شئ للوطن | صلاح غريبة يكتب …. عودة الروح إلى الجسد: ضرورة إحياء الطبقة الوسطى وتوفير الحماية للمدنيين

577

شئ للوطن
م.صلاح غريبة – مصر
Ghariba2013@gmail.com

عودة الروح إلى الجسد: ضرورة إحياء الطبقة الوسطى وتوفير الحماية للمدنيين

صلاح غريبة
صلاح غريبة

 

لقد ألقى شبح الحرب بظلاله القاتمة على السودان، تاركًا وراءه دمارًا هائلاً في الأرواح والممتلكات والنسيج الاجتماعي. وبينما تتصاعد الآمال في طي صفحة النزاع، يبرز سؤال محوري حول كيفية بناء سودان جديد قادر على النهوض من تحت الرماد واستعادة عافيته. وفي هذا السياق، تتبدى ضرورتان ملحتين لا يمكن تجاهلها: إعادة بناء الطبقة الوسطى المتآكلة وتوفير حماية مدنية شاملة للمواطنين.
لطالما كانت الطبقة الوسطى في أي مجتمع هي صمام الأمان والاستقرار، وعموده الفقري الاقتصادي والاجتماعي. في السودان، مثلت هذه الشريحة من المجتمع، بما تملكه من تعليم ومهارات وطموحات، قوة دافعة للتنمية والتقدم. كانت حاضنة للمبادرات الصغيرة والمتوسطة، ومصدرًا للكوادر المؤهلة في مختلف القطاعات، وحلقة وصل بين النخب والقواعد الشعبية. إلا أن ويلات الحرب الأخيرة، وما سبقها من أزمات اقتصادية وسياسية، أدت إلى تآكل هذه الطبقة بشكل خطير. فقد فقد الكثيرون مدخراتهم وأعمالهم ومصادر رزقهم، وتحول قسم كبير منهم إلى نازحين أو لاجئين، بينما اضطر آخرون إلى التكيف مع ظروف معيشية قاسية تهدد بقائهم.
إن عودة الطبقة الوسطى ليست مجرد رفاهية أو مطلبًا ثانويًا، بل هي ضرورة حتمية لتعافي السودان واستدامته. فهي المحرك الأساسي للنمو الاقتصادي المستدام، من خلال إطلاق الطاقات الكامنة في ريادة الأعمال، وتوفير فرص العمل، وزيادة الإنتاج والاستهلاك المحلي. كما أنها تلعب دورًا حيويًا في تحقيق الاستقرار الاجتماعي، من خلال تعزيز قيم الاعتدال والحوار والتسامح، وتقليل الفوارق بين الطبقات، والمساهمة في بناء مجتمع مدني قوي ومؤسسات ديمقراطية راسخة.
ولتحقيق هذه العودة المنشودة، يتطلب الأمر تبني سياسات اقتصادية واجتماعية شاملة ومتكاملة. يجب التركيز على توفير بيئة جاذبة للاستثمار، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتوفير القروض الميسرة والتدريب اللازم للشباب والخريجين. كما ينبغي الاستثمار في التعليم والصحة والبنية التحتية، لتمكين الأفراد من استعادة قدراتهم والمساهمة بفاعلية في عملية البناء. بالإضافة إلى ذلك، لا بد من معالجة جذور الأزمات الاقتصادية التي أدت إلى تدهور أوضاع الطبقة الوسطى، من خلال إصلاحات هيكلية تضمن عدالة توