من عمق المشهد | د. ست البنات حسن تكتب …… سلطة الصورة وتزييف الهوية، حين يتحول الترفيه إلى أداة للإهانة

45

من عمق المشهد
سلطة الصورة وتزييف الهوية
حين يتحول الترفيه إلى أداة للإهانة
د. ست البنات حسن

ليس كل ما يضحكنا بريئًا، وليس كل ما يُقدَّم في ثوب الترفيه يمرّ من أمام اعيننا دون أن يترك أثرًا.

في عالم أصبحت فيه الصورة أسرع من الكلمة، وأصبح المقطع القصير قادرًا على الوصول إلى ملايين الناس في ساعات قليلة، لم تعد الصورة مجرد وسيلة للترفيه أو التسلية؛ بل أصبحت أداة لصناعة الانطباع، وتشكيل الذاكرة، وإعادة تعريف الأشخاص والشعوب والثقافات في أذهان الآخرين وهنا يبدأ السؤال الحقيقي

ماذا يحدث عندما تتحول هوية شعب بأكملها إلى مادة للضحك؟ وماذا يحدث عندما يُعاد تقديم رموز تلك الهوية، من لباس ولهجة وطريقة حديث، في سياق يسحب منها معناها الثقافي ويضعها داخل صورة ساخرة أو مهينة .

هذه الأسئلة تفرض نفسها بقوة أمام المقاطع المتداولة فى المواقع مؤخرًا، التي تظهر فيها حيوانات ترتدي أزياء سودانية وتتحدث باللهجة السودانية بداعي الفكاهة قد يقول البعض: إنها مجرد مزحة، فلماذا كل هذا الغضب؟ لكن المشكلة أن الصورة لا تعمل بالطريقة التي تعمل بها النكتة العابرة النكتة تنتهي بانتهاء الضحك، أما الصورة المتكررة فقد تبقى في الذاكرة من الترفيه إلى صناعة الصورة الذهنية.

تؤكد دراسات علوم الاتصال والإعلام أن التمثيلات الإعلامية لا تكتفي بعكس الواقع، بل يمكنها التاثير في الطريقة التي نفهم بها الجماعات الاجتماعية ونحكم عليها. وقد أظهرت تجارب في علم النفس والإعلام أن التعرض لصور نمطية يمكن أن ينشّط معتقدات نمطية ويؤثر في التفسيرات والأحكام اللاحقة ويمتد تاثيرها الى مستويات القبول الاجتماعي وصورة المجتمع امام العالم الخارجي ..

وهنا تحديداً تكمن الخطورة المباشرة للمحتوى الترفيهي والفكاهي المتداول عبر المنصات الرقمية؛ إذ يتحول التكرار العفوي إلى آلية ترسيخ تؤطر الأفراد وتختزلهم في صور نمطية مسيئة .

والأخطر أن التكرار ليس محايدًا دائمًا.
فقد وجدت دراسة تجريبية منشورة أن التعرض المتكرر لمعلومات عن شخص يمكن، في بعض الظروف، أن يقلل من النظر إليه بوصفه فردًا متميزًا ويزيد الاعتماد على تصنيفه ضمن جماعته الاجتماعية وهنا تكمن خطورة المحتوى المتداول عبر المنصات الرقمية Journal of Experimental Social Psychology.

فالمتلقي قد يشاهد المقطع للمرة الأولى فيضحك، ثم يشاهده مرة ثانية فيمرّ عليه بصورة عادية، ثم يراه للمرة الثالثة وقد أصبح مألوفًا، حتى تتحول الصورة من موقف ساخر إلى صورة ذهنية مألوفة.

وهذا هو الفارق بين المزحة العابرة والصورة النمطية حين يُجرَّد الرمز من معناه
الزي ليس مجرد قطعة قماش.
واللهجة ليست مجرد طريقة في النطق.
واللغة ليست أصواتًا متتابعة.

كل هذه العناصر تحمل ذاكرة اجتماعية وتاريخًا وتجارب وقيمًا وانتماءً للوطن .

