مرثية الوفاء: رحيلُ من أضاءَ العمرَ بأثَرِه

10

كتبت د.ست البنات حسن
​رغم مضي عامين ونيف على ذلك اليوم الذي انطفأ فيه سراجُ الدار، إلا أن الحزن على فقد الشريك السند لا يقاس بالزمن، ولا تُمحى آثاره بمرور الأيام؛ فالذكريات الحية تظل تهبّ على الروح مع كل نسيم. ورغم عمق يقيني بأن من عاش ما عاش إلا ليموت، ورغم رسوخ إيماني بأن الموت حق، بل إنه للمفارقة الحقيقة الوحيدة المطلقة في هذه الحياة، وأن المنية آتية لا ريب فيها، طال العمر أم قصر، وفي ساعة لا تتقدم ولا تتأخر؛ إلا أن فقد الأعزاء ما ينفك مع ذلك — ولحكمة يعلمها عالم الغيب والشهادة — يزلزل المرة تلو المرة أركان هذه النفس البشرية، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
​هكذا شقّ عليّ وعلى ابني وبناتي رحيلُ زوجي، الذي مرّت على وفاته سنتان ونصف، وما زال طيفه حاضراً في كل زاوية من زوايا أيامنا. أسترجع تلك اللحظات الفاصلة حين حمل طائرُ الظهيرة جثمانَه من منزله في “بين السرايات” إلى مقابر “عين شمس” ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾، وشيّعه إلى مثواه الأخير أهلُه وأقاربه وما أكثر أصدقائه الذين ركضوا خلف الجثمان.
​عرف الكثيرون حسيناً عن قرب، فَقُدِّر لهم أن يلامسوا طيب فضله، وعذوبة خصاله، وسماحة سجاياه؛ سواء من أهله أو أصدقائه أو زملائه. وقد كنتُ أحد أولئك المحظوظين الذين كتب الله لهم أن ينعموا بكل تلك الفيوض من خلال حياة امتدت بيننا هادئة ملؤها المودة والسكن. كان محباً لعمله، مخلصاً للعمل العربي المشترك، متنقلاً بشغف بين البلدان المختلفة إلى أن استقر به المطاف في القاهرة.
​كان “الحاج حسين” — كما كان يحب أن يُدعَى — إنساناً بسيطاً كَرِيماً، مَرِحاً ضَحُوكاً، تسهل عشرته وتطيب معاملته، فيُسعِد إذا حضر، ويُوحِش إذا غاب. لكنه كان في الوقت ذاته حَمُولاً صَبُوراً، كَتُوماً للألم، ثابتاً عند المصائب، رَاكِزاً لدى المُلِمّات؛ لا تفتنه الدنيا إذا أقبلت، ولا تبتئسه إذا أدبرت، ولعل من رأوه يغالب ابتلاء العلة بلطيف الأُنْس والصبر يشهدون له بذلك.
​إن مرور السنين لا يزيد الذكرى إلا رهافة، ولا يزيد الوفاء إلا عمقاً. رحم الله حسيناً، وجزاه عن الإحسان إحساناً، وعن الإساءة عفواً وغفراناً، وجعل قبره روضة من رياض الجنة، وغرس البركة في ذريته وفي أهله أجمعين.
​اللهم إني أتضرع إليك في كل وقت أن تكرم نزله، وتؤنس وحشته، وتيمن كتابه، وتيسر حسابه، وتثقل بالحسنات ميزانه، وتثبت على الصراط أقدامه، وتجعله في مراقد المقربين إليك مع الشهداء والصديقين وحسن أولئك رفيقاً، وإنا لله وإنا إليه راجعون

Leave A Reply

Your email address will not be published.