برز الاقتصاد التشاركي كأحد أهم التحولات الهيكلية في الاقتصاد العالمي خلال العقدين الأخيرين، إذ أعاد تعريف مفاهيم الملكية والاستهلاك والعمل في ظل الثورة الرقمية والتكنولوجية التي اجتاحت العالم، حيث يقوم هذا النمط الاقتصادي على مبدأ تقاسم الموارد والخدمات، واستغلال الأفراد للأصول غير المستخدمة أو فائض الوقت أو المهارات لتوليد قيمة مضافة منها، تعود بالنفع على مختلف الأطراف المتعاملة.
وأهم ما يُميز الاقتصاد التشاركي هو اعتماده الرئيس على المنصات الرقمية، فهي بمثابة اللاعب الأساسي في هذا النوع من الاقتصاد، حيث ساهمت في انتشاره السريع، وتنوع تطبيقاته في مجالات مختلفة ومتنوعة خلال السنوات الأخيرة، ليتحول من ظاهرة ناشئة إلى قطاع متكامل يُسهم بمليارات الدولارات في الناتج الإجمالي العالمي.
فقد أصبح الاقتصاد التشاركي تجسيدًا لاقتصاد المستقبل القائم على المرونة، والابتكار، والتفاعل المجتمعي، وبات معززًا من الكفاءة والاستدامة في عالم يتجه بسرعة نحو الرقمنة والتكامل التكنولوجي. في هذا الإطار، نتناول في هذا العدد من النشرة الأسبوعية موضوع الاقتصاد التشاركي من خلال أربعة أقسام رئيسة وهي:
القسم الأول: ماهية الاقتصاد التشاركي: النشأة والتطور والعوامل المحركة.
القسم الثاني: حجم سوق الاقتصاد التشاركي واتجاهات النمو.
القسم الثالث: التحديات والسياسات العامة لتنظيم الاقتصاد التشاركي.
القسم الرابع: الاقتصاد التشاركي في مصر.. فرص جديدة لنمو الاقتصاد الرقمي.
يُعد الاقتصاد التشاركي من أبرز الابتكارات الاقتصادية التي نشأت مع تطور التكنولوجيا الرقمية وتغير أنماط العمل والاستهلاك. فقد برز هذا النموذج استجابةً للحاجة إلى الاستفادة المثلى من الموارد المتاحة، وتعزيز روح التعاون بين الأفراد، عبر منصات رقمية تربط بين مقدمي الخدمات والمستهلكين بطريقة مباشرة وفعَّالة.
أولًا: نشأة الاقتصاد التشاركي وخصائصه
في السنوات الأخيرة، برزت تحولات جوهرية في أنماط الاستهلاك حول العالم، حيث أصبح المستهلك أكثر وعيًا نحو سلوكياته الشرائية، خاصةً مع تكرار حدوث الأزمات الاقتصادية وتأثيرها في القدرات الشرائية للأفراد؛ فكان دافعًا للعديد للبحث عن أنماط استهلاك/استخدام للموارد المتاحة بصورة أكثر كفاءة ومرونة. وفي الوقت ذاته، أسهم التطور السريع في التقنيات الرقمية والمنصات الإلكترونية في تيسير هذا التحول، مما جعل الاقتصاد التشاركي (Sharing Economy) خيارًا مغريًا يلبّي احتياجات مختلفة للمستهلكين، ويُحقق الاستخدام الأمثل لما يمتلكه الأفراد من أصول مختلفة، ويعزّز في الوقت نفسه قيم الاستفادة المشتركة ضمن منظومة اقتصادية أكثر استدامة وتكاملًا.
ويرجع مفهوم الاقتصاد التشاركي كمصطلح إلى سبعينيات القرن العشرين، حيث طرحه الباحثان “فيلسون” و”سبايث” عام 1978 في دراستهما “الهيكل المجتمعي والاستهلاك التشاركي”، حيث أوضحا أن الأفراد يتبادلون السلع والخدمات لتحقيق المنفعة المتبادلة، ويعيدون استخدامها ضمن نظام قائم على المشاركة. ولكن من الناحية التطبيقية؛ فإن جذور الاقتصاد التشاركي تعود إلى ممارسات اجتماعية قديمة اعتمدت على تبادل الخدمات والتعاون داخل المجتمعات البشرية القديمة مثل تبادل الأدوات أو التعاون في أنشطة الزراعة والبناء.
