شيء للوطن | صلاح غريبة يكتب …. طبول السلام تهزم هدير المدافع انكسار المأساة وبزوغ فجر الإرادة

59

شيء للوطن
م.صلاح غريبة – مصر
Ghariba2013@gmail.com

طبول السلام تهزم هدير المدافع
انكسار المأساة وبزوغ فجر الإرادة

لم تكن دقات الطبول السودانية التي رنت في فضاء دار الأوبرا المصرية، خلال افتتاح الدورة الثانية عشرة لمهرجان الطبول الدولي والفنون التراثية، مجرد استعراض فلكلوري عابر أو ترف ثغري يجامل منصات الاحتفال؛ بل كانت صرخة وجودية كبرى أطلقتها الذات السودانية من قلب الرماد، لتعيد صياغة معادلة البقاء والانتصار. يأتي هذا الحضور الثقافي الباذخ في توقيت رمزي بالغ الدلالة، توقيت تتزامن فيه هذه الإيقاعات الآدمية الشجية مع تراجع خجول ومستمر لطبول الحرب التي طحنت البلاد، حيث بدأ صوت الرصاص وهدير المدافع يخفت ويتلاشى أمام الضربات المتلاحقة والانتصارات الحاسمة التي تسطرها القوات المسلحة السودانية، مسنودة بوعي صلب وجدار منيع من الإرادة الشعبية التي رفضت الانكسار أو التنازل عن كبرياء الدولة وصون كرامتها.

إننا اليوم نقف على أعتاب مرحلة جديدة لا يُعلى فيها إلا صوت البناء، ولا تلوح في أفقها سوى ملامح الفجر الجديد؛ فبينما كانت آلة الدمار تلملم أذيال خيبتها، كانت فرقة “نوبيان” التابعة لجمعية دنقلا للثقافة والتراث النوبي فرع القاهرة ترفع وتيرة الأمل، لتعلن للكون أجمع أن طبول الحرب قد آذن ليلها بالانقشاع، وأن طبول السلام العادل، القائم على العزة والسيادة، هي التي تدق الآن و تملأ الأرجاء.
حينما ندفع بقوة وفخر نحو صناعة السلام ونشر قيم المحبة عبر الفنون، فإننا لا نمارس تزييفاً للواقع، ولا نركض نحو نسيان بليد؛ إذ كيف لنا أن نتناسى تضحيات الشهداء الأبرار الذين روت دماؤهم الزكية أرض الوطن افتداءً وترابه؟ وكيف نسقط من حسابات الوجدان أنات جرحى الحرب الميامين الذين يحملون أوسمة الفداء على أجسادهم؟ إن مرارات النزوح القسري، وعذابات اللجوء في المنافي، والانتهاكات التعسفية الصارخة التي طالت الأنفس والأعراض والممتلكات، ستبقى حية في الذاكرة الوطنية شهادة تاريخية على بشاعة الخيانة وظلم المعتدين.

لكن، وبالقدر نفسه من الصلابة، فإن المعادل الموضوعي لهذه الآلام ليس الاستسلام لليأس، ولن يكون البكاء على الأطلال أو اللطم على الخدود وسيلة للشعوب الحية. إن الرد الحقيقي على الجرح هو النهوض، والترياق الفعال للمأساة هو الإصرار على مواصلة الحياة بأدوات أكثر رقياً وأشد مضاءً. لقد اختار السودانيون في القاهرة، ومن ورائهم الملايين في الداخل والشتات، أن يحولوا طاقة الحزن واللوعة إلى وقود إبداعي متفجر، معلنين للعالم أن الإنسانية التي دافعوا عنها بدمائهم، قادرون على حراستها وإعادة إنتاجها عبر إيقاعاتهم ورقصاتهم وثقافتهم الملهمة.
في عالم اليوم، لم يعد مفهوم السلم والأمن القومي مرتبطاً بالعتاد العسكري وحده، بل غدت الثقافة بقوتها الناعمة هي خط الدفاع الأول عن الهويات والسيادات والمستقبل الشامل. وهنا يبرز مفهوم “الاقتصاد البنفسجي” كمقاربة اقتصادية واجتماعية رائدة، تثمن البعد الثقافي في التنمية، وتحول الموروثات التراثية والفنية إلى قوة إنتاجية قادرة على تحقيق الاستدامة وبناء الجسور الإنسانية. إن مشاركة السودان برعاية المستشارية الثقافية والخطوط الجوية السودانية في هذا المهرجان الدولي، هي تجسيد عملي لتوظيف هذا الاقتصاد البنفسجي لخدمة قضايا السلم والتحرر؛ فالتراث السوداني الثري، بإيقاعاته الضاربة في جذور التاريخ الإنساني، يمثل سفارة دبلوماسية شعبية صامتة ونافذة تخاطب وجدان العالم دون وساطة.
لقد تحول مسرح الأوبرا بفضل الفنون السودانية، وأغنية “عديلة” التراثية المفعمة بالبشارات، إلى حقل مشع بقيم التآخي؛ فالأمم الحية لا تموت ما دامت ذاكرتها الثقافية نابضة، وما دام مبدعوها -أمثال الفنان علي مهدي والإعلاميين والناشطين في جمعية دنقلا برئاسة الدكتورة ست البنات حسن- يقفون في خنادق الدفاع عن هذه الهوية. إن هذه القوة الناعمة هي التي تصنع اليوم رسل السلام الحقيقيين، وهي التي تعيد رسم صورة السودان في الوعي العالمي كمنارة حضارية مشعة بالجمال، لا كبؤرة للصراع والنزاع.
نحو أفق مشرق: فلنطلق طيور المحبة ورؤية نحو الغد: إن الرسالة النهائية التي انطلقت من حوار الطبول في القاهرة تتجاوز حدود العرض الفني لتصبح ميثاقاً وطنياً وإنسانياً جديداً؛ فلتكن الثقافة ملاذنا، وليكن الإبداع سلاحنا الأعزل في معركة البناء. لتقرع طبول السلام في كل منبر وسهل ووادي، ولنطلق طيور المحبة والوئام لترفرف فوق سماء بلادنا المكلومة لتغسلها من درن الضغائن والحروب.
آن الأوان لهذا الشعب العظيم أن يستريح من وعثاء السفر في دروب المعاناة، وآن لطفلنا السوداني، الذي عاش الرعب والحرمان، أن يتنفس الصعداء، وأن يبتسم ملء ثغره الصغير آمناً مطمئناً في وطن يسوده العدل، وتحرسه القوات المسلحة، وتزينه الفنون، وتقوده الطبول نحو آفاق المجد والرفعة والتعايش السلمي الخالد.

Leave A Reply

Your email address will not be published.