الموازنة الخضراء.. نهج مبتكر نحو تنمية مستدامة

699

العدد الأسبوعي رقم 207  –  الجمعة 11 يوليو 2025
الموازنة الخضراء.. نهج مبتكر نحو تنمية مستدامة

اضغط هنا لتصفح النشرة من الموقع

صباح الخير قراءنا الكرام،

أصبحت الموازنة الخضراء اليوم ركيزة أساسية في إدارة الدولة لأموالها بشكل مسؤول ومستدام بيئيًا، بعدما كانت سابقًا مفهومًا محدود التداول.

ويهدف هذا الاتجاه الحديث نحو الموازنة الخضراء إلى إعادة صياغة تعريف العلاقة بين السياسات البيئية والقرارات المالية، من خلال دمج الاعتبارات البيئية في مراحل إعداد الموازنة العامة جميعًا. ولا يقتصر على تمويل المشروعات الخضراء فحسب، بل يمتد إلى تقييم الأثر البيئي إلى كل بند من بنود الإنفاق العام، بما يضمن توجيه الموارد نحو مسارات تنموية أكثر استدامة. كما يزداد أهمية تبني هذا الاتجاه، لا سيما في ظل تفاقم الضغوط البيئية والمالية، والحاجة الملحّة إلى أدوات تخطيط مالي تتماشى مع أهداف خفض الانبعاثات الكربونية، وتعزيز نمو اقتصادي يعتمد على مصادر طاقة نظيفة وصديقة للبيئة. وعليه، يأتي هذا العدد ليسلط الضوء على الآتي:

  • القسم الأول: مفهوم الموازنة الخضراء، وأهميتها في تحقيق أهداف التنمية المستدامة

  • القسم الثاني: أدوات تنفيذ وتقييم الموازنة الخضراء

  • القسم الثالث: تحديات تصميم الموازنة الخضراء

  • القسم الرابع: الفرص التي تتيحها الموازنة الخضراء

  • القسم الخامس: أبرز التجارب الدولية في تصميم الموازنة الخضراء

اضغط هنا للتواصل معنا

تشير الموازنة الخضراء إلى استخدام أدوات السياسات المالية لدمج الاعتبارات المناخية والبيئية في عملية إعداد الموازنات العامة، بما يعزز فهم تأثيرات السياسات المالية في البيئة والمناخ، ويضمن توافق الإنفاق العام مع الأهداف البيئية. وتسعى هذه المقاربة إلى إعادة توجيه الموارد المالية نحو أولويات مستدامة، بدلًا من التركيز الحصري على الأبعاد الاقتصادية التقليدية.

وتكتسب الموازنة الخضراء أهميتها المتزايدة في ظل ما يشهده العالم من أزمات بيئية متفاقمة، مثل التغير المناخي، وتدهور التنوع البيولوجي، ونقص المياه والموارد، والتي تؤثر سلبًا في سلاسل الإمداد والنشاط الاقتصادي العالمي. وبذلك لا تُعد هذه الأزمات بيئية فحسب، بل تحمل تبعات اقتصادية واجتماعية مباشرة، ما يجعل دمج الاعتبارات البيئية في الموازنة العامة ضرورة استراتيجية لضمان الاستقرار المالي والاجتماعي على المدى الطويل.

تُسهم الموازنة الخضراء في تحقيق التنمية المستدامة من خلال تعزيز الشفافية في الإنفاق العام، وتوجيه الأموال نحو مشروعات ذات تأثير بيئي إيجابي، وتحفيز استثمار القطاع الخاص في القطاعات الخضراء. كما تساعد على بناء اقتصادات أكثر مرونة وعدالة، قادرة على مواجهة الصدمات البيئية والمالية، بما يضمن تحقيق أهداف اتفاقية باريس للمناخ، وأجندة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة بحلول عام 2030.

الفرق بين الموازنة التقليدية والموازنة الخضراء:

تركّز الموازنة التقليدية على تخصيص الموارد المالية استنادًا إلى مخصصات السنوات السابقة، بحيث تُعدّ كل موازنة امتدادًا تلقائيًّا لما سبقها، مع إدخال بعض التعديلات الطفيفة. وتُبنى على أسس ثابتة ومعايير كمية، ما يجعلها أداة مناسبة للرقابة قصيرة الأجل على التكاليف، لكنها لا تضع في اعتبارها تحليل النتائج، أو تقييم الأثر الفعلي للإنفاق.

وفي المقابل، تعتمد الموازنة الخضراء على نهج استراتيجي يربط بين الإنفاق العام وتحقيق أهداف بيئية واجتماعية واقتصادية محددة. فهي تُقيّم فعالية البرامج والمشروعات من خلال مؤشرات أداء تقيس النتائج، وليس فقط حجم الإنفاق، وتُستخدم كأداة لتوجيه السياسات نحو تحقيق التنمية المستدامة، لا سيما في ظل الأزمات المناخية والاقتصادية.

اتصالًا، تُعدّ الموازنة التقليدية محدودة من حيث القدرة على التكيف، إذ تُصاغ عادة بشكل سنوي دون مرونة تتيح إعادة توجيه الموارد أو تعديل الأهداف. كما أنها تركز على تمويل الوظائف والأنشطة العامة دون النظر إلى جودة المخرجات أو أثرها في المجتمع. وهذا يجعلها أقل فاعلية في دعم الأهداف بعيدة المدى، أو مواجهة التحديات المعقدة.

أما الموازنة الخضراء، فهي تقوم على وضع خطط مالية تغطي عدة سنوات، وتُراعي التغيرات في السياق الاقتصادي والبيئي. وتتيح للجهات الحكومية والمجتمعات إمكانية إعادة توزيع الموارد بناءً على الأداء الفعلي والمخرجات المتوقعة؛ ما يعزز المساءلة والشفافية، ويشجع على تحسين كفاءة الإنفاق العام.

