معادلة الحسم العسكري: قراءة استراتيجية في تحولات الصراع السوداني وخيار “الاستسلام أو الموت”

36

معادلة الحسم العسكري: قراءة استراتيجية في تحولات الصراع السوداني وخيار “الاستسلام أو الموت”

تُشكل التطورات الميدانية المتسارعة في المشهد السوداني منعطفاً استراتيجياً حاسماً، انعكس بوضوح في التحليل العميق الذي قدمه اللواء معاش الدكتور أمين إسماعيل مجذوب، الخبير في إدارة الأزمات والتفاوض بمركز البحوث والدراسات الاستراتيجية، خلال استضافته عبر إذاعة موسكو في برنامج “شؤون عسكرية”. لقد وضع هذا اللقاء النقاط على الحروف فيما يتعلق بتبدل موازين القوى، منتقلاً من مرحلة التوازن النسبي إلى مرحلة الحسم العسكري الميداني، وفرض معادلات جديدة تتلخص في خيارين لا ثالث لهما أمام قوات الدعم السريع: إما الاستسلام التام والانصياع لخيار الدولة، أو مواجهة مصير المحتوم.

 

انهيار الخصائص القتالية وتآكل القدرات الميدانية

يشهد الدعم السريع تراجعاً ملحوظاً وتخبطاً كبيراً في بنيته البشرية والقتالية، يتجلى ذلك بوضوح في عجز هذه القوات عن الحفاظ على خاصية الدفاع أو المقاومة أو تنفيذ عمليات الالتفاف التي اعتادت عليها في السابق. وتجسد ميدانياً في تحرير الجيش السوداني لنحو 14 مدينة في منطقة شمال كردفان في فترة وجيزة لا تتجاوز الأسبوع. هذا الانهيار المتسارع دفع القيادة العسكرية والسياسية السودانية إلى تبني مقاربة جديدة تستند إلى مخاطبة المنظمات الإقليمية والدولية والأمم المتحدة، وإرسال رسائل واضحة للرئيس الأمريكي المنتخب تؤكد الجاهزية للسلام القائم على شروط الدولة السودانية وحفظ سيادتها.

 

إن هذه التحركات السياسية والدبلوماسية ما هي إلا انعكاس مباشر التقدم الميداني العسكري؛ فكلما حقق الجيش نصراً وحرر مناطق جديدة، كلما ارتفع سقف التفاوض وصار موقف الدولة أقوى في التعامل مع القوى الإقليمية والصديقة. من هنا جاء التحذير الصارم والصريح من القائد العام للقوات المسلحة ورئيس مجلس السيادة للدعم السريع بالاستسلام أو مواجهة المصير المحتوم، والمتمثل في الموت والإنهاك العسكري الكامل، نظراً لارتكاب هذه القوات لانتهاكات جسيمة شملت قتل المواطنين والسلب والنهب والاعتداءات، مما يغلق باب الرحمة والعفو أمام أي محاولات للهروب من العدالة.

 

دور التطور التقني لسلاح الجو والمسيرات في تبديل موازين القوى

لعب دخول سلاح المسيرات الحديثة والتطوير النوعي في سلاح الجو التابع للجيش السوداني دوراً محورياً في إعادة صياغة موازين القوى العسكرية. يمتلك الجيش السوداني قوات جوية عريقة ذات قدرات كبيرة تأسست منذ خمسينيات القرن الماضي، وشهدت تطوراً هائلاً في نوعية الطائرات المقاتلة والقاذفة وطائرات النقل. ومع اندلاع النزاع، وجد الجيش نفسه جاهزاً ومستعداً بفضل التصنيع المحلي المتطور والتحالفات العسكرية والسياسية الدولية التي مكنته من تلبية احتياجاته المختلفة، لا سيما تدعيم القوات الجوية بمسيرات استراتيجية وانتحارية من الجيل الرابع، وكوادر فنية مؤهلة قادرة على إنزال المسيرات واستخدامها بكفاءة عالية لصالح العمليات العسكرية.

 

وقد انعكس هذا التفوق التقني والتدريبي في عمليات نوعية دقيقة، مثل تدمير 34 مسيرة في منطقة عطبرة في يوم واحد، وحوالي 20 مسيرة في الأبيض في ضربة واحدة. تؤكد هذه الأرقام القياسية الكفاءة العالية للأجهزة المطورة والتدريب الأكاديمي المتقدم في الكليات العسكرية السودانية، مما أطاح بقدرات الطرف الآخر وأعطى القيادة العسكرية والسياسية القدرة الميدانية المطلقة لإصدار إنذار الاستسلام وتأمين الحدود الاستراتيجية للبلاد.

 

السيناريوهات المستقبلية لساحة المعركة وآفاق الأمن الإقليمي

في ظل رفض الدعم السريع لصوت العقل وإصراره على مواصلة القتال، تتشكل سيناريوهات المعارك المقبلة باتجاه حسم عسكري شامل لا هوادة فيه. إن الجيش السوداني، بما يمتلكه من جاهزية بشرية ولوجستية وتصنيع حربي محلي وعامل نفسي ومعنوي جماهيري داعم للقوات المسلحة، يمضي قدماً نحو تطهير كافة جيوب التمرد وإغلاق الحدود الغربية والشمالية تماماً.

 

وقد نجحت القيادة العسكرية في وضع خطط استراتيجية متوازنة لتأمين الحدود المشتركة (الغربية والجنوبية والشرقية)، وحسم أي تجاوزات محتملة من المجموعات الإضافية أو دول الجوار، بدليل السيطرة المحكمة على المداخل اللوجستية والتعامل بحزم مع أي تهديدات خارجية. إن هذا الحسم العسكري لا يقتصر تأثيره على الداخل السوداني فحسب، بل يمتد ليعزز الأمن الإقليمي لمنطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي وجنوب الصحراء، نظراً لارتباط أمن هذه الدول بالاقتصاد والاستقرار التجاري والحدودي مع السودان.

 

بناءً على ما تقدم، يتبين أن خطاب “الاستسلام أو الموت” ليس مجرد ضغط نفسي، بل هو عقيدة عسكرية تستند إلى قدرات مادية وبشرية ومعنوية متكاملة تكفل للجيش السوداني إنهاء حالة التمرد، وفرض سيادة الدولة، وتهيئة الأجواء المستقرة لمواسم الإنتاج الزراعي والاقتصادي المستقبلي.

Leave A Reply

Your email address will not be published.