ومع صعود تكنولوجيا المعلومات في أواخر القرن العشرين، وازدياد انتشار الحواسيب الشخصية والهواتف المحمولة، توافرت بيئة مهيأة لظهور أنماط اقتصادية جديدة، ولعل بدايتها كان مع تأسيس شركة eBay عام 1995؛ لتكون من أوائل النماذج العملية التي ساهمت فيما بعد في تعزيز مفهوم الاقتصاد التشاركي، إذ وفرت سوقًا إلكترونية مكّنت الأفراد من بيع وشراء المنتجات مباشرة.
ومع بداية الألفية الجديدة، بدأت المنصات الإلكترونية التشاركية في الظهور، حيث أُطلقت منصة Zipcar في الولايات المتحدة الأمريكية عام 2001، كنموذج مبتكر يقوم على مشاركة السيارات من خلال منصة إلكترونية، وتمكنت الشركة من تحقيق معدلات نمو سريعة خلال سنواتها الأولى، حيث تضاعفت إيراداتها ثلاث مرات في العامين الثاني والثالث من بدء نشاطها، ثم توالت منصات أخرى في الظهور، ومنها؛ منصة Couchsurfing التي أتاحت للمسافرين حول العالم تبادل الإقامة المجانية.
ورغم تنوع مجالات هذه المنصات في بداياتها، فإن الانتشار الأكبر لتلك المنصات التشاركية لم يتحقق إلا بعد وقوع الأزمة المالية العالمية عام 2008، التي أدت إلى حالة من الركود الاقتصادي الكبير، مما دفع الأفراد إلى البحث عن بدائل أقل تكلفة وأكثر كفاءة لتلبية احتياجاتهم، كما شجعتهم على استغلال الأصول المملوكة لهم؛ بمشاركتها وتأجير استخدامها للآخرين، فكان ظهور العديد من المنصات الإلكترونية المبتكرة التي عملت على تنظيم هذا النمط الاقتصادي وتوسيعه ليشمل مجالات متعددة من النشاط البشري؛ مثل وسائل النقل UberCab، والتي مثلت ثورة حقيقية في تطور الاقتصاد التشاركي عالميًّا.
ومع التطورات التكنولوجية المتسارعة والانتشار الواسع لاستخدام الهواتف الذكية، ازداد الاهتمام الأكاديمي والتطبيقي للاقتصاد التشاركي، لا سيما بين جيلي الألفية Millennials – الجيل الذي وُلد بين عامي 1981 و1996 -، وجيل زد Z – الجيل الذي وُلد بين عامي 1997 و2012 -، اللذين يميلان إلى تفضيل الراحة وسهولة الوصول والفعالية من حيث التكلفة، مقارنةً بنماذج الملكية التقليدية، وقد انعكس ذلك بوضوح على نمو حجم السوق العالمية للاقتصاد التشاركي وتوسّع آفاقها المستقبلية، وهو ما سيتم استعراضه لاحقًا بشيء من التفصيل.
ويتسم الاقتصاد التشاركي بعدد من الخصائص التي تميزه عن غيره من الأنماط الاقتصادية التقليدية، إذ يقوم على وجود ثلاثة أطراف رئيسة: المشترين، والبائعين، والوسطاء (المتمثلين في المنصات الرقمية)؛ التي تُيسر من عملية التبادل بين الطرفين عبر بيئة إلكترونية تفاعلية. ويعتمد هذا النموذج على المعاملات من نظير إلى نظير (Peer-to-Peer) قصيرة الأجل، التي تهدف إلى تعزيز التعاون والاستفادة المثلى من الموارد والخدمات بشكل فعّال. وفي إطار هذا النظام، تتم مشاركة الأصول أو تأجيرها بدلًا من بيعها نهائيًّا، وهو ما يميّزه عن منصات التجارة الإلكترونية التقليدية مثل أمازون، التي تقوم على بيع السلع والأصول بشكل مباشر.
