من عمق المشهد | د. ست البنات حسن أحمد تكتب ……. من جدب الأرض إلى عقم السياسة: دلالة “قَحْط” حين تُصادر أحلام أمة

39

من عمق المشهد |
د. ست البنات حسن أحمد

من جدب الأرض إلى عقم السياسة: دلالة “قَحْط” حين تُصادر أحلام أمة
في لسان العرب وفقه لغتهم، لا تكاد تجد لفظة تنوء النفس بحملها، وتضيق الأبدان بوقعها، ككلمة “قَحْط”. إنها مفردة ثلاثية المبنى، لكنها تختزل في طياتها مأساة الوجود الإنساني حين تجف ينابيع الحياة: انحباس للغيث، وموت للزرع والضرع، وتصدع لجلد الأرض، يعقبه مسغبة ومخمصة ونزوح. هكذا عرفتها بوادي الجاهلية، وقيدتها أسفار المعاجم بوصفها بلاءً طبيعياً يقفر الربيع، ويحيل النضرة إلى هشيم تذروه الرياح.
غير أن سخرية التاريخ في واقعنا السوداني المعاصر أبت إلا أن تبعث هذه اللفظة من ركام التوصيفات، لا لتعبر عن تقلبات المناخ وجفاف التربة، بل لتصكّ مصطلحاً اختصر اسماً سياسياً ملأ الآفاق صخباً: “قَحْت” (قوى إعلان الحرية والتغيير). فإذا بالنحت اللفظي التلقائي الذي أطلقه الشارع يتحول من مجرد اختصار حروفي إلى تشخيص سوسيولوجي ونفسي لحالة عقم فكري وتجريف قيمي ضرب مفاصل الدولة في لحظة تاريخية بالغة الحرج.
أولاً: مفارقة الجدب.. بين ابتلاء الطبيعة وعجز الإرادة
حين نزن المعنيين في ميزان الواقع من عمق المشهد، تتجلى المفارقة موجعة وحارقة:
* قحط الأرض والطبيعة: ظرف بيئي طارئ، يستشرف عنان السماء طلباً لرحمة المطر، أو يستنهض عرق السواعد وسدود الريّ لاسترداد الخصوبة والنماء؛ إنه عارض تفرضه الطبيعة لكن يملك الإنسان مواجهته بتسنيد الأسباب، وإحكام التخطيط، والتعاضد الجمعي.
* أما “قحت” السياسية: فهي قحط مصطنع، وجفاف من طراز نكد؛ قحط في الخيال الاستراتيجي، وجدب في الحس الوطني، وانسداد في أفق المسؤولية الأخلاقية.
لقد أثبتت التجربة الميدانية أن علة هذه القوى لم تكن شحاً في موارد البلاد، ولا عوزاً في الفرص التاريخية التي فجرتها تضحيات الشباب في ديسمبر؛ بل كانت في «قحط البصيرة وسقوط المنهج». لقد أُتيحت لها أعظم منصة تأسيس للانتقال بالبلاد إلى فضاءات الديمقراطية والمؤسسية، فاستعاضت عن بناء الدولة بهندسة التمكين البديل، واختزلت مشروع التغيير في صفقات المكاتب المغلقة وتوزيع المغانم الوزارية.
ثانياً: متلازمة “المحاصصة” والاستقواء بالخارج
لقد تسللت عقلية الجدب إلى أداء هذه الحاضنة عبر متوالية من السلوكيات التي قادت المشهد إلى حافة الهاوية:
* صنمية الإقصاء وتجريف الكفاءات: بدلاً من استنهاض العقول والخبرات القومية لإعمار الخدمة المدنية المتداعية، فُتحت الأبواب لمنطق التمكين الحزبي الأعمى والموالاة الإيديولوجية، فطُردت الكفاءات المستقلة وأُسندت ملفات القرار الحساسة لمن يفتقر إلى أبجديات الإدارة ورشد التصرف.
* الارتهان للمظلات الخارجية وتغييب الإرادة الوطنية: لقد بدا لافتاً لكل مراقب كيف استبدلت هذه النخب حوار الداخل والرهان على القواعد الشعبية العريضة بالجري وراء السفارات، وتلقي الإملاءات من وراء الحدود، والاستقواء بالمنظمات الدولية ضد مؤسسات الدولة السيادية، في سلوك يعكس خواءً سياسياً وعجزاً عن امتلاك زمام المبادرة الوطنية المستقلة.
* التماهي مع مشاريع التفكيك: لقد بلغت مأساة هذا القحط السياسي ذروتها حين تماهى قطاع واسع من هذا التيار مع سرديات السلاح، متغافلين عن جرائم المليشيا التي دمرت ديار أهلهم واستباحت أرضهم، عاجزين حتى عن التلفظ بإدانة أخلاقية صريحة تصون دماء الضحايا وتنتصر لبقاء الدولة!
ثالثاً: الفارق الأخلاقي بين التربة والعقلية
إن الفارق الجوهري بين قحط الطبيعة وعقم التفكير لدى ساسة هذه المنظومة يكمن في “طبيعة الاستجابة”. فالأرض العطشى تخضع لنواميس الكون؛ متى ما سُقيت ارتوت، ومتى ما بُذرت أثمرت، لأن فطرتها النماء؛ أما العقلية السياسية المأزومة فتصرّ على استدامة الجدب، وتتعالى على المراجعة، وترفض الاعتراف بأخطائها الفادحة التي جرّت البلاد إلى أتون الحرب والخراب.
إنها تصر على استنبات الشوك في تربة وطنٍ جُبل عبر تاريخه على الكرم والخصوبة والبذل. والخطورة الحقيقية لم تكن يوماً في اختلاف الرؤى والبرامج، بل في تحويل العمل الوطني من “أمانة ومسؤولية” إلى مجرد سوق للوجاهة والتكسب الحزبي الضيق.
كلمة أخيرة.. في الميزان
إن السودان—بأرضه الشاسعة، ومخزون موارده الهائل، وعبقرية إنسانه الصامد في أريافه وبواديه ومهاجره—أوسع بكثير من عقم الطبيعة العابر، وأعظم من أن تصادر مصيره نخبٌ مصابة بقحط البصيرة والضمير.
إن الشعوب الحية لا تموت من دورة جفاف؛ وحين ينجلي غبار هذه المعركة الوجودية، ستسقط الأقنعة وتتلاشى الشعارات المستهلكة، لتبقى الأرض لمن يزرعها خيراً وصلاحاً، ويبقى الوطن لمن يبذل الدم والعرق لصون كرامته. وسيعود نيلنا الخالد دافقاً بالحياة، مؤكداً أن قحط الزمان وقحط السياسة كلاهما زبدٌ يذهب جفاءً، وما ينفع الناس سيمكث في الأرض.

Leave A Reply

Your email address will not be published.