ورغم أن تنفيذ الموازنة الخضراء يتطلب موارد مؤسسية أكبر وتغييرات في الثقافة الإدارية، فإنها توفر معلومات أعمق لصناع القرار، وتساعد على صياغة سياسات مالية أكثر توازنًا بين متطلبات النمو الاقتصادي والحفاظ على البيئة. وهي بذلك تُشكل نقلة نوعية في إدارة المال العام مقارنة بالنموذج التقليدي القائم على الإنفاق دون تقييم مستدام.

المصدر

وعليه، تبرز أهمية الموازنة الخضراء في تحقيق أهداف التنمية المستدامة استنادًا إلى دورها في الآتي: 

1. دمج الأهداف البيئية في السياسات المالية: تهدف الموازنة الخضراء إلى إدخال الاعتبارات المناخية والبيئية في السياسات المالية، بما يشمل الضرائب، والإنفاق، والدعم الحكومي، من أجل مواءمة الموازنات العامة مع الأهداف البيئية طويلة الأجل.

2. تحسين اتساق السياسات: تساعد الموازنة الخضراء على معالجة التناقضات بين السياسات الاقتصادية والبيئية، من خلال أدوات تحليلية وتقييمات منهجية للتأثيرات البيئية للسياسات المقترحة.

3. تعزيز الشفافية والمساءلة: توفر الموازنة الخضراء إطارًا لمساءلة الحكومات بشأن التقدم المحرز نحو تحقيق الأهداف البيئية؛ مما يزيد وضوح العلاقة بين النفقات العامة والأثر البيئي.

4. توجيه القرارات الاستثمارية نحو الاستدامة: تسهم أدوات الموازنة الخضراء، مثل التصنيف البيئي (Green Budget Tagging) في توجيه الموارد العامة والخاصة إلى مشروعات منخفضة الكربون وصديقة للبيئة.

5. تقييم التكاليف والفوائد البيئية: تُمكّن أدوات الموازنة الخضراء من تحليل التكاليف والفوائد البيئية للسياسات المقترحة؛ مما يدعم اتخاذ قرارات مستنيرة تعزز الاستدامة.

6. زيادة قدرة الحكومات على إدارة المخاطر البيئية: تسهم في تحديد المخاطر البيئية والمالية المرتبطة بالتغير المناخي، ما يساعد على صياغة استجابات مالية مرنة وقادرة على التكيف.

7. دعم التعاون الدولي والاتفاقيات متعددة الأطراف: تساعد على تفعيل الالتزامات الدول بموجب اتفاقية باريس، وأهداف التنمية المستدامة، وغيرها من الاتفاقيات البيئية الدولية.

المصدر

هناك طرق مختلفة لدمج القضايا البيئية في الموازنات العامة، ويعتمد اختيار الطريقة الأنسب على الهدف المنشود. وبالتالي يتطلب إطار الموازنة الخضراء السليم دمج أدواته في مراحل إعدادها جميعًا، وتتمثل هذه المراحل في الآتي:

تخطيط الموازنة: يمكن تحديد الأهداف المناخية والبيئية عند وضع الأولويات الاقتصادية الكلية والاستراتيجية العامة للحكومة التي ترتكز عليها الموازنة. ويساعد ذلك على توجيه التخطيط المالي، وضمان انعكاس الأولويات البيئية في خطط الحكومة، وتحقيق الاتساق في العمل البيئي عبر قرارات الموازنة المختلفة. ويمكن تعزيز هذا الاتساق بشكل أكبر من خلال دمج عملية الموازنة الخضراء في الإطار المالي متوسط الأجل، عبر إدراج الآثار الاقتصادية الكلية لتغير المناخ والسياسات المرتبطة به على المدى المتوسط والطويل. ويمكن تحديد الأولويات البيئية في المراحل المبكرة من إعداد الموازنة لضمان توجيه الموارد المالية بما يتماشى مع أهداف المناخ. ويسهم ذلك في مساعدة الوزارات على تخطيط أنشطتها وفق رؤية بيئية متوسطة الأجل، ويعزز التنسيق بين التخطيط المالي والسياسات البيئية عبر مختلف القطاعات الحكومية.

إعداد الموازنة: يمكن أن يساعد تنفيذ التصنيف المسبق للموازنة الخضراء وإجراء تقييمات للأثر البيئي للمقترحات الجديدة على فهم التكلفة المالية والتأثير المتوقع لتخصيصات الموازنة في تحقيق الأهداف البيئية. وتدعم هذه المعلومات المفاوضات حول الموازنة بين وزارات المالية والوزارات القطاعية؛ لضمان دمج الاعتبارات البيئية في قرارات تخصيص الموارد. وبالمثل، يُعد فهم الأثر البيئي لمصادر تمويل الموازنة، مثل الضرائب والحوافز الضريبية، أمرًا ضروريًّا لضمان اتساق السياسات المالية مع الأهداف البيئية. وعند تطوير سياسات جديدة، يتيح اعتماد نهج الموازنة القائمة على الأداء والنتائج الفعلية دمج هذه الاعتبارات البيئية بشكل منظم، بما يتماشى مع الأهداف الوطنية التي تم تحديدها خلال مرحلة التخطيط.

