البرهان .. هل يستفيد من تجارب نميري

18

 

 

 

تأملات  جمال عنقرة

تأملات

جمال عنقرة

مثلما انتهت مايو وقائدها الرئيس المشير جعفر نميري، بغير ما بدأت له، كذلك علاقتي بهما انتهت بغير ما بدأت به، فعلي الرغم من انني لم أكن قد بلغت الرشد السياسي في الخامس والعشرين من شهر مايو ١٩٦٩م يوم أن استولي العقيد نميري ورفاقه من الضباط الاحرار علي الحكم، الا أن خلفيتنا الأسرية الأنصارية دفعتني إلى موقف عدم ترحيب بالانقلاب، ثم تحول الأمر إلى معارضة له بعد مجزرتي ودنوباوي والجزيرة أبا. ثم إلى خصام وتحد بعد انتفاضة الجبهة الوطنية الشعبية المسلحة صباح يوم الجمعة الثاني من شهر يوليو ١٩٧٦م، ثم انقلب الحال رأسا علي عقب بعد اليوم السابع من شهر ٧ سنة ٧٧ بعد لقاء الرئيس نميري ورئيس الجبهة الوطنية السيد الصادق المهدي في بورتسودان وتوقيعهما علي اتفاق المصالحة الوطنية الذي قاد مبادرته رجل الأعمال الوطني فتح الرحمن البشير، واظني كنت قد أشرت في مقال سابق إلى انني كنت ثاني شاب إسلامي ينخرط في مايو بعد المصالحة الوطنية بعد اخي الشريف عبد الله ابراهيم فكي، وصرت الأقرب إلى مايو والمايويين والى الرئيس الراحل جعفر نميري وأسرته، وكان قد اكرمتي بتحرير مذكراته، وعهدت إلى أسرته بعد وفاته بطباعتها ونشرها.

بمعرفتي اللصيقة للرئيس نميري.. من المعايشة، والقراءة لسيرته ومسيرته، والاستماع لكثيرين من الذين كانوا قريبين منه، اشهد انه تميز في مواقف كثيرة علي الذين سبقوه في الحكم، وعلي الذين أتوا من بعده أيضا، ولقد شهد له بذلك خصومه ومعارضوه، قبل مؤيديه، وقديما قالوا (ومليحة شهدت لها ضراتها .. والفضل ما شهدت به الأعداء)

ولعل الناس يذكرون أن حميدتي عندما كان نائبا لرئيس مجلس السيادة، وعلي أيام اشتداد أزمة الاطارى قال (لو نميري موجود كان حل كل المشاكل دي) وأذكر في معايدة القائد مناوي في عيد رمضان العام الماضي دعا الناس إلى النظر والتأمل في تجربة تحالف قوي الشعب العاملة التي ابتدعها الرئيس نميري وجعل بها القوات المسلحة والقوات النظامية الأخري ضمن قوي التحالف، وهذا القول هو الذي جعلني أعجل طباعة مذكرات الرئيس نميري لما وجدت فيها من اشراقات ومواقف نحتاجها اليوم بشدة.

أهم ما كان يميز الرئيس نميري أنه لم يكن يختار الا الأقوياء لتولي المناصب العامة، علي عكس اغلب السودانيين، أن لم يكن كلهم، ولا اشهد لأحد بهذه الميزة غيره، والنمر الدكتور عبد الله سليمان العوض مؤسس الوكالة الإسلامية للاغاثة، وعبقري العمل الطوعي الأول في الشرق الأوسط وأفريقيا، فلقد استوعب نميري في حكوماته كل عباقرة السودان المدنيين والعسكريين، واذكر منهم علي سبيل المثال لا الحصر، مأمون بحيري، النذير دفع الله، بدر الدين سليمان، عون الشريف قاسم، حسن الترابي، ابراهيم منعم منصور، حامد علي شاش، عبد الله احمد عبدالله، احمد عبد الحليم، مهدي مصطفي الهادي، يوسف الخليفة ابوبكر، عبد الرحمن الغاقب، عمر بليل، عبد الرحيم محمود، وغيرهم، واستوعب كل أوائل الدفع في الكلية الحربية، بشير محمد علي، الباقر، عبد الماجد حامد خليل، الفاتح بشارة، عمر محمد الطيب، عبد الرحمن سوار الذهب، وغيرهم.

وعرف عن الرئيس نميري مواجهة المشكلات الكبيرة بشجاعة وقوة وصدق وصلابة، وكان هذا مدخله لحل تلك المشكلات، وكان اول تحد له حرب الجنوب التي استمرت اكثر من سبعة عشر عاما، حلاها في أديس أبابا في مارس عام ١٩٧٢م، وتجلت شجاعته الكبري في مقابلته السيد الصادق المهدي في بورتسودان وتوقيعه معه اتفاق المصالحة الوطنية قبل أن تجف دماء الشهداء من المجاهدين ومن العسكريين معا.

ومواقف نميري الوطنية الشجاعة لا تحصي ولا تعد، فلما خرج المعارضون من السودان، أمر الأجهزة الامنية بإرسال أسرهم لهم في الخارج علي حساب الدولة حتى لا يضيعوا بعدهم، وفي واحد من النقلابات الفاشلة تم القبض علي احد حراسه، لأنه كان مكلفا باغتياله، وتم الحكم عليه بالإعدام، فلما رفعوا له الحكم للتصديق عليه، طلب منهم احضاره، فاغلق عليه الباب وحده، وساله لماذا وافق علي قتله، فقال له انهم وعدوه بشراء طاحونة له يشغلها في قريتهم، فقال له نميري (ما تخجل تبيع خوتنا بطاحونة) فبكي الحرس بكاء شديدا، فما كان من نميري الا أن عفا عنه، وأمر بتسوية معاشه، وشراء طاحونة له، وترحيلها إلى قريتهم.

واذكر في اليوبيل الفضي لمرسة حنتوب الثانوية، ارسل له زميل دراسته السكرتير العام للحزب الشيوعي السوداني محمد ابراهيم نقد الذي كان مختفيا تحت الارض، وطلب منه نقد أن يعطيه الأمان ليحضر احتفال اليوبيل مع بقية زملائه، فاعطاه نميري الأمان فجاء نقد إلى الاحتفال، واختار في مبارة قدامي الطلاب مع الطلاب في تلك الفترة أن يكون (رجل خط) ولما سأله نميري لماذا لا يريد أن يعلب، واختار أن يكون رجل خط، قال له نقد (عشان ارفع الراية الحمراء) فضحكا، وضحك الجميع، وخرج نقد، ولم يتبعه أحد، وظل مختفيا حتى سقوط حكم نميري في السادس من أبريل عام ١٩٨٥م،

تلك بعض ملامح محدودة من مواقف الرئيس نميري الوطنية الشجاعة أهديها لسعادة الفريق اول ركن عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة، لعله يجد فيها ما ينير طريقه، ويعينه علي اتخاذ مواقف وطنية شجاعة، ما احوجنا، وما احوجه، وما أحوج شعبنا وبلدنا لها.

Leave A Reply

Your email address will not be published.