من عمق المشهد | د. ست البنات حسن أحمد تكتب …. عقيدة “النفير”.. كيف قهرت شبكات التكافل السودانية جحيم الانهيار؟

20

من عمق المشهد |
د. ست البنات حسن أحمد

عقيدة “النفير”.. كيف قهرت شبكات التكافل السودانية جحيم الانهيار؟

تُختبر معادن الشعوب في أتون المحن والخطوب الجسام، وحين تتداعى الهياكل وتغيب المؤسسات وتضيق سبل العيش، تنهار المجتمعات الهشة من داخلها قبل أن تسقط تحت وطأة الضربات الخارجية. غير أن قراءة المشهد السوداني الراهن من أعمق زواياه تكشف عن معجزة اجتماعية فريدة: إن ما حال دون سقوط ملايين الأسر في قاع الفناء ليس المعونات الدولية العابرة، ولا السياسات المنسية، بل هو ذلك المزيج الفطري الراسخ من النخوة والتضامن، الذي توارثته الأجيال كعقيدة بقاء وهوية وجود.
إن مفاهيم متجذرة في الوجدان السوداني مثل “النفير”، و”الفزع”، و”الدار الكبيرة”، ليست مجرد فولكلور لغوي نتغنى به في المناسبات؛ بل هي في حقيقتها «رأس مال اجتماعي واقٍ» شكّل شبكة أمان أفقية عصية على التمزق. لقد استطاع الضمير الجمعي لهذا الشعب أن يبتكر خط دفاعه الأول، حامياً كرامة الإنسان من المهانة، وصائناً كبرياء الأسر المتعففة في أصعب اختبار مر به تاريخ البلاد الحديث.
أولاً: “التكيات” والمطابخ الشعبية.. معركة الكرامة في الميدان
في قلب هذه الملحمة الإنسانية المضيئة، برزت “التكيات” والمطابخ الجماعية وغرف الطوارئ الشبابية كصمامات أمان حيوية لا غنى عنها. ففي أزقة المدن المحاصرة، وقرى النزوح، ومراكز الإيواء المكتظة، تحولت أواني الطهي المتواضعة إلى قلاع صمود يومية.
لم تكن “التكية” مجرد موضع لسد الجوع أو توزيع حصص الطعام؛ بل كانت مركزاً لإعادة إنتاج الأمل وملاذاً نفسياً يبعث رسالة حاسمة: «لن يجوع منا أحد وجاره يملك لقمة». لقد برهن شباب غرف الطوارئ ولجان الإسناد المجتمعي—الذين يعملون تحت مخاطر أمنية بالغة وشح مفرط في الموارد—أن روح “النفير” قادرة على إدارة لوجستيات معقدة بكفاءة وشفافية تفوقت في أحيان كثيرة على كبرى منظمات الإغاثة البيروقراطية، مقدمين نموذجاً ملهماً في التضحية ونكران الذات.
ثانياً: المغتربون والمهاجرون.. الجدار الذهبي وشريان الحياة
على الضفة الأخرى من المعركة، تشكلت ملحمة موازية قادها السودانيون في دول المهجر والاغتراب؛ إذ تحول هؤلاء إلى “الجدار الذهبي” وحبل الوريد الذي غذّى صمود الداخل واستمراره.
لم تكن تحويلات المغتربين مجرد أرقام مالية تُرسل عبر التطبيقات المصرفية، بل كانت عرقاً واقتطاعاً مباشراً من أقواتهم وأقوات أسرهم في بلاد الغربة. ومن خلال هذا التدفق الإيثاري المستمر، أُمّنت مصاريف شراء المواد الغذائية للتكيات، وتوفير الأدوية المنقذة للحياة، ودفع فواتير العمليات الجراحية، وإسناد الآلاف من النازحين. لقد أثبت المغترب السوداني أن حدود الوطن لا تقف عند تضاريسه الجغرافية، بل تمتد لتشمل كل بقعة ينبض فيها قلب سوداني بالوفاء والانتماء.
ثالثاً: “الزاد لو قَلّ بشيِّل جملة”.. فلسفة اقتسام المأوى
أما الإعجاز الحقيقي في هذا التضامن، فقد تجلى في رفض السودانيين لـ«منطق المخيمات واللجوء الداخلي» حيثما وُجدت بيوت تأوي. لقد انفتحت بيوت الأقاليم ومجالس القرى للوافدين دون تردد، وامتزجت الأسر وتقاسمت غرف النوم ومياه الشرب وكسرة الخبز، متجردة من أي حسابات ضيقة، ومستحضرة حكمة الأجداد الراسخة: «الزاد لو قَلّ بشيِّل جملة».
إن هذا الاستيعاب المجتمعي لملايين الفارين من نيران الحرب امتص صدمة إنسانية كانت كفيلة بإسقاط دول كاملة في الفوضى والجريمة، وأكد أن الكرم السوداني ليس ترفاً فائضاً عن الحاجة، بل هو سلوك إنقاذي أصيل يُمارَس في أشد حالات الشدة والفاقة.
رابعاً: من هبّة النفير إلى فقه الاعمار (التسنيد المؤسسي للتكافل المجتمعي)
إن هذه الملحمة التكافلية التي ابتكرتها التكيات، ومولها المغتربون، وحماها الشباب، تطرح علينا سؤالاً استراتيجياً ملحاً: كيف ننتقل بهذه الطاقة الهائلة من خانة “الاستجابة الإسعافية للطوارئ” إلى “رافعة هيكلية لإعادة الإعمار”؟
* حماية التكيات واستدامتها: توفير خطوط إمداد آمنة وتنسيق شفاف بين غرف الطوارئ ومصادر التمويل لتفادي انقطاع الوجبات عن الفئات الأشد هشاشة.
* التسنيد المؤسسي لمساهمة المغتربين: تجاوز فكرة التبرع الاستهلاكي الفردي نحو تأسيس صناديق وقفية وتنموية تعاونية توجه لتمويل العودة، وتشغيل المراكز الصحية، ودعم صغار المزارعين والحرفيين.
* الاعتماد على القواعد الشبابية: إشراك اللجان الشعبية وغرف الطوارئ في صياغة خطط التعافي المحلي؛ فهم الأقدر على معرفة الاحتياجات الفعلية لمناطقهم بعد أن قادوا معركة الصمود ميدانياً.
كلمة أخيرة..
إن الشعوب التي تتلاحم في الكوارث وتقتسم رغيف الخبز والماء تحت القصف، هي مجتمعات مستعصية على الانكسار أو الاندثار. لقد أثبت إنسان السودان أن الدولة وإن تعطلت أجهزتها فإن الأمة حية بضميرها وأخلاقها. وتلك الكتلة الصلبة من التضامن والنخوة ليست مجرد وسيلة لعبور جحيم الحاضر، بل هي حجر الأساس والخميرة النقية التي سنشيد بها غداً—بإذن الله—سوداناً معافى وأكثر عدالة وإنسانية.

Leave A Reply

Your email address will not be published.