السفير عطا المنان بخيت يكتب رؤساء أفارقة من جذور سودانية الرئيس سنغور : أنا نوبي* (1-3)
رؤساء أفارقة من جذور سودانية الرئيس سنغور : أنا نوبي* (1-3)
السفير عطا المنان بخيت
30 ديسمبر ٢٠٢٥م
يشغل السودان موقع القلب فى خاصرة حزام جغرافى طويل ممتد من ضفاف البحر الأحمر وحتى تخوم المحيط الأطلسى، ويسمى بالحزام السودانى . ولعب السودان منذ القدم دورا كبيرا فى هذا الحزام المتداخل، وكان السودان أرض هجرات كبيرة من أهمها: الهجرة الكبيرة بعد إنهيار مملكة كوش، وهجرة القبائل والمجموعات العربية التى قدمت من المغرب العربى ومن الغرب الأفريقى وحملت معها رسالة الإسلام عبر غرب السودان، وأخيرا الهجرات المتواصلة التى إتخذت من السودان معبرا مهما لطريق الحج الأفريقى.
هذه الهجرات أكسبت بلادنا تنوع أثنى فريد فى القارة الأفريقية من جانب، ومن جانب أخر ترك السودان بصمات مهمة فى ثقافة دول الساحل السودانى، وفى تركيبتها السكانية، بسبب التداخل وحركة السكان. لذلك كثيرا ما نجد أشخاص من شتى دول غرب أفريقيا، يؤكدون أن جذورهم سودانية، ويشدهم الحنين لموطن الأجداد. سنتطرق فى هذه المقالات لرؤساء دول أفريقية مهمة فخورون أن جذورهم سودانية، وقد حرصت أن أتناول سيرة هؤلاء الرؤساء لأنهم جميعا إنتقلوا الى رحاب الله، أما الأحياء فليس من الحكمة التحدث عنهم الأن.
بعد أن تنازل طوعا عن رئاسة بلاده، تفرغ الرئيس السنغالى الأسبق، وزعيم الإستقلال، ليوبولد سيدار سنغور، لقضايا الفكر والثقافة التى أحبها منذ صباه الباكر، فهو أحد مؤسسى ومنظرى حركة الزنوجة فى ثلاثينات القرن الماضى، والتى تحولت الى تيار كبير هو تيار الافريقانية. طاف سنغور بعد تنحيه معظم الدول الأفريقية محاضرا عن قضايا الفكر والثقافة.
فى العام 1982، زار الرئيس سنغور السودان بدعوة من الإتحاد الإشتراكى السودانى، التنظيم الأوحد لثورة مايو حينها. قدم سنغور محاضرة ماتعة بدار الإتحاد الإشتراكى، أدارها بإقتدار الدكتور إسماعيل الحاج موسى، وزير الثقافة، وهو من قبيلة الفرانكوفون السودانيين .
كنا حينها طلابا فى قسم اللغة الفرنسية بجامعة أمدرمان الإسلامية، فهرعنا فرحين لنسمع أحد قامات الفكر الأفريقى السامقة، وأحد أساطين اللغة الفرنسية. كنا قد قرأنا أشعار سنغور فى دراستنا للأدب الأفريقى، فهو الذى ألف النشيد الوطنى السنغالى، الأسد الأحمر، وهو الذى تغزل باكرا فى سواد المرأة الأفريقية فى قصيدته المشهورة :
يا إمرأة سوداء،
غزالة موصولة أطرافك بالفردوس،
والنجوم لآلى فى ليل بشرتك ..
كان سنغور مبدعا ومدهشا فى تلك الليلة، وفاجأ الحضور عندما تحدث عن الحضارة المروية، والهجرة الكبيرة بعد إنهيار حضارة مروى، وقال أن الهجرة الكبرى توجهت نحو غرب أفريقيا ووصلت حتى السنغال وبالتحديد الى الشاطئ الصغير الذى تسكنه قبيلة السيرير ـ بكسر السين ـ وهى قبيلة سنغور نفسه. ثم سكت برهة وقال: نحن نوبيون، وإن شئتم نحن سودانيون. فصفق الجميع بإنفعال لا يخلو من الدهشة. ثم قال سنغور: لا تندهشوا مما أقول، سأثبت لكم أننى نوبى، وقال من منكم يتحدث اللهجة النوبية فى شمال السودان، فوقف بعض الحضور، وبدأ سنغور يذكر بعض الكلمات النوبية من لغة السيرير ويسألهم عن معناها، فكانت المعانى متطابقة تماما مع لهجة النوبة فى شمال السودان. واصل الرئيس سنغور الحديث، وقال سأشرح لكم تقاليد وعادات قبيلة السيرير فى الأفراح والأتراح، فكانت مطابقة تماما لعادات النوبة فى شمال السودان.
ثم سكت الرئيس سنغور قليلا، وواصل حديثه وسط دهشة الجمهور، فقال: هل تعلمون نحن القبيلة الوحيدة فى غرب أفريقيا التى بنت أهرامات، تماما كما فعل أجدادنا النوبيون فى شمال السودان، ولذات الأغراض التى بناها أجدادنا، فهى مدافن لزعماء القبيلة، وقال: لم نجد حجارة فى منطقتنا لبناء الأهرامات، فبنيناها من الطين المقوى وما تزال صامدة، وقال: من يزور منكم السنغال يمكن أن يسأل عن أهرامات السيرير فهى ليست بعيدة عن العاصمة داكار.
ظلت تلك المحاضرة الفريدة فى ذهنى بكل تفاصيلها المدهشة، وأنا حينها طالب فى الجامعة، وتشاء الأقدار أن تقودنى الأيام لزيارة السنغال فى نهاية ثمانينيات القرن الماضى، ولأعمل بها لسنوات طويلة وجميلة. وما أن إستقر بى المقام فى العاصمة داكار حتى بدأت أسأل عن أهرامات السيرير، التى لم تكن معروفة لعامة الناس، حتى قادنى صديقى أحمدو بامبا لزيارة مركز دراسات أفريقيا السوداء بجامعة داكار، حيث وجدت معلومات وافرة عن أهرامات السيرير، وموقعها الذى يبعد حوالى مائة كيلو عن العاصمة داكار.
إنطلقت فرحا لزيارة أهرامات السيرير، فوجدتها كما وصفها الرئيس سنغور، مجموعة أهرامات بنيت من الطين المقوى، أكبرها إرتفاعه حوالى عشرين مترا، ويقوم على نفس زوايا أهرامات مروى القديمة، ويدفن فيه كبار زعماء قبيلة السيرير. لقد كان موعد مع التاريخ لا ينسى.
ودعت أهرامات السيرير بسؤال ما زال يدور فى ذهنى، لماذا تقاصرت خطانا عن خطى أسلافنا العظام، لقد تمددوا وتركوا أثرا طيبا باقيا فى كل مناحى القارة، بينما نحن ما نزال نتقاتل على بلد يتناقص بين أيدينا ؟