الدولة تُدار بالعقل لا بالولاء لماذا قدم القرآن الكفاءة قبل الانتماء؟

30

الدولة تُدار بالعقل لا بالولاء
لماذا قدم القرآن الكفاءة قبل الانتماء؟

من أكثر الأخطاء التي وقعت فيها الدول عبر التاريخ أنها جعلت معيار الاختيار هو الولاء أكثر من الكفاءة.
وحين يحدث ذلك تبدأ الدولة في التحول من مؤسسة لخدمة المجتمع إلى شبكة لحماية السلطة، ويصبح الانتماء أهم من الإنجاز، والطاعة أهم من الخبرة، والقرب من الحاكم أهم من القدرة على إدارة شؤون الناس.
لكن القرآن يقدم نموذجًا مختلفًا تمامًا.
فمن خلال مشروع التحليل المضموني للقرآن الكريم في ضوء المشروع العمراني الاستخلافي السنني، تكشف سورة النمل أن الدولة المستخلفة لا تقوم على الأشخاص، وإنما على الوظائف التي يؤديها الأكفاء.
فإذا تأملنا أجهزة الدولة عند سليمان عليه السلام وجدنا أن كل عنصر فيها يؤدي وظيفة محددة.
الهدهد يؤدي وظيفة لا يستطيع غيره القيام بها.
والجنود يقومون بمهامهم في نظام دقيق.
والقيادة توجه ولا تستأثر بكل التفاصيل.
ولا نجد في السورة تمجيدًا للأتباع بسبب قربهم من الحاكم، وإنما تقديرًا لما يحققونه من نفع للدولة.
ولعل أعجب مشهد في السورة هو أن الهدهد، وهو أضعف عناصر المنظومة، يصبح مصدرًا لمعلومة غيرت مسار الأحداث كلها.
ولو كانت الدولة تقوم على احتقار الصغار، أو على احتكار المعرفة عند القيادة، لما سمع سليمان للهدهد أصلًا.
لكن الدولة التي يبنيها القرآن تعترف بأن الحقيقة قد تأتي من أي موقع، وأن قيمة الإنسان ليست في منصبه، وإنما في قيمة ما يضيفه إلى رسالة الدولة.
وهنا يقدم القرآن درسًا إداريًا بالغ العمق.
فالقيادة الناجحة ليست هي التي تعرف كل شيء.
بل هي التي تعرف كيف تستفيد من علم الآخرين.
وهذا ما تفتقده كثير من مؤسساتنا اليوم.
فكم من خبير همش لأنه لا ينتمي إلى الدائرة الضيقة.
وكم من كفاءة أُبعدت لأنها لا تحسن المجاملة.
وكم من قرار اتخذ لأن قائله صاحب نفوذ، لا لأنه صاحب معرفة.
وهنا تبدأ الدولة في فقدان عقلها، حتى وإن احتفظت بقوتها.
ولعل التجربة السودانية تقدم مثالًا واضحًا على ذلك.
فقد شهدت مراحل متعددة غلبت فيها الاعتبارات التنظيمية أو السياسية على معايير الكفاءة والخبرة، فأدى ذلك إلى إضعاف مؤسسات الدولة، وهجرة كثير من العقول، واتساع الفجوة بين القرار والمعرفة.
وهذه ليست مشكلة سودانية وحدها، بل هي سنة اجتماعية تتكرر كلما أصبح الولاء معيارًا للتكليف، لا الأهلية.
ولهذا كان القرآن يقرر قاعدة عامة في كل صور الولاية:
﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾
ويقول سبحانه:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾
فالأمانة هنا ليست مجرد النزاهة، بل وضع المسؤولية في يد من هو أهل لها.
ومن هنا فإن بناء الدولة لا يبدأ بتكثير الأنصار، وإنما باكتشاف الكفاءات، وإطلاق طاقاتها، وتمكينها من أداء رسالتها.
فالولاء مطلوب للدولة وقيمها ورسالتها، لكنه لا يغني عن الكفاءة، كما أن الكفاءة وحدها إذا انفصلت عن الأمانة قد تتحول إلى وسيلة للإفساد.
ولهذا يجمع النموذج القرآني دائمًا بين القوة والأمانة، وبين العلم والتقوى، وبين الخبرة والمسؤولية.
ومن هنا يمكن أن نستخلص أحد القوانين الكلية في النظرية العمرانية الاستخلافية:
كل دولة تقدم الولاء على الكفاءة تبدأ في استهلاك طاقاتها من الداخل، وكل دولة تجعل الأمانة والكفاءة أساس الاختيار، تبني مؤسسات قادرة على الاستمرار والتجدد.
إن الأمم لا تنهض بكثرة الموالين، وإنما بكثرة الأكفاء الأمناء.
ولا تنهار بسبب نقص الشعارات، وإنما بسبب تعطيل العقول.
ولذلك فإن أول إصلاح إداري حقيقي يبدأ حين يصبح السؤال في كل منصب:
من هو الأقدر على حمل هذه الأمانة؟
لا:
من هو الأقرب إلى صاحب القرار؟
وقصارى القول تكشف سورة النمل أن نجاح الدولة لا يقوم على عبقرية قائد واحد، بل على حسن توظيف جميع الطاقات التي أودعها الله في المجتمع.
فكل موهبة معطلة خسارة للعمران.
وكل كفاءة مهمشة استنزاف لثروة الأمة.
وكل منصب يُعطى لغير أهله خطوة في طريق ضعف الدولة، مهما كثرت شعاراتها.
وهذا هو أحد أهم الدروس التي يقدمها القرآن في بناء الدولة المستخلفة.
وهذا المقال يمثل أحد التطبيقات العملية لمشروع “التحليل المضموني للقرآن الكريم في ضوء المشروع العمراني الاستخلافي السنني”، الذي يسعى إلى استخراج السنن الكلية الحاكمة لبناء مؤسسات الدولة وإدارة العمران، انطلاقًا من النسق المعرفي للقرآن الكريم، وربط الوحي بقضايا الإدارة والقيادة والتنمية والحضارة.

Leave A Reply

Your email address will not be published.