إقرار الموازنة: يُعد تضمين المعلومات المتعلقة بالموازنة الخضراء ضمن الوثائق المقدمة خلال جلسات الاستماع والمفاوضات البرلمانية خطوة مهمة لتعزيز قرارات قائمة على معلومات دقيقة. ويُفضل أن تُخصص جلسات نقاش، أو استماع خاصة داخل البرلمان مع الوزارات المعنية أو اللجان المختصة، لضمان أن تُؤخذ هذه المعلومات بعين الاعتبار عند اتخاذ القرار النهائي بشأن توزيع المخصصات المالية. كما أن طريقة عرض هذه المعلومات تؤدي دورًا حاسمًا؛ إذ ينبغي تقديمها بشكل مبسط وواضح يتيح لأعضاء البرلمان فهم الرسائل الأساسية، وكيفية توظيفها في أثناء مناقشة الموازنة.

تنفيذ الموازنة: يُسهم وجود نظام فعّال لرصد الإنفاق في دمج الاعتبارات البيئية ضمن مرحلة تنفيذ الموازنة. وفي هذه المرحلة، يمكن استخدام أدوات متنوعة، مثل: (1) تصنيف الموازنة الخضراء بعد التنفيذ للتحقق من مدى التزام الجهات بإنفاق المخصصات البيئية، كما تم اعتمادها، دون تحويلها إلى أغراض أو سياسات أخرى. (2) إجراء تقييمات بيئية للسياسات، مثل مراجعات الإنفاق وتحليلات الأداء. وتُستخدم هذه الأدوات عمومًا لقياس فعالية وكفاءة التدخلات الحكومية في تحقيق الأهداف البيئية. وعند نشر هذه التقييمات ضمن وثائق الموازنة، فإنها تعزز الشفافية والمساءلة أمام البرلمان والمجتمع المدني والمواطنين. كما يُعد تكييف هذه المعلومات لتناسب احتياجات مختلف الجهات المعنية عاملًا مهمًّا لضمان فعاليتها في هذه المرحلة.

الرقابة على الموازنة: يُسهم إعداد تقارير منتظمة وشفافة حول الموازنة الخضراء في تعزيز الرقابة من قِبل الجهات المختصة. وتساعد هذه المرحلة على كشف أية ممارسات “تجميل بيئي” محتملة، وتثبيط مثل هذه التوجهات. ويمكن للمكاتب الوطنية للمراجعة، ومجالس المناخ، واللجان البرلمانية إجراء تدقيقات بيئية وتقييمات للسياسات في هذا السياق.

وعليه، فمع تطور ممارسة الموازنة الخضراء وانتشارها عالميًّا، يصبح من الضروري بشكل متزايد تقييم فعالية تنفيذها. ويعني ذلك عدم الاكتفاء بإطلاق المبادرات الخضراء، بل متابعة تقدمها وتأثيرها بمرور الوقت. ويُعد وضع خطوط أساس قوية للموازنة الخضراء خطوة أولى حاسمة في هذا المسار. فعلى سبيل المثال، أعطت موازنة صربيا لعام 2025، الأولوية للشفافية من خلال تسليط الضوء على نفقاتها الخضراء ضمن مجموعة من الملاحق المخصصة، حيث خصصت مبلغ 1.09 مليار دولار لتمويل 64 مشروعًا أخضر. وتُظهر هذه المبادرة التزامًا واضحًا، وتضع معيارًا للمساءلة في مجال التمويل الأخضر.

المصدر

أدوات وتقنيات الموازنة الخضراء

تعتمد الموازنة الخضراء على مجموعة من الأدوات والتقنيات لتقييم الأثر البيئي للقرارات في الموازنة، وتحديد أولويات الإنفاق البيئي. من بين الأدوات والتقنيات الرئيسة ما يلي:

أولًا: تقييم الأثر البيئي

يُعد تقييم الأثر البيئي (EIA) عملية منهجية لتحديد وتقييم الآثار البيئية المحتملة لمشروع أو سياسة. ويشمل هذا التقييم ما يلي:

الفحص: تحديد المشروعات أو السياسات التي تتطلب إجراء تقييم بيئي.

تحديد النطاق (Scoping): هي خطوة أساسية في تقييم الأثر البيئي تهدف إلى تحديد القضايا البيئية الأكثر أهمية التي يجب التركيز عليها، وتحديد حدود الدراسة ونوع التأثيرات المحتملة، وذلك لضمان أن يكون التقييم موجّهًا وفعّالًا، ويركز على الجوانب البيئية ذات الصلة بالمشروع أو السياسة المقترحة.

تقييم الأثر: تقييم الآثار البيئية المحتملة للمشروع أو السياسة.

التخفيف والمراقبة: تحديد التدابير اللازمة لتخفيف الآثار البيئية السلبية، ومراقبة مدى فعاليتها.

ثانيًا: تحليل التكلفة والعائد

يُعد تحليل التكلفة والعائد (CBA) تقنية تُستخدم لتقييم الكفاءة الاقتصادية لمشروع، أو سياسة. ويتضمن ما يلي:

تحديد التكاليف والعوائد: تحديد التكاليف والعوائد المرتبطة بالمشروع أو السياسة.

تقدير القيم المالية: تحويل هذه التكاليف والعوائد إلى قيم نقدية.

المقارنة: مقارنة التكاليف بالعوائد لتحديد صافي الفائدة من المشروع أو السياسة.

ثالثًا: أطر ومؤشرات الموازنة الخضراء

توفر أطر الموازنة الخضراء ومؤشراتها نهجًا منظمًا لتقييم الأثر البيئي للقرارات في الموازنة. ومن أبرز هذه الأطر والمؤشرات:

إطار الموازنة الخضراء لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD): وهو إطار يستخدم لتقييم الأثر البيئي للقرارات المالية.

إرشادات الاتحاد الأوروبي للموازنة الخضراء: وهي إرشادات تهدف إلى دمج الاعتبارات البيئية ضمن عملية إعداد الموازنة.

مؤشر الموازنة الخضراء: مؤشر يُستخدم لتتبع التقدم نحو تحقيق الأهداف البيئية.

وفي ضوء ما تقدم، لكي تنجح الموازنة الخضراء على المستوى العالمي، يجب أن تُثبت قيمتها، خاصة في الدول النامية التي تعاني محدودية الموارد والخبرات. وتشمل الخطوات الأساسية ترتيب أولويات المبادرات الخضراء وتحديد تسلسلها، وبناء القدرات المحلية، وضمان المصداقية. وتُعد الحاجة إلى بيانات موثوقة وتقييمات دقيقة أمرًا بالغ الأهمية، كما شددت على ذلك محكمة المدققين الأوروبية. ويمكن لأدوات، مثل “مراجعة الإنفاق العام والمساءلة المالية في المناخ” (Climate PEFA) أن تسهم في إبراز الفجوات وتوجيه التحسينات في كيفية إدارة الدول لجهودها المالية البيئية والإفصاح عنها.

المصدر

تواجه عملية تصميم الموازنات الخضراء تحديات كبيرة ومعقدة على المستويين الفني والمؤسسي؛ مما يجعل تحقيق أهدافها البيئية والاقتصادية أمرًا يتطلب جهودًا متكاملة وتخطيطًا طويل الأمد. فيما يلي أبرز التحديات التي تواجه الدول عند تصميم الموازنات الخضراء:

أولًا: التحديات الفنية 

1. ضعف مستوى تفصيل بيانات الموازنة: حيث لا تزال البيانات المتوفرة عن بنود الموازنة غير كافية لتصنيفها بدقة كبنود “خضراء”، أو “غير خضراء”؛ مما يضعف فعالية أدوات، مثل تقييم الأثر البيئي.

2. صعوبة تطوير منهجية وطنية للتصنيف الأخضر: يُعد تصميم منهجية خاصة بالدولة أمرًا معقدًا، لكنه ضروري لقياس مدى توافق الموازنة مع الأهداف المناخية الوطنية، بدلًا من الاعتماد على منهجيات جاهزة لا تُظهر سوى تحسينات هامشية.

3. البدء بقطاعات محدودة: عادة ما يُنصح بأن تبدأ الدول بتطبيق التصنيف الأخضر على قطاع مؤثر مناخيًّا، مثل: (النقل أو البناء)، ثم تقوم بتوسيع التطبيق تدريجيًّا، غير أن هذه العملية قد تستغرق ما يصل إلى عام كامل.

ثانيًا: التحديات المؤسسية 

1. ضعف الإرادة السياسية: حيث لا يتوفر الدعم السياسي الكافي للموازنات الخضراء في العديد من الدول، وهو أمر أساسي لنجاح تنفيذ الموازنة الخضراء.

2. نقص الموارد الفنية والمعرفية: تواجه الوزارات صعوبة في تنفيذ الموازنة الخضراء؛ بسبب غياب الكفاءات الفنية والهياكل الإدارية المناسبة.

3. غياب التنسيق بين الوزارات: من الضروري أن تتولى وزارة المالية القيادة، وأن تُحدد الأدوار والمسؤوليات بوضوح عبر الوزارات القطاعية لتفادي القرارات غير المنهجية.

4. تعدد المنهجيات داخل الدولة الواحدة: فعلى سبيل المثال، تستخدم أيرلندا منهجيتين منفصلتين لتصنيف الإيرادات والإنفاق؛ مما يتسبب في صعوبة المواءمة بين الأدوات والمنهجيات المختلفة.

5. ضعف التكامل مع دورة إعداد الموازنة: لا تزال الموازنة الخضراء غير مدمجة بشكل كافٍ في مراحل إعداد الموازنة المختلفة، من التخطيط إلى التنفيذ والمتابعة.

المصدر

ثالثًا: التحديات المتعلقة بالتخطيط المالي

غياب خطط تمويل شاملة للتحول الأخضر: حيث إن تصنيف البنود الخضراء لا يوضح حجم التمويل المطلوب لتحقيق الأهداف المناخية؛ مما يستدعي إعداد خطط تمويل وطنية تتضمن تقديرات الاستثمار والسياسات اللازمة.

صعوبة تحديد البنود “غير الخضراء” للإصلاح: رغم قدرة التصنيفات الخضراء على إبراز البنود ذات الأثر السلبي، مثل: (دعم الوقود الأحفوري)، فإنه لا يقدم تصورًا واضحًا للتمويل الأمثل للأنشطة الداعمة للاقتصاد الأخضر.

محدودية أدوات تعبئة الموارد: إذ لا تزال أدوات، مثل تسعير الكربون والسندات الخضراء، في حاجة إلى تطوير وتكامل لتوسيع قاعدة التمويل الأخضر.

فضلًا عن ذلك، تبرز تحديات أخرى تتعلق بجودة “تصنيف الموازنة الخضراء” (Green Budget Tagging)، والذي يشير إلى تقييم كل بند من بنود الموازنة وإعطائه وسمًا يُبيّن ما إذا كان مفيدًا، أو ضارًا بالأهداف الخضراء المتعلقة بالاستدامة، أو التنوع البيولوجي وغيرها، وتتمثل تلك التحديات فيما يلي:

(1) التحديات الرئيسة لتصنيف الموازنة الخضراء: 

التغيرات المتكررة: نظرًا لمرونة أداة “تصنيف الموازنة الخضراء”، فقد يفتقر إلى الاتساق على مر الزمن. ونظرًا لعدم نضج منهجية تصنيف الموازنة الخضراء بعد، فإن معظم الدول تميل إلى تعديلها باستمرار؛ مما يقلل قيمتها عند تتبع التطور الزمني للإنفاق الحكومي على أهداف المناخ/البيئة.