كما يميزه عن النماذج الاقتصادية التقليدية التي تعتمد على وسطاء ماديين في عمليات البيع والشراء، إذ يتم استبدالهم في إطار الاقتصاد التشاركي بوسائط رقمية. بالإضافة إلى ذلك، يسهم الاقتصاد التشاركي في تعزيز رفاهية الأفراد من خلال الاستخدام الأمثل للأصول غير المستغلة وتقليل تكاليف المعاملات بفضل التقنيات الرقمية الحديثة. ويستفيد المستهلكون من أسعار أقل وخيارات أوسع ومرونة أكبر في الوصول إلى احتياجاتهم من السلع والخدمات، بينما يحصل المزوّدون على فرص تحقيق دخل إضافي، خاصةً بين ذوي الدخل المحدود الذين يمكنهم المشاركة كمقدمي خدمات أو منتجات. في المقابل، تحقق المنصات التشاركية أرباحها من رسوم الوساطة التي تُفرض على عمليات الربط بين الطرفين، وهو ما يعزز كفاءة السوق، ويدعم انتشار هذا النمط الاقتصادي المتنامي.
كما يتميز الاقتصاد التشاركي بعدة سمات رئيسة أخرى يمكن توضيحها كما يلي:
الإدارة المؤسسية الذاتية: تشير إلى شكل من أشكال الإدارة، يكون فيه العمال هم أصحاب القرار الفعليين، بحيث يتخذون القرارات بأنفسهم بدلًا من تعيين شخص آخر للقيام بذلك نيابة عنهم.
التكافل الاجتماعي: يتمثل في تعاون أفراد المجتمع ومساعدتهم لبعضهم البعض لضمان رفاهية الجميع وتعزيز روح التضامن.
التنوع (Diversity): يؤكد الاقتصاد التشاركي احترام اختلاف أساليب الحياة والتفضيلات والأذواق والإمكانات بين الأفراد، مع اعتباره رافدًا أساسيًّا لتحقيق الازدهار.
الكفاءة (Efficiency): يهدف هذا النظام الاقتصادي إلى الاستخدام الأمثل لجميع الموارد، سواء البشرية أو الطبيعية، بما في ذلك الوقت والطاقة، مع تحقيق الأهداف الاقتصادية المرجوة.
الاستدامة البيئية: تحظى البيئة بأهمية كبيرة ضمن الاقتصاد التشاركي، حيث يسعى إلى تحقيق الأهداف الاقتصادية دون الإضرار بالموارد البيئية وضمان الحفاظ عليها للأجيال المقبلة.
ثانيًا: العوامل المؤثرة في انتشار الاقتصاد التشاركي
تتعدد المحفزات التي تساهم في انتشار الاقتصاد التشاركي، وتشمل محفزات اجتماعية واقتصادية وتكنولوجية، والتي تؤثر بشكل مباشر في سلوك المستهلكين واتجاهاتهم نحو هذا النمط من الاقتصاد، ويمكن تحديد أبرز المحفّزات المشجّعة على المشاركة في الاقتصاد التشاركي ضمن مجموعة من الجوانب الرئيسة، تشمل التالي:
المحفزات الاجتماعية: تعبر عن تزايد وعي المستهلكين بتأثير سلوكهم الاستهلاكي في البيئة والمجتمع، ورغبتهم في تبني أنماط استهلاك أكثر مسؤولية تُسهم في حماية البيئة وتعزيز الترابط الاجتماعي، وتتضمن كلًا من:
الاستدامة: فيُعد الاقتصاد التشاركي نموذجًا تنمويًّا مستدامًا له تأثير إيجابي في البيئة، إذ يسمح بتأجير الموارد غير المستخدمة للآخرين، مما يعزز من كفاءة استخدام الموارد، ويقلل من الأضرار البيئية.