ولهذا تنظر منظمة اليونسكو إلى التعبيرات الثقافية بوصفها حاملة للهوية والقيم والمعاني، وتؤكد أن التنوع الثقافي جزء من التراث المشترك للإنسانية، وأن حماية التعبيرات الثقافية ترتبط باحترام كرامة الثقافات المختلفة. (يونسكو)
من هنا لا تصبح المشكلة في أن شخصًا استخدم الزي السوداني في عمل فكاهي فحسب، وإنما في السياق الذي وُضع فيه هذا الرمز، والدلالة التي أُسندت إليه، والصورة التي تتشكل لدى المتلقي نتيجة هذا الربط المتكرر

فحين يُربط رمز ثقافي لشعب ما بصورة الحيوان أو الغباء أو التخلف أو السخرية، فإن القضية تتجاوز حدود الضحك إلى إعادة إنتاج علاقة رمزية غير متكافئة بين الإنسان وهويته
والسؤال:

هل يجوز أن نضحك؟
على ماذا نضحك؟ ومن الذي يتحول إلى مادة للضحك؟ وما الصورة التي ستبقى بعد انتهاء الضحك؟
الخطر ليس في المقطع وحده… وإنما في تكراره المقطع الواحد قد لا يصنع صورة نمطية

لكن المئات من المقاطع المتشابهة قد تفعل وهنا تأتي مسؤولية وسائل التواصل الاجتماعي، ليس باعتبارها مجرد منصات محايدة، وإنما باعتبارها بيئة تعيد تدوير المحتوى وفق آليات الانتشار والمشاهدة والتفاعل.

وقد بينت أبحاث في الاتصال أن التعرض السابق للمحتوى النمطي يمكن أن يرتبط لاحقًا بانتقاء محتوى منحاز مشابه، بما يعزز بعض الصور النمطية بصورة تلقائية ولهذا فإن إعادة النشر ليست فعلًا بلا أثر.

قد يظن المستخدم أنه ينشر المقطع لأنه «مضحك»، لكنه في الوقت نفسه يمنحه عمرًا جديدًا، ويزيد عدد الأشخاص الذين يتعرضون له، ويشارك ــ من حيث يعلم أو لا يعلم ــ في إعادة إنتاج الرسالة التي يحملها.

وهنا يتحول المتلقي إلى شريك في صناعة الصورة.
ليس المطلوب أن نقتل روح الفكاهة أو أن نحول المجتمع إلى مساحة خالية من السخرية.
بل المطلوب أن نميز بين السخرية التي تفتح باب النقد، والسخرية التي تغلق باب الكرامة.

فالفكاهة يمكن أن تكون وسيلة لمقاومة السلطة، ونقد الفساد، وكشف التناقضات الاجتماعية، بل وإعادة بناء الوعي لكنها تفقد قيمتها الأخلاقية عندما تحتاج إلى إهانة إنسان أو تحقير ثقافته حتى تنجح في إضحاك الجمهور السودان ليس زيًا ولهجة فقط

وهنا يجب أن ننتبه إلى خطأ آخر.
الدفاع عن الهوية السودانية لا يعني تجميدها أو تحويلها إلى شيء مقدس لا يجوز الاقتراب منه بالنقد أو الفكاهة ,الهوية الحية تقبل النقد، وتقبل التطور، وتقبل إعادة إنتاج رموزها، بل وتنتج بنفسها فنونها الساخرة.

لكن الفرق كبير بين أن يسخر السوداني من نفسه أو ينتقد ظاهرة في مجتمعه، وبين أن تُختزل جماعة كاملة في صورة ساخرة يعاد إنتاجها من الخارج.
الأول يمكن أن يكون فعلًا من أفعال الوعي والنقد الذاتي.
أما الثاني فقد يتحول إلى تنميط ثقافي.
وهذا التفريق مهم حتى لا يتحول الدفاع عن الكرامة الثقافية إلى رفض للفكاهة نفسها.

