بين وصمتين | مقالات ابراهيم عثمان
*بين وصمتين*
* لماذا استطاع حمدوك “التصريح” بدعمهم للإمارات في حربها على الإسلاميين، ولم يستطع أن يقول ذات الشيء عن الميليشيا؟
* لماذا يعتبر الإقامة في أبو ظبي أقل توريطاً له في العدوان من الإقامة في نيالا؟
* لماذا يؤدي إعلان التحالف مع الميليشيا إلى “فك ارتباط” صمود عن بقية مكونات “تقدم”، ولا يحدث أي اختلاف، أو تظاهر باختلاف، على خلفية العلاقة مع الإمارات؟
* لماذا تمنح “صمود” الإمارات حصانة كاملة من النقد، وتهاجم أي انتقاد لها، بينما توجه بعض الانتقادات الجزئية للميليشيا؟
* لماذا تكرر نفي تحالفها مع الميليشيا، ولا ترى ضرورة لنفي تحالفها مع الإمارات؟
* هذه الأسئلة هي أسئلة فرعية من سؤال أعرض يشملها كلها: لماذا تعتبر صمود أن ارتباطها بالإمارات لا يتسبب في “وصمة” كتلك التي يسببها “الإعلان” عن ارتباطها بالميليشيا؟
التفسير، في رأيي، يقوم على عمليات تمييز خاطئة، تنفرد بها صمود دون سائر القوى السياسية:
١. التمييز بين الإمارات والميليشيا من حيث الغضب وأثره عليهم: فهم يعلمون أن الميليشيا الغارقة في الإجرام لا تغضب من الانتقادات الجزئية المقترنة بالدفاع عنها في جوانب أساسية، على خلاف الإمارات الغضوبة التي تمارس نفوذاً كبيراً عليهم، ولا تقبل بأي انتقاد منهم. بل ولا تقبل منهم بأقل من الدفاع، ثم إنهم يعلمون أن غضب الإمارات يجلب بالتأكيد غضب الميليشيا، ويقطع كل عشمهم.
٢. التمييز بينهما من حيث الصلة بالإجرام: حيث يحاولون إقناع الناس بأن مرسل السلاح أقل تورطاً ممن يستخدمه في الإجرام حتى لو كان إجراماً ممنهجاً يأخذ شكل الحرب المفتوحة على المدنيين، ويحاولون إقناعهم بأن مرسل المرتزقة غير مسؤول عن سلوكهم!
٣. التمييز بينهما من حيث العمليات العسكرية: يحاولون تزييف الحقيقة وإقناع الناس بأن الإمارات بعيدة عن إدارة وتوجيه العمليات العسكرية وبالتالي غير مسؤولة عما ينتج عنها، لأن مسؤوليته تنتهي عند توصيل السلاح، وهذه لا (علاقة لهم بها لأنهم فصيل مدني) كما يقول حمدوك.
٤. التمييز بينهما من حيث طبيعة الدور: أي النظر إلى دور الإمارات كدور سياسي خالص لا ضير من دعمه بالكامل، بينما دور الميليشيا سياسي مختلط بإجرامي، يدعمون السياسي منه بالكامل، مع دعم أقل في الجانب الإجرامي (بالتبرير والتهوين والتحويل) مصحوباً بإدانات جزئية.
٥. التمييز بينهما من حيث التراتبية: ينظرون إلى الإمارات كأصل، وإلى الميليشيا كفرع، فطالما كانوا في حالة تحالف علني مع الأصل، فإن هذا يكفي، خاصةً وأن الإمارات نفسها ــ مثل صمود ــ تنفي تحالفها مع الميليشيا وتوجه لها بعض الانتقادات الجزئية، لكن يغيب عنهم أن التحالف مع الأصل يجلب الوصمة الأصل!
٦. التمييز بينهما من حيث المكانة الدولية: فبينما يرون أن الميليشيا معزولة دولياً، يرون أن الإمارات غير معزولة، ولهذا فإن تحالفهم العلني معها لا يضر بارتباطاتهم بأوروبا وأمريكا، بل يستخدونها لصالح الإمارات.
٧. التمييز بينهما من حيث إمكانية التسويق الإنساني: بينما تنعدم فرصتهم لتسويق الميليشيا إنسانياً، يقومون بتسويق الإمارات. (حمدوك: الإمارات أكبر داعم إنساني للسودان).
٨. التمييز بينهما من حيث أمد التأثير: فالإمارات في حساباتهم يمكن أن توفر دعماً استراتيجياً طويل الأمد، ولن تتنازل عن رغبتها في التدخل في السودان حتى لو انهزمت الميليشيا، وستواكب المتغيرات وتبتدع وسائل تأثير مستحدثة تلائمها، وسيصب ذلك في صالحهم.
٩. التمييز بينهما من حيث العبء الأخلاقي وحساب المكاسب والخسائر: إذ يعتقدون واهمين أن “إعلان” التحالف مع دولة غنية ومؤثرة وتبحث عن وكلاء لحكم السودان، يفوق في الحساب النهائي البارد أي خسائر من الانتقادات المحلية لهم. على خلاف الحال مع إعلان التحالف مع الميليشيا.
كما رأينا هم يظنون أنهم يزنون الوصمات، ويختارون أقلها، لكنهم في الحقيقة يراكمونها ــ طبقة فوق طبقة ــ ثم يتساءلون ببراءة الأطفال: لماذا لا تختفي؟ لماذا يهاجموننا؟!
إبراهيم عثمان