الانحياز إلى التفاؤل: غالبًا ما يتم اعتبار الموازنة الخضراء أداة لتقليل المعلومات المضللة أو الخاطئة -أي “الغسل الأخضر” (Greenwashing)- بشأن الإجراءات الحكومية المتعلقة بالمناخ والبيئة، إلا أنها أحيانًا تُحدث نتيجة عكسية؛ فقد تصور الإنفاق العام بأنه أكثر “خضرة” مما هو عليه في الواقع. فعلى سبيل المثال، وجدت “محكمة المدققين الأوروبية” (European Court of Auditors) في عام 2022، أن الإنفاق المناخي في موازنة الاتحاد الأوروبي للفترة 2014–2020، لم يكن مرتفعًا كما أُعلن (13% بدلًا من 20%)، وأعادت تصنيف بعض النفقات بأنها غير ذات صلة بالعمل المناخي، لا سيما في مجال الزراعة.

عدم ملاءمة جودة البيانات للأغراض الإحصائية: نظرًا لأن منهجية التصنيف لا ترتبط مباشرة بالانبعاثات، أو بأي مؤشر قابل للرصد، فإن تطبيقها يعتمد على التقدير الذاتي، الأمر الذي قد يؤدي إلى عدم توافق البيانات المصنفة مع المعايير المطلوبة للبيانات الإحصائية من قِبل المكاتب الإحصائية الوطنية.

نقص التجانس في البيانات: يهدف تصنيف الموازنة الخضراء إلى الأخذ بالاعتبار الإنفاق العام المتعلق بالأهداف البيئية جميعها، بما في ذلك التخفيف والتكيف مع تغير المناخ، والوقاية من المخاطر الطبيعية، وإدارة الموارد المائية، والاقتصاد الدائري، والتنوع البيولوجي، وغيرها. ومع ذلك، فإن جمع جوانب الإنفاق الموجه نحو أهداف متباينة يقلل تجانس وفائدة البيانات الناتجة.

غياب المساءلة عن البيانات التي تم تصنيفها: لا تُطبق منهجية تصنيف الموازنة الخضراء على مقترحات الموازنة وقراراتها بالطريقة نفسها التي تُطبق بها عند تنفيذ الإنفاق، أو عند إعداد التقارير المالية في نهاية الموازنة، وهو ما يقلل مستوى المساءلة خلال فترة اتخاذ قرارات الموازنة.

(2) القيود الأساسية التي تتعلق بفائدة أداة تصنيف الموازنة الخضراء:

نقص التغطية: عادة ما يمثل الإنفاق المتعلق بالمناخ جزءًا صغيرًا فقط من إجمالي الإنفاق في الموازنة؛ ففي المتوسط، يتم تصنيف نحو 10% من الإنفاق بأنه ذو صلة إيجابية، أو سلبية بالأهداف المناخية والبيئية.

عدم التوافق الزمني مع اتخاذ القرارات: في العديد من الدول، يتم تنفيذ التصنيف بعد تقديم أو اعتماد الموازنة؛ مما يقلل فائدته في المناقشات وعمليات المفاضلة المتعلقة بالموازنة.

عدم القدرة على التأثير في قرارات الاستراتيجية المناخية: غالبًا ما تكون هياكل الحوكمة غير متوافقة؛ حيث تُنتج مجموعات العمل والإدارات والوزارات المختلفة مجموعات متباينة من المعلومات؛ مما يقلل فاعلية التصنيف كأداة لمواءمة الموازنة مع الاستراتيجيات المناخية.

عدم كفاية تصنيف الموازنة الخضراء لضمان توافق الموازنات مع الالتزامات: عادة ما تدرج المبادرات ذات الأثر الأكبر في خفض الانبعاثات ضمن خطط خفض الانبعاثات، أو خطط التكيف الوطني مع التغير المناخي، بينما تُتخذ قرارات الموازنة بناءً على النتائج المتوقعة والتكلفة والمخاطر والمساءلة.

عدم كفاية التصنيف لتحديد أولويات الإنفاق: لا يوفر التصنيف معلومات عن النتائج المتوقعة من حيث الانبعاثات المُخفَّضة أو الأهداف البيئية المحققة. لذا، فهو لا يدعم تحديد أولويات الإنفاق بناءً على الكفاءة الاقتصادية، مثل: (حساب تكلفة الخفض)، أو الأثر المناخي.

عدم ملاءمة التصنيف للمقارنات الدولية: نظرًا لعدم وجود منهجية متفق عليها دوليًّا لتطبيق تصنيف الموازنة الخضراء، فلا يمكن استخدام البيانات الوطنية في إجراء مقارنات بين الدول؛ حيث تتباين الأطر الوطنية لتصنيف الموازنة الخضراء في إدراج وتصنيف النفقات العامة، وكذلك في الأوزان النسبية المطبقة على هذه النفقات.

للتغلب على التحديات السابقة، فقد بدأت بعض الدول في إيجاد طرق للتغلب على هذه التحديات أو التعامل معها. وفيما يلي أمثلة على الاستجابات التي بادرت إليها وزارات المالية لمواجهة عدد من التحديات الرئيسة:

بالنسبة إلى التحدي المتمثل في نقص الموارد، فقد قامت وزارات المالية بدمج الموازنة الخضراء في عملية إعداد الموازنة الأساسية لتجنب الازدواجية في إعداد وتحليل المعلومات المتعلقة بأولويات الموازنة ومقترحات الإنفاق، كما هو الحال في كوريا الجنوبية. كما شملت برامج التدريب، وبناء القدرات دورات مخصصة حول جوانب مختلفة من الموازنة الخضراء، مثل تحليلات التكلفة والعائد البيئي.