الهوية ليست شيئًا نراه فقط… وإنما شيء نرى من خلاله ,ربما تكون هذه هي النقطة الأعمق في المسألة.
نحن لا نرى أنفسنا دائمًا كما نحن، وإنما نتأثر أيضًا بالطريقة التي يرانا بها الآخرون.

وحين تتكرر صورة معينة عن شعب أو جماعة، فإنها قد تصبح إطارًا ذهنيًا جاهزًا يُستدعى عند الحديث عن ذلك الشعب.
ولهذا فإن المعركة على الصورة ليست معركة هامشية.
إنها معركة على من يملك حق تعريفنا؟

هل نترك الآخرين يختزلون السودان في الحرب والفقر والنزوح والفوضى والصور الساخرة؟
أم ننتج نحن صورنا عن أنفسنا، بتاريخنا وثقافتنا وتنوعنا وإنساننا وقيمنا وإبداعنا؟

اليونسكو نفسها تربط بين التنوع الثقافي والتنمية المستدامة، وتؤكد أن الثقافة ليست زينة تضاف إلى التنمية، وإنما عنصر من عناصرها، وأن التعبيرات الثقافية تحمل الهويات والقيم والمعاني. (يونسكو)
وهذا يعني أن حماية الصورة الثقافية ليست ترفًا فكريًا.
إنها جزء من حماية المجتمع لقدرته على تعريف ذاته.

ومن المسؤول؟
المسؤولية هنا ليست مسؤولية صانع المحتوى وحده.
هناك مسؤولية المنصة.
وهناك مسؤولية الإعلام.
وهناك مسؤولية الجمهور.
وهناك، قبل ذلك كله، مسؤولية المجتمع نفسه في إنتاج صور بديلة عن ذاته.
فإذا تركنا الآخرين ينتجون صورنا، فلا ينبغي أن نندهش عندما تصبح الصورة التي أنتجوها هي الصورة التي يعرفنا بها الآخرون.
وفي المقابل، فإن مواجهة المحتوى المسيء لا ينبغي أن تكون بمجرد الغضب أو الشتائم أو حملات الانفعال بل بالوعي، والتوثيق، والنقد الإعلامي، والمطالبة بالمسؤولية، وإنتاج محتوى أقوى وأكثر حضورًا.
لا يكفي أن نقول: لا تشوهوا صورتنا؛ علينا أيضًا أن نمتلك القدرة على إنتاج الصورة التي تعبر عنا.
السودان أكبر من أن يكون مادة للسخرية
السودان ليس مجرد جلابية.
وليس مجرد لهجة.
وليس مجرد صورة لحيوان يرتدي زيًا سودانيًا.
السودان تاريخ وحضارة وذاكرة وثقافات متعددة ولغات ولهجات وفنون وتجارب إنسانية عميقة.
والاختلاف بين الثقافات ليس مادة للسخرية ، وإنما مساحة للتعارف والتفاعل.
وقد جعلت اليونسكو من احترام الكرامة المتساوية للثقافات مبدأً أساسيًا في حماية التنوع الثقافي، وربطت ذلك بالحوار بين الثقافات والاحترام المتبادل. (يونسكو)
ولذلك فإن القضية ليست حربًا على الضحك.
إنها دعوة إلى أن يكون الضحك إنسانيًا، لا مهينًا؛ ناقدًا، لا مُحقّرًا؛ ومبدعًا، لا قائمًا على اختزال هوية شعب بأكمله في صورة ساخرة.
وفي زمن أصبحت فيه الصورة أسرع من الحقيقة، وأصبح المقطع القصير قادرًا على صناعة انطباع طويل، علينا أن نسأل قبل أن نضغط زر المشاركة:

هل أنا أنشر لحظة من الترفيه… أم أشارك في صناعة صورة عن إنسان وثقافة وشعب؟
فالصورة قد تضحكنا للحظات.
لكنها قد تعرّف شعبًا في أذهان الآخرين لسنوات.
ومن عمق المشهد، تبقى المعركة الحقيقية ليست مع مقطع ساخر، وإنما مع حق الإنسان في أن يُرى كما هو، لا كما يريد الآخرون أن يصوروه.

Leave A Reply

Your email address will not be published.