نحو جالية سودانية معافاة في دول المهجر: مصر أُنْمُوذَجًا
بقلم: د.ست البنات حسن
تُمثّل الجالية السودانية في جمهورية مصر العربية واحدةً من أعرق وأضخم تجارب التواجد السوداني في الخارج؛ حيث امتدت جذورها لعقود طويلة قائمة على الروابط التاريخية والاجتماعية المتينة بين الشعبين. غير أن التطورات الأخيرة، والتدفقات غير المسبوقة هروبا من جحيم مليشيا ال دقلو نحو مصر عقب اندلاع الحرب في السودان، وضعت هذه الجالية أمام اختبار حقيقي؛ كشفت من خلاله عن هشاشة الهياكل التنظيمية التقليدية، [ الجمعيات المشهرة والغير مشهرة ] وأظهرت العجز الواضح في التعاطي مع حجم الأزمة وعمقها.
أزمة المجلس المنتهي الصلاحية: بين واقع الضغوط وغياب القرار
عند تقييم حالة التشتت التي يعاني منها أبناء الجالية اليوم، لا يمكن إعفاء المجلس الإعلى المنتهية دورته من المسؤولية . إن استمرار أي كيان في ممارسة مهامه بعد انقضاء تفويضه الشرعي يخلق ثغرة قانونية وشعبية؛ حيث تفقد قراراته إلزاميتها الإخلاقية والتنفيذية، ويتحول من مظلة جامعة إلى مصدر للنزاع.
ولم تكن المشكلة مقتصرة على انتهاء الصلاحية فحسب، بل تجسّدت في غياب القرار الموحد وتشرذم الأراء داخل أروقة المجلس، وهو النتاج الطبيعي لتسلل الاستقطاب إلى مؤسسة يُفترض فيها الحياد التام. ومع ذلك، وبمنظور يتسم بالإنصاف، ينبغي الاعتراف بأن حجم اللجوء والنزوح الأخير فاق القدرة الاستيعابية لأي هيئة تقليدية، كالمجلس الاعلى والجمعيات إلا أن غياب الرؤية الاستباقية وإدارة الأزمات ضاعف من حدة الارتباك والتشتت.
السؤال المطروح كيف نصنع جالية معافاة؟
إن الخروج من الحالة الراهنة يتطلب الانتقال بالجالية من مفهوم “التجمعات العفوية” إلى “النموذج المؤسسي المهني” الذي يقوم على ثلاثة أركان رئيسية:
الحياد السياسي المطلق:
يُعدّ الحياد حجر الزاوية في بناء أي جالية ناجحة. يجب أن تُعرّف الجالية نفسها ككيان خدمي، اجتماعي، وإنساني يُعنى برعاية مصالح الرعايا بعيداً عن الصراعات الحزبية والأيدولوجية.
التمثيل القواعدي والشفافية: اعتماد الانتخاب المباشر والشفافة من القواعد العريضة للجمهور السوداني في مختلف المحافظات المصرية (القاهرة، الإسكندرية، أسوان، وغيرها)، مع وضع دستور (نظام أساسي) يحدد بدقة مواقيت التداول السلمي للمسؤولية، مع تفعيل آليات المراجعة والشفافية المالية.
التخصص والفاعلية: إدارة الجالية عبر لجان متخصصة تُدار بالكفاءات (لجنة قانونية لمتابعة الإقامات والأوراق، لجنة تعليمية للمدارس، لجنة صحية وإغاثية) لتقديم خدمات ملموسة تُعيد ثقة المواطن في كيانه الممثل.
السفارة والجالية: رعاية
تظل العلاقة بين البعثة الدبلوماسية (السفارة) والجالية إحدى ألنقاط الهامة
. إن الفهم القويم لهذه العلاقة يتطلب رسم حدود فاصلة
السفارة هي المظلة والدعم الدبلوماسي، بينما الجالية هي الكيان الشعبي المستقل.
يقتضي دور السفارة تقديم الدعم اللوجستي، واستخراج الوثائق الرسمية، والاعتماد لدى سلطات الدولة المضيفة، مع الوقوف على مسافة واحدة من جميع أبناء الجالية والإشراف كمراقب ومسهّل.
خاتمة
إن بناء جالية سودانية معافاة في مصر ليس ترفاً تنظيمياً، بل هو ضرورة ملحة لحماية حقوق مئات الآلاف من السودانيين وتوفير مظلة أمان اجتماعي وقانوني لهم. يبدأ الطريق بشجاعة الاعتراف بأخطاء الماضي، وتجاوز الأجسام المنتهية الصلاحية، والاتجاه نحو مؤتمر تأسيسي جامع يُعطي الكلمة الأخير للجمهور، ويضع مصلحة المواطن السوداني فوق كل اعتبار.
نواصل