بالنسبة إلى التحدي الخاص بنقص المعرفة أو الخبرة الفنية ذات الصلة، فقد عملت وزارات المالية على إضافة أقسام خاصة بالمناخ والبيئة إلى الأدلة والمعلومات الفنية المتوفرة ضمن عملية إعداد الموازنة. فعلى سبيل المثال، استعانت أيرلندا والمملكة المتحدة بخبراء لتحديث المواد الإرشادية الخاصة بتقييم مقترحات الموازنة التي قد يكون لها تأثيرات محتملة في المناخ والبيئة.

بالنسبة إلى التحدي الخاص بضعف توفر البيانات البيئية المفصلة، تقوم وزارات المالية، والوزارات القطاعية بالتعاون مع وزارات أخرى في الحكومة، وبشكل خاص وزارات التغير المناخي والبيئة؛ لتحديد البيانات الموثوقة والمُتاحة في الوقت المناسب لدعم الموازنة الخضراء. وفي بعض الحالات، يشمل هذا التعاون المؤسسات الإحصائية الوطنية كما في حالة إيطاليا، والجامعات -مثل الدنمارك- للمساعدة على تحديد البيانات وجمعها.

بالنسبة إلى التحدي المتعلق بنقص البيانات والمؤشرات لقياس النتائج والأثر، فقد بدأت وزارات المالية في قياس الأثر من خلال آليات الرصد وإعداد التقارير، وتحديد أولويات تخصيص الموارد؛ استنادًا إلى بيانات الموازنة الخضراء. بالإضافة إلى ذلك، يجري تطوير بيانات أداء بيئي كما هو الحال في فرنسا، إلا أنه ينبغي تقييمها على مدى عدة سنوات لقياس الأثر الكامل للموازنة الخضراء.

المصدر

تُوفر الموازنة الخضراء العديد من الفرص لتعزيز الاستدامة البيئية، ودفع عجلة التغيير الإيجابي. وتتنوّع هذه الفرص بين تشجيع المشاركة القطاعية، وترسيخ المساءلة، وتوجيه سياسات الإيرادات، والاستفادة من تمويل المناخ.

هذا، فقد تمنح الموازنة الخضراء الفرصة للدول لتقييم قدراتها ذاتيًّا في تعزيز الأنشطة البيئية المستدامة، كما تُسهم في تعزيز التنافسية فيما بينها. ويُوفر نشر المعلومات في صورة موازنة خضراء مخصصة شفافية حول المخصصات المتاحة من الإنفاق العام، ويزيد مساءلة الحكومة.

وفي سياق متصل، تشجع الموازنة الخضراء على المشاركة القطاعية من خلال ربط أهداف التنمية المستدامة، ومؤشرات الشمول الأخرى، مثل النوع الاجتماعي وقابلية تأثر الأطفال بالمناخ، مع البرامج والسياسات المناخية وميزانياتها ضمن تقرير الموازنة الخضراء.

ويمكن استخدام الموازنات الخضراء لتوجيه جانب الإيرادات، وتحفيز تنفيذ سياسات تسعير الكربون، مثل ضرائب الكربون. ومن خلال دمج تكلفة الانبعاثات الكربونية في عملية إعداد الموازنة، تخلق الموازنة الخضراء حافزًا اقتصاديًّا للقطاعات المعنية لتقليل بصمتها الكربونية. كما تُسهم الموازنة الخضراء في تأمين التمويل عبر آليات مناخية جديدة، مثل السندات الخضراء، وقد أصدرت إندونيسيا صكوكًا خضراء استنادًا إلى موازناتها البيئية المنشورة.

وفي ضوء ما تقدم، فإنه لدمج الموازنة الخضراء في السياسات العامة، يمكن للحكومات اتباع العديد من أفضل الممارسات، بما في ذلك:

بناء القدرات المؤسسية والفنية: ينبغي أن تقوم الحكومات بتعزيز قدرات موظفي المالية العامة من خلال التدريب وبناء المهارات في مجالات التقييم البيئي وتحليل السياسات المرتبطة بالمناخ، بما يضمن دمج هذه الاعتبارات بفعالية في مراحل إعداد الموازنة.

تحسين جمع البيانات وتحليلها: تشير التوصيات إلى ضرورة تطوير أنظمة معلومات قوية تُسهّل جمع وتحليل البيانات البيئية والمناخية، بما يتيح تقييمًا دقيقًا لأثر القرارات المالية في البيئة.

تطوير أطر منهجية للموازنة الخضراء: يُوصى بوضع أطر واضحة وإرشادات تشغيلية على مستوى الدولة؛ لضمان دمج منظم وشفاف للاعتبارات البيئية في عمليات الموازنة، مع الاستفادة من النماذج الدولية، مثل إطار منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD).

الربط بين السياسات والموازنة: تشدد التوصيات على أهمية تعزيز الاتساق بين أهداف السياسات البيئية الوطنية والموازنات السنوية، من خلال تصنيف البنود البيئية وتخصيص الموارد بطريقة تدعم الأهداف المناخية.

تعزيز الشفافية والمساءلة العامة: يُشجّع على نشر تقارير الموازنة الخضراء ضمن وثائق الموازنة العامة، بما يُمكّن البرلمانات والمجتمع المدني من مراقبة الأداء البيئي والمالي للحكومة.

دعم المشاركة متعددة الجهات: تُوصي الحكومات بتوسيع قاعدة أصحاب المصلحة المشاركين في عملية الموازنة الخضراء، بما في ذلك القطاع الخاص والمجتمع المدني؛ لضمان شمولية وتعددية في التخطيط والرقابة.

الاستفادة من آليات التمويل الأخضر: وذلك من خلال تعزيز استخدام أدوات، مثل السندات الخضراء والتمويل القائم على النتائج؛ لدعم المشروعات البيئية وزيادة حوافز القطاعات المعنية.