السمعة والثقة: عامل حاسم في العلاقة بين العرض والطلب، فهي تعكس مدى ثقة المستهلكين بصدق المزوّدين وحرصهم على تقديم خدمة جيدة لعملائهم.
العلاقة الإيجابية بين المستخدم والمزود: تُعزز من مستوى التفاعل والثقة المتبادلة، مما يدفع المستهلكين إلى تكرار استخدام المنصات التشاركية والاعتماد المستمر عليها.
المحفزات الاقتصادية: تعكس رغبة المستهلكين في خفض تكاليف الحصول على المنتجات والخدمات، ومن جهة أخرى تحقيق المزودين دخلًا إضافيًّا عبر استثمار أصولهم غير المستخدمة، وتشمل التالي:
التميز: يسعى المستهلكون في كثير من الأحيان إلى الحصول على منتجات أو خدمات فريدة ومميزة. فهذه المنصات تتيح خيارات متنوعة تلبّي تفضيلات المستخدمين المختلفة، مما يمنحهم تجارب فريدة ومخصصة.
التنوع: يُعد التنوع في المنتجات والخدمات أحد مصادر القيمة الاقتصادية، إذ يثير فضول المستهلكين، ويعزز رغبتهم في التجربة. فتنوع العروض داخل المنصات التشاركية يمثل حافزًا للمشاركة والاستخدام.
توفير التكاليف: خفض الأسعار من أهم العوامل التي تؤثر إيجابيًا في سلوك المستهلك. فالاقتصاد التشاركي يتيح الحصول على منتجات وخدمات بأسعار أقل مقارنة بالأسواق التقليدية.
المحفزات التكنولوجية: والتي تشير إلى الدوافع التي تحفز توجه المستهلكين نحو استخدام المنصات الإلكترونية، وتشمل:
الكفاءة: أدت التطورات العلمية والتكنولوجية إلى انتقال أنماط الاستهلاك من الأساليب التقليدية إلى الأنماط الرقمية، حيث أصبحت الكفاءة عاملًا رئيسًا في توجه المستهلكين لاستخدام الإنترنت للحصول على المنتجات والخدمات.
التصميم: يُعد تصميم المنصات الإلكترونية عاملًا مهمًّا لجذب المستخدمين، إذ تؤثر جودة واجهاتها وتجربة التصفح فيها بشكل مباشر في قرارهم بالاستمرار في استخدام تطبيقات الاقتصاد التشاركي.
سهولة الوصول: إمكانية وصول المستخدم إلى المنصة في أي وقت، ومن أي مكان عبر الإنترنت أو الهواتف الذكية، مما يوفّر سهولة ومرونة في الاستخدام، ويزيد من تفاعل المستخدمين مع المنصات التشاركية.
المصدر: تقرير “استكشاف آثار محفزات الاقتصاد التشاركي على نية المستهلكين في الاستخدام” – مجلة أبحاث الإدارة المعاصرة
يُعَدّ حجم سوق الاقتصاد التشاركي واتجاهات نموه مؤشرًا جوهريًّا على مدى التحوّل الذي تشهده أنماط الاستهلاك والعمل في ظل الاقتصاد الرقمي. إذ إن التطورات المتلاحقة في تطبيقات الاقتصاد التشاركي وتنوّع المجالات التي يعمل ضمنها، تعكس بوضوح التوسع المستمر في حجمه ونموه المتوقع خلال السنوات القادمة.وبناءً على ذلك، يتناول هذا القسم تحليل حجم سوق الاقتصاد التشاركي واتجاهات نموه، وذلك كالتالي:
أولًا: القيمة السوقية الحالية والتوقعات المستقبلية
في سياق دراسة سوق الاقتصاد التشاركي العالمية، من المهم الإشارة إلى أنه لا يوجد مصدر واحد معتمد للبيانات الخاصة بهذه السوق، نظرًا لطبيعتها المتغيرة واعتمادها على قطاعات متعددة، مثل؛ النقل، والإقامة، والعمل الحر، والخدمات الرقمية. لذلك، تتنوع التقديرات والإحصاءات وفقًا للمؤسسات البحثية والشركات الاستشارية التي تصدر تقاريرها بشكل مستقل. ولكن تشير مختلف التقديرات إلى أن سوق الاقتصاد التشاركي شهدت توسعًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة. فوفقًا