجري في عام 2025 مع غرفة التجارة الدولية، إلى أن ما يقرب من 90% من الشركات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي تشهد فوائد ملموسة في أنشطتها التجارية، وأن 56% منها تؤكد أن الاستعانة بالذكاء الاصطناعي عزز قدرتها على إدارة مخاطر التجارة. كما أفاد ثلاثة أرباع الشركات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي حاليًّا بأنها تستخدمه في تطبيقات متعلقة بالشؤون الجمركية.

وعند تحليل النتائج حسب مستوى الدخل، لوحظ أن نسبة أكبر من الشركات في الاقتصادات ذات الدخل المنخفض والمتوسط ​​الأقرب للمنخفض تستخدم الذكاء الاصطناعي لفهم كيفية الاستفادة من اتفاقيات التجارة المتبادلة، واستخدام تصنيف النظام الموحد، وإكمال نماذج الإخطار الجمركي. وتشير هذه النتائج إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يُسهم في تعزيز مشاركة الشركات في الاقتصادات ذات الدخل المنخفض والمتوسط الأقرب للمنخفض في التجارة العالمية.

ثانيًا: التحديات التي تواجه الذكاء الاصطناعي في قطاع التجارة

رغم إمكاناته الواعدة، تواجه الشركات العديد من التحديات في اعتماد الذكاء الاصطناعي، وبشكل عام تشير الشركات الكبرى في الغالب إلى مخاوف تتعلق بخصوصية البيانات وأمنها، إضافةً إلى ارتفاع تكاليف التنفيذ وصعوبة التكامل، باعتبارها أبرز العوائق أمام تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي.

أما بالنسبة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر (MSMEs)، فتكشف عن عدد آخر من التحديات مثل محدودية الخبرات الداخلية وارتفاع التكاليف الأولية للتبني. وحتى بين الشركات التي بدأت بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي، تظل قضايا خصوصية البيانات وأمنها أكثر المخاوف شيوعًا، بغض النظر عن حجم الشركة أو مستوى دخلها أو القطاع الذي تنتمي إليه.

وعلى نطاق أوسع، ترى الشركات أن مخاطر الأمن السيبراني وعدم اليقين التنظيمي يشكلان عقبتين رئيستين أمام اعتماد الذكاء الاصطناعي في التجارة. ومع معالجة المعلومات الحساسة، مثل البيانات الشخصية والسجلات المالية والأسرار التجارية، بواسطة أنظمة الذكاء الاصطناعي، يصبح خطر اختراق البيانات والهجمات الإلكترونية أكبر.

ومن التحديات الأخرى عدم الشفافية والمساءلة في عمليات صنع القرار؛ فنماذج الذكاء الاصطناعي معقدة وصعبة الفهم، مما يجعل من الصعب معرفة كيف تصل إلى نتائج معينة. وهذا قد يكون مشكلة كبيرة في مجالات مثل سياسات التجارة والتنظيم، التي تتطلب الشفافية والمساءلة كضرورة لاتخاذ قرارات عادلة وفعالة.

المصدر

رغم التوقعات المتفائلة بشأن مستقبل الاقتصاد العالمي في ظل طفرة الذكاء الاصطناعي، فقد أظهر التطبيق العملي لتلك التقنيات بعض المعوقات والتحديات التي يمكن تحد من القدرة على تبني هذه التكنولوجيا على مستوى الدول والقطاعات الاقتصادية والشركات المختلفة.

ولتحسين تأثير الذكاء الاصطناعي على النمو الاقتصادي، يُمكن اتباع العديد من السياسات والاستراتيجيات، بالتركيز على تعزيز الإنتاجية والابتكار والتبني الشامل لتقنيات الذكاء الاصطناعي، مع ملاحظة أن التحدي الرئيس يتمثل في تحقيق التوازن بين فوائد الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد والحاجة إلى حماية خصوصية وأمن الأفراد والمؤسسات.

وقد وضعت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عددًا من المبادئ في إطار تعظيم الأثر الاقتصادي الإيجابي للذكاء الاصطناعي مع الحد من المعوقات وتقليل المخاطر، وأسهمت العديد من الدراسات مع هذه الرؤية الشاملة في وضع مقترحات لسياسات وإجراءات للعمل على تحسين أداء الذكاء الاصطناعي في النظام الاقتصادي العالمي.

الاستثمار في البحث والتطوير في مجال الذكاء الاصطناعي

يُعزز الاستثمار المُستدام في تقنيات الذكاء الاصطناعي الابتكار ويُتيح فرص نمو جديدة في مختلف القطاعات (التصنيع، والتمويل، والطاقة)؛ حيث ينبغي للحكومات النظر في تعظيم الاستثمار العام طويل الأجل، وتشجيع الاستثمار الخاص في مجال البحث والتطوير، لتحفيز الابتكار في مجال الذكاء الاصطناعي الموثوق الذي يُركز على القضايا التقنية الصعبة، والحفاظ على القدرة التنافسية العالمية.

تعزيز منظومة رقمية شاملة داعمة للذكاء الاصطناعي

يتعين على الحكومات العمل على تطوير وإتاحة منظومة رقمية شاملة، وديناميكية، ومستدامة وقابلة للمشاركة، وتوفير إمكانية الوصول إليه، بما يوفّر بيئة موثوقة لاحتضان تطبيقات الذكاء الاصطناعي. وتشمل هذه المنظومة عناصر أساسية مثل البيانات، وتقنيات الذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية للحوسبة والاتصال، إضافة إلى آليات تبادل المعرفة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، كلٌّ بحسب الحاجة، مع تفعيل آليات مبتكرة لدعم مشاركة البيانات بطريقة آمنة وعادلة وقانونية.

كما يجب على الحكومات وهيئات الرقابة اتخاذ التدابير اللازمة لحماية خصوصية البيانات وأمنها، مع ضمان شفافية أنظمة الذكاء الاصطناعي ومسؤوليتها، وذلك لمواجهة تحديات حماية الخصوصية والأمن.

تطوير رأس المال البشري ومهارات الذكاء الاصطناعي

يُساعد رفع مهارات القوى العاملة للعمل جنبًا إلى جنب مع أنظمة الذكاء الاصطناعي، وإنشاء برامج تعليمية مُصممة خصيصًا لكفاءات الذكاء الاصطناعي، على تحقيق فوائد الإنتاجية وتقليل مخاطر نزوح العمالة. وتوصي منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بالتعاون الوثيق بين الحكومات وجميع الأطراف المعنية للاستعداد لتغيرات عالم العمل والمجتمع، وتحسين مهارات الأفراد في التعامل مع تقنيات الذكاء الاصطناعي.

كما للحكومات العمل بشكل وثيق مع جميع الأطراف المعنية لتعزيز استخدام الذكاء الاصطناعي في أماكن العمل بشكل مسؤول، وتحسين سلامة العمال وجودة الوظائف والخدمات العامة، وتشجيع روح المبادرة والإنتاجية، وضمان توزيع فوائد الذكاء الاصطناعي بشكل عادل وشامل.

اتصالًا، تشدد إحدى الدراسات على أنه لإدارة التحول نحو تعزيز تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي في النظام الاقتصادي والحد من مخاطرها على سوق العمل، تحتاج حكومات بعض الدول إلى تبني استراتيجية شاملة تتضمن دمج مهارات التفكير النقدي والعلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات في مناهج التعليم، وتعزيز مفهوم التعلم المستمر، إضافة إلى إنشاء مراصد وطنية لرصد اتجاهات الأتمتة والمهن الجديدة واحتياجات المهارات، لتوجيه برامج التدريب واستراتيجيات التوظيف، ودعم الشركات الناشئة والصغيرة والمتوسطة عبر الحوافز الضريبية والمنح، وتشجيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص، إلى جانب تطوير شبكات أمان اجتماعي مرنة، مثل التأمين ضد البطالة والتحويلات النقدية المشروطة، لحماية العمال المتضررين.

استهداف القطاعات الاستراتيجية بتطبيقات الذكاء الاصطناعي

التركيز على القطاعات ذات الإمكانات العالية للذكاء الاصطناعي، مثل الطاقة وذلك من خلال تعزيز استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحسين الإنتاج والتوزيع، وقطاع التصنيع وتشجيع المصانع الذكية، وكذا قطاع التمويل عن طريق الاهتمام بدور الذكاء الاصطناعي في إدارة المخاطر، إضافة إلى قطاعات الصحة، والبنية التحتية الحضرية، لتحقيق فوائد اقتصادية فعّالة.

تشجيع التعاون الدولي لتحسين منظومة الذكاء الاصطناعي

ينبغي للحكومات، بما في ذلك الدول النامية والجهات المعنية، التعاون النشط لتعزيز تبادل المعرفة في مجال الذكاء الاصطناعي، وذلك إلى جانب تشجيع المبادرات الدولية متعددة الأطراف لاكتساب خبرة طويلة الأمد في مجال الذكاء الاصطناعي، وضمان تقاسم فوائد الذكاء الاصطناعي بشكل عادل بين البلدان والمناطق.

وعليه، فإن صعود الذكاء الاصطناعي يمثل تحديًا وفرصة في آن واحد لدول المنطقة. فالدول التي تبادر بالاستثمار في رأس المال البشري، وتعزيز الابتكار، وصياغة سياسات عمل مرنة، ستنجح في تحويله إلى محرك للنمو الشامل. أما التأخر أو غياب التحرك فقد يؤدي إلى ارتفاع البطالة وتفاقم عدم المساواة والركود الاقتصادي.

المصدر

Leave A Reply

Your email address will not be published.