المصدر

تشهد الموازنات الخضراء تطورًا متسارعًا حول العالم؛ حيث تبنتها العديد من الدول كأداة رئيسة لدمج الأهداف البيئية والمناخية ضمن السياسات المالية، ورغم التحديات التي تواجه الدول في تصميم الموازنات الخضراء، فإن هناك العديد من الخطوات الإيجابية التي اتخذتها دول العالم في تبني التحول نحو الموازنة الخضراء، وفيما يلي أبرز التجارب الدولية في ذلك الصدد:

أولًا، تجربة فرنسا:

تعد فرنسا من أوائل الدول التي طبقت الموازنة الخضراء بشكل منهجي، وقد تم إرساء عملية الموازنة الخضراء بموجب المادة 179 من قانون المالية رقم 2019-1479 الصادر في 28 ديسمبر 2019، وتم تطبيقها لأول مرة على موازنة عام 2020.

هذا، وقد تم إنشاء فريق عمل مشترك بين الوزارات لقيادة عملية الموازنة الخضراء، ويضم ممثلين عن وزارة المالية ووزارة التحول البيئي. وتتولى مديرية الموازنة مسؤولية الإشراف على هذه العملية، وتقديم الإرشادات والمشورة للوزارات القطاعية في تطبيق منهجية الموازنة الخضراء.

ومن الجدير بالذكر أن هيئات المجتمع المدني ومراكز الفكر في فرنسا تشارك بشكل وثيق في النقاشات الدائرة حول الموازنة، كما تُبدي وسائل الإعلام تفاعلًا ملحوظًا مع تقارير الموازنة الخضراء.

اتصالًا، تسير عملية إعداد الموازنة الخضراء في فرنسا بالتوازي مع دورة إعداد الموازنة، والتي تبدأ في فصل الربيع؛ فمن يناير إلى أبريل، يقوم فريق العمل الوزاري المشترك للموازنة الخضراء بإعداد تصنيف بيئي لبنود الموازنة، يشمل تعميقًا للتحليلات السابقة، ويُناقش لاحقًا مع الوزارات القطاعية خلال مؤتمرات الأداء. وخلال فصل الصيف، يقوم فريق العمل بإعداد تقرير الموازنة الخضراء، والذي يتم تحديثه في سبتمبر ليشمل التدابير الجديدة الواردة في مشروع الموازنة، قبل أن يتم نشره وإرساله إلى البرلمان.

واعتبارًا من عام 2023، تم دمج الموازنة الخضراء في عملية إعداد الموازنة الاعتيادية؛ حيث أصبحت الوزارات القطاعية تُجري عملية التصنيف البيئي للتدابير المقترحة من قبلها، وذلك بهدف أخذ الأثر البيئي للتدابير المقترحة في الاعتبار بشكل أفضل ضمن عملية اتخاذ القرار. ويعني ذلك أن التصنيفات البيئية وآثار التدابير المخططة يجب أن تُناقش مع الوزارات القطاعية في أثناء مرحلة إعداد الموازنة، وقبل عرض مشروع قانون الموازنة على البرلمان.

هذا، ويتضمن تقرير الموازنة الخضراء في فرنسا معلومات عن الأداء البيئي لبعض بنود الموازنة المصنفة على أنها خضراء أو غير خضراء؛ مما يساعد على فهم أفضل لمدى فعالية وكفاءة الإنفاق العام. كما يحتوي التقرير على بيانات فعلية للتصنيف البيئي تم تنفيذها في سنوات سابقة، مما يتيح المقارنة مع البيانات المخططة في أثناء إعداد الموازنة. بالإضافة إلى ذلك، يتم إجراء تقييمات لاحقة لبعض الاستراتيجيات البيئية.

ثانيًا، تجربة فنلندا:

بدأ تبني الموازنة الخضراء في فنلندا بمبادرة من وزير المالية؛ حيث تم تضمين إعلان حول التنمية المستدامة ضمن كل بند رئيس من بنود الإنفاق في إطار إعداد مقترح موازنة عام 2018. ومنذ عام 2019، أصبح مقترح الموازنة يحتوي على فصل موسّع يوضح الاعتمادات المالية المخصصة لتحقيق الأهداف البيئية، ويقدم تقييمًا نوعيًّا للدعم الحكومي الضار بيئيًّا. كما يعرض الضرائب ذات الصلة بتحقيق هدف فنلندا في الوصول إلى الحياد الكربوني، وفقًا لما نص عليه قانون المناخ لعام 2022. وينص هذا القانون على الأحكام الخاصة بتخطيط سياسات التغير المناخي والرصد المرتبط بها، ويحدد الأهداف المناخية الوطنية.

ومنذ عام 2020، يشترط “نظام إعداد الموازنة” في فنلندا على الوزارات القطاعية إجراء تقييمات للأثر الخاص بمقترحات سياسات الموازنة فيما يتعلق بالتنمية المستدامة. وكان هذا الشرط مدرجًا سابقًا ضمن المنشور الدوري لإعداد الموازنة. بالإضافة إلى ذلك، يجب أن تخضع المقترحات التشريعية لتقييم يشمل، من بين أمور أخرى، تأثيرها البيئي.

هذا، وتتحمل الوزارات مسؤولية إجراء تقييمات الأثر للسياسات التي تقترحها، وأحيانًا بالتعاون مع خبراء خارجيين. وتتولى وزارة المالية إعداد الفصل الختامي حول التنمية المستدامة في مشروع قانون الموازنة.