لتقرير سوق الاقتصاد التشاركي العالمية 2025، الصادر عن شركة “The Business Research Company” ارتفع حجم السوق من نحو 194.14 مليار دولار أمريكي في عام 2024 إلى نحو 244.8 مليار دولار أمريكي في عام 2025، بمعدل نمو سنوي مركب يُقدر بنحو 26.1%. ويُعزى هذا النمو القوي إلى مجموعة من العوامل، من أبرزها الركود الاقتصادي وما ترتب عليه من بحث الأفراد عن بدائل أكثر مرونة لتوليد الدخل، إضافةً إلى التغييرات التنظيمية التي تبنتها الدول خلال السنوات الأخيرة، والتي سهلت عمل المنصات الرقمية، والتحول في سلوك المستهلكين نحو أنماط استهلاك أكثر كفاءة، وارتفاع الوعي البيئي، فضلًا عن تسارع معدلات التحضر وما نتج عنه من توسع في استخدام الخدمات التشاركية في المدن الكبرى.
ومن المتوقع أن تواصل سوق الاقتصاد التشاركي تحقيق معدلات نمو قوية، لتصل إلى نحو 611.03 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2029، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 25.7%. ويُعزى هذا الأداء المرتقب إلى عدة عوامل، من بينها تزايد شيخوخة السكان وما يصاحبها من ارتفاع الاعتماد على الخدمات الرقمية لما تتسم به من المرونة والسهولة في الاستخدام، إضافة إلى العولمة التي تسهم في توسيع نطاق المنصات التشاركية عبر حدود الدول، إلى جانب الاتجاهات الاجتماعية الجديدة التي تعزز ثقافة المشاركة، ونمو الأسواق الناشئة التي ما زالت تزخر بفرص غير مستغلة، فضلًا عن تأثيرات تغير المناخ التي تدفع نحو تبني نماذج اقتصادية أكثر استدامة. وتشير التوقعات إلى أن الاتجاهات الرئيسة خلال هذه الفترة ستتركز حول تعزيز الاستدامة، ودمج تقنية البلوك تشين لضمان مزيد من الشفافية والثقة، فضلاً عن التوسع في المناطق الريفية وزيادة مرونة التسعير لتلبية احتياجات شرائح أوسع من المستخدمين.
ورغم استمرار قوة الأداء في السوق، حيث تُظهر التوقعات أن معدل التوسع سيبلغ نحو 25.7%، فإن التحليلات الأخيرة تشير إلى أن الأحداث العالمية مثل التوترات التجارية وفرض بعض الرسوم الجمركية المتبادلة بين الولايات المتحدة الأمريكية وعدد من الدول، أثرت بصورة طفيفة في تقديرات النمو المتوقعة، والتي كانت تقدر بنحو (26.1%). وإن كان يظل التأثير محدودًا، في ظل استمرار الزخم الإيجابي المدفوع بانتشار الابتكار التقني وتوسع قاعدة المستخدمين في الأسواق الرئيسة.
وفي هذا الصدد، تشير بيانات تقرير أبحاث السوق Market Research Report لعام 2025، الصادر عن مؤسسة Business Research Insights، إلى أن نحو 60% من الشركات تخطط لزيادة إنفاقها على أنشطة الاقتصاد التشاركي خلال الأشهر الـ 12 إلى 18 المقبلة، مما يعكس ثقة متزايدة بجدوى هذا النموذج الاقتصادي واستدامته. وفي هذا السياق، يُلاحظ تزايد الارتباط بين نمو الاقتصاد التشاركي والتحول نحو الاستدامة البيئية، حيث ارتفعت مبيعات المركبات الكهربائية بنسبة 35% خلال عام 2023، وهو ما يتكامل مع توجه شركات مشاركة الركوب (Ride-sharing) لاعتماد أساطيل أكثر كفاءة وصديقة للبيئة. كما يعكس هذا التوجه تحولًا هيكليًّا في نماذج العمل داخل الاقتصاد التشاركي، حيث أصبحت التقنيات الخضراء جزءًا من ميزة تنافسية تسعى الشركات إلى تعزيزها لتلبية متطلبات المستهلكين وتنظيمات الاستدامة.
ثانيًا: القطاعات الأكثر مساهمة في نمو الاقتصاد التشاركي
تنقسم سوق الاقتصاد التشاركي إلى ثلاثة محاور رئيسة، هي: حسب المنتج، وحسب قناة التوزيع، وحسب المستخدم النهائي. فعلى مستوى المنتج، تضم السوق قطاعات متعددة تشمل: النقل المشترك، والمساحات المشتركة، والمشاركة المالية، ومشاركة الطعام والرعاية الصحية المشتركة، والتعليم المعرفي المشترك، وخدمات المهام المشتركة، والعناصر المشتركة، إلى جانب منتجات وخدمات أخرى متنوعة. أما من حيث قنوات التوزيع، فتنقسم السوق إلى خدمات عبر الإنترنت تعتمد على المنصات الرقمية والتطبيقات الذكية، وأخرى غير متصلة بالإنترنت. وبالنسبة إلى المستخدم النهائي، فتُقسم السوق إلى شرائح ديموجرافية تشمل جيل زد (Generation Z)، وجيل الألفية (Millennials)، وجيل إكس (Generation X) – الجيل الذي وُلد بين عامي 1965 و1980-، وجيل طفرة المواليد (Baby Boomers) – الجيل الذي وُلد بين عامي 1946 و1964.
وفيما يتعلق بالتقسيمات الفرعية، يُعد قطاع النقل المشترك من أبرز القطاعات وأكثرها نموًا، ويشمل خدمات نقل الركاب عبر منصات: (Uber – Lyft)، ومشاركة السيارات من خلال منصات: (Zipcar BlaBlaCar)، ومشاركة الدراجات والسكوتر بواسطة منصات: (Lime – Bird)، إضافة إلى مشاركة السيارات الكهربائية (EV)، وتأجير السيارات الخاصة (Turo).
أما قطاع المساحات المشتركة، فيشمل تأجير مساحات العمل المشترك مثل منصات (WeWork Regus)، ومساحات المعيشة المشتركة، وإيجارات العطلات (Airbnb – Vrbo)، وقاعات الاجتماعات والمؤتمرات المشتركة، ومساحات التخزين التعاونية (Neighbor.com).
وفي مجال المشاركة المالية، يبرز الإقراض من شخص إلى آخر عن طريق منصات (LendingClub Prosper)، بجانب منصات التمويل الجماعي المسؤولة عن توفير التمويل للمشتركين (Kickstarter GoFundMe)، ومنصات الاستثمار المشتركة، ومنصات الاستثمار الصغير. أما توصيل الطعام، فتتجلى في خدمات توصيل الوجبات الجاهزة (Blue Apron – HelloFresh)، والزراعة المدعومة من المجتمع (CSA)، ومشاركة الوجبات المنزلية عبر المنصات الرقمية، وخدمات توصيل الطعام (Uber Eats DoorDash)، إضافة إلى برامج مشاركة بقايا الطعام والحد من الهدر.
كما يشمل قطاع الرعاية الصحية المشتركة خدمات، مثل؛ الطب عن بُعد (Telemedicine)، وموارد الصحة المشتركة مثل (دعم الصحة من نظير إلى نظير – Peer-to-Peer Health Support)، وتطبيقات الصحة والعافية والتي تشمل (أجهزة تتبع اللياقة البدنية – Fitness Trackers، وتطبيقات التأمل – Meditation Apps)، والمعدات والمرافق الطبية المشتركة. أما قطاع التعليم المعرفي المشترك، فيضم منصات التعلم عبر الإنترنت (Coursera – Udemy)، وشبكات التعلم بين الأقران (Skillshare Tutor.com)، والموارد التعليمية المفتوحة (Khan Academy)، ومجتمعات تبادل المعرفة (Stack Overflow – GitHub)، ومنصات البحث التعاوني.
فيما يشمل قطاع خدمات المهام المشتركة، منصات العمل الحر (TaskRabbit – Upwork)، والخدمات عند الطلب، مثل؛ تنظيف المنازل والإصلاحات، والمساعدة الشخصية في المهام اليومية كالتسوق من البقالة، والخدمات الرقمية مثل التصميم الجرافيكي والكتابة. أما قطاع العناصر المشتركة، فيشمل منصات تأجير المنتجات مثل (Rent The Runway – Turo)، ومشاركة الأدوات والمعدات (ShareGrid – Zilok)، ومشاركة الملابس والأزياء، ومشاركة معدات الأطفال والألعاب، ومشاركة الوسائط والكتب. وأخيرًا، تتضمن فئة المنتجات والخدمات الأخرى، مجالات، مثل؛ التجارب الفنية والثقافية المشتركة (معارض فنية، عروض حية)، وموارد السفر المشتركة مثل مشاركة ركوب السيارات للسفر، ومعدات اللياقة البدنية المشتركة، والترفيه المشترك، مثل؛ حسابات بث مباشر – Streaming Accounts، بالإضافة إلى تذاكر الحفلات الموسيقية، والخدمات المشتركة للمناسبات الخاصة، مثل؛ حفلات الزفاف وديكورات المناسبات.
يُظهر تقسيم السوق القطاعي أن قطاع النقل يستحوذ على الحصة الكبرى بنسبة 45%، يليه قطاع الإقامة بنسبة 30%، بينما تشكل القطاعات الأخرى مجتمعة نحو 25%. ووفقًا لبيانات تقرير الأعمال الاستراتيجية العالمية للاقتصاد التشاركي لعام 2024، سيشهد قطاع النقل التشاركي نموًا متسارعًا على مستوى العالم، إذ من المتوقع أن يصل حجمه إلى نحو 574.8 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2030، بمعدل نمو سنوي مركب يُقدر بنحو 25.6%. وفي السياق ذاته، يُتوقع أن يواصل قطاع الإقامة التشاركية توسعه بوتيرة قوية، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 26.1% خلال فترة التوقعات.
وعلى صعيد التوزيع الإقليمي لسوق الاقتصاد التشاركي العالمية، تُظهر البيانات تباينًا واضحًا في مستويات النضج والنمو بين المناطق المختلفة، فتستحوذ أمريكا الشمالية على أكبر حصة سوقية عالمية تبلغ نحو 38.2%، مدفوعةً بتبنيها المبكر للتكنولوجيا، وبنيتها التحتية الرقمية المتطورة، وبيئاتها التنظيمية المواتية. وتُوفر معدلات انتشار الهواتف الذكية، والإنترنت الواسع، وأنظمة الدفع الرقمية الراسخة، بيئة مثالية لازدهار منصات الاقتصاد التشاركي. وتُعد الولايات المتحدة الأمريكية القوة المهيمنة إقليميًّا بفضل منظومة الابتكار في وادي السيليكون وتوافر رأس المال الاستثماري الذي دعم نمو منصات رائدة عالميًّا. ووفقًا لتقرير الاقتصاد الرقمي العالمي 2025، فقد شكّل الاقتصاد الرقمي نحو 15% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي في عام 2025، وتشكل منصات الاقتصاد التشاركي أحد أعمدته الأساسية.