وفي شهر مايو، تقدم الوزارات القطاعية مقترحاتها للموازنة، بما في ذلك التحليل، إلى وزارة المالية، التي تتولى بدورها إعداد فصل خاص حول التنمية المستدامة يتضمن الاعتمادات المخصصة لتحقيق الأهداف المناخية والبيئية. ويُعرض هذا الفصل بعد ذلك على الحكومة للمناقشة ضمن مشروع الموازنة في نهاية أغسطس، ثم يُرسل إلى البرلمان في منتصف سبتمبر كجزء من مشروع قانون الموازنة.

وخلال مناقشات مشروع قانون الموازنة في الفترة من سبتمبر إلى ديسمبر، يتوفر لدى البرلمان معلومات تتعلق بآثار المقترحات القانونية البيئية المرتبطة بالموازنة، والاعتمادات المخصصة للأهداف البيئية، والتقدم المحرز في مجال التنمية المستدامة ضمن الموازنة.

وبشكل عام، يتم تنسيق إجراءات سياسات الطاقة والمناخ بين الوزارات خلال مرحلة إعداد الموازنة، ويشمل هذا التنسيق كلًّا من أعمال التخطيط المتكاملة للطاقة والمناخ عبر الوزارات، إضافةً إلى تنظيم منتديات مخصصة ومنتظمة لمناقشة السياسات. كما تُناقش تقييمات الأثر لمختلف التدابير ضمن هذا الإطار.

وفي النهاية، تقوم الحكومة بالإبلاغ عن التقدم المحرز نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وذلك من خلال فصل مخصص في تقريرها السنوي. بالإضافة إلى ذلك، تنشر الوزارات تقارير خاصة بها حول مدى تقدمها في مجال التنمية المستدامة ضمن تقاريرها السنوية للمساءلة، وذلك وفقًا لتوصيات الخزانة العامة للدولة.

المصدر

ثالثًا، تجربة الدنمارك:

تسير الجهود المتعلقة بالمناخ بالتوازي مع دورة إعداد الموازنة الاعتيادية في الدنمارك، وذلك وفقًا لما نص عليه قانون المناخ لعام 2020. وبموجب هذا القانون، تقوم “وكالة الطاقة الدنماركية” سنويًّا بإعداد تقرير عن حالة المناخ في شهر أبريل، يتضمن توقعات لانبعاثات الغازات الدفيئة في البلاد، بينما تُعد وزارة المناخ والطاقة والمرافق برنامجًا مناخيًّا يُقدَّم إلى البرلمان، ويشمل تقريرًا عن مدى التقدم في تحقيق الأهداف المناخية، ونظرة عامة على المبادرات المخطط لها.

وفيما يتعلق بالمبادرات طويلة الأجل التي تغطي قطاعات معينة، مثل اتفاق المناخ الخاص بقطاعي الطاقة والصناعة، تتعاون الأطراف المعنية في إعداد مقترحات داعمة للمبادرة، وتقوم الحكومة بتقييم الآثار الاجتماعية والاقتصادية والمناخية المتوقعة لهذه المقترحات، وتعرض التقدم المحرز ضمن تقريرها السنوي عن برنامج المناخ على البرلمان في شهر سبتمبر.

وفي موازاة ذلك، ينشر “مجلس المناخ” تقريرًا مماثلًا في شهر فبراير، يتضمن توصيات بشأن الإجراءات المستقبلية، ويُدرج أيضًا ضمن برنامج المناخ الحكومي. وتبدأ دورة الموازنة الاعتيادية في يناير، ويُتخذ القرار بشأن مشروع الموازنة في يونيو، ثم يُعرض على البرلمان في أغسطس، تليه مرحلة المفاوضات، ويُقر ويُنشر قانون الموازنة النهائي في ديسمبر.

وبعد ذلك، يُلزم وزير المناخ والطاقة والمرافق بتقديم تقرير حول آثار سياسات المناخ الحكومية، والرد على الأسئلة خلال مناقشة برلمانية. ويتيح ذلك للبرلمان تقييم مدى كفاية المبادرات الحكومية سنويًّا لتحقيق الأهداف المناخية، أو ما إذا كانت هناك حاجة إلى اتخاذ مزيد من التدابير، وبالتالي دعوة وزارة المناخ إلى تقديم مقترحات إضافية.

وبالنسبة إلى تقييم الموازنة الخضراء، تمتلك الدنمارك آلية سنوية لمراجعة السياسات المناخية، تقوم من خلالها “وكالة الطاقة الدنماركية” بتحديد ما إذا كانت السياسات الجارية كافية لتحقيق الأهداف المناخية، وما إذا كانت السياسات السابقة قد حققت أهدافها المحددة. ويتعيّن على الحكومة معالجة أي تناقضات تُكتشف، وذلك ضمن برنامجها المناخي.

كما يقوم “المجلس المستقل لتغير المناخ” (The Independent Council on Climate Change) بتقييم السياسات المناخية جميعها، ويُقدّم توصيات بشأنها، وتردّ عليها الحكومة. بالإضافة إلى ذلك، تُجري لجنة اقتصادية مستقلة تقييمًا لسياسات المناخ باستخدام منهجية تقييم ونماذج تحليل خاصة بها.

ختامًا، فإن الموازنة الخضراء هي مجال سريع التطور يهدف إلى مواءمة موازنات الحكومات مع الأهداف البيئية. ومن خلال دمج الاعتبارات البيئية في عملية إعداد الموازنة، يمكن أن تسهم الموازنة الخضراء في تحقيق نتائج بيئية، وتعزيز الشفافية والمساءلة، وضمان تخصيص الموارد بكفاءة وفاعلية. ومع استمرار الحكومات حول العالم في مواجهة تحديات تغيّر المناخ وتدهور البيئة والتنمية المستدامة، من المرجح أن تؤدي الموازنة الخضراء دورًا متزايد الأهمية في رسم السياسات العامة.

المصدر

اضغط هنا للتواصل معنا

Leave A Reply

Your email address will not be published.