وعلى الجانب الآخر تُعد آسيا والمحيط الهادئ الأسرع نموًا عالميًّا في الاقتصاد التشاركي، بمعدل نمو سنوي مركب يُقدر بـ 17.8%، بفضل التوسع الحضري السريع، وزيادة استخدام الهواتف الذكية، وارتفاع الدخل في الطبقة المتوسطة. وتتصدر الصين السوق الإقليمية بفضل منصاتها الضخمة في مجالات النقل والخدمات المالية والتجارة الإلكترونية، مدعومةً بخطط حكومية طموحة لتنمية الاقتصاد الرقمي وتعزيز المنافسة العادلة. كما تشهد الهند نموًا هائلًا مدفوعًا بتوسع الاتصال بالإنترنت وتطور أنظمة الدفع الرقمي، إذ عالجت واجهة المدفوعات الموحدة التابعة لبنك الاحتياطي الهندي أكثر من 100 مليار معاملة سنويًّا، مما أوجد بيئة مواتية لخدمات الاقتصاد التشاركي صغيرة الحجم.
تمثل القارة الأوروبية نحو 28.4% من السوق العالمية، وتتميز بتنوع أطرها التنظيمية وتركيزها على حماية المستهلك وحقوق العمال. وقد أرست تشريعات الاتحاد الأوروبي، مثل قانون الخدمات الرقمية وتوجيه عمال المنصات، أطرًا متكاملة لحوكمة اقتصاد المنصات مع الحفاظ على المنافسة. وتتصدر ألمانيا السوق الأوروبية بفضل بنيتها الرقمية القوية وثقة المستهلكين العالية، حيث ساهم الاقتصاد الرقمي الألماني بنحو 170 مليار يورو في الناتج المحلي لعام 2023. كما حافظت المملكة المتحدة على نهج مرن يوازن بين تشجيع الابتكار وضمان الامتثال الضريبي وحماية المستهلك.
فيما تبرز أمريكا اللاتينية كسوق ناشئة واعدة تتمتع بإمكانات نمو مرتفعة، بفضل انتشار الهواتف الذكية واتساع نطاق الإنترنت وارتفاع نسب التحضر. وتتصدر البرازيل المشهد الإقليمي بفضل أسواقها الحضرية الكبرى التي توفر طلبًا قويًّا على خدمات النقل والإقامة المشتركة، مع وصول الإنترنت إلى نحو 84% من السكان في عام 2023. وتأتي المكسيك في المرتبة الثانية من حيث حجم السوق، مدفوعةً بزيادة تبني خدمات مشاركة الركوب والتوصيل في المدن الكبرى مثل مكسيكو سيتي وجوادالاخارا.
بينما تمثل منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا إحدى الأسواق الصاعدة ذات الإمكانات العالية على المدى الطويل، مدفوعةً بالتحول الرقمي، وارتفاع نسبة الشباب من السكان، وتطوير البنية التحتية الرقمية. فقد بلغت نسبة انتشار الهواتف الذكية أكثر من 95% في الإمارات العربية المتحدة، مقابل وصول نسبة انتشار الهواتف المحمولة في مصر إلى أكثر من 103%، كما تشهد المملكة العربية السعودية نموًا متسارعًا في الاقتصاد التشاركي، من خلال إصلاحات تنظيمية وتشجيع ريادة الأعمال والابتكار المحلي، ما يُسهم في خلق بيئة مواتية للنمو المستدام للاقتصاد التشاركي في المنطقة. كما تُمثل جنوب إفريقيا أكبر سوق في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، حيث تشهد مدنها الكبرى إقبالًا متزايدًا على خدمات النقل والتوصيل التشاركي. وتشمل سياسات التحول الرقمي التي تنتهجها حكومة جنوب إفريقيا استثمارات في البنية التحتية وأطرًا تنظيمية تدعم تطوير اقتصاد المنصات. ويُتيح العدد الكبير من سكان نيجيريا ونمو الطبقة المتوسطة إمكانيات سوقية هائلة، بينما تدعم المبادرات الحكومية التي تُعزز الشمول المالي الرقمي وريادة الأعمال تطوير الاقتصاد التشاركي. وقد سهّلت إصلاحات نظام الدفع التي أجراها البنك المركزي النيجيري نمو المعاملات الرقمية، مما يُمكّن من تشغيل منصات الاقتصاد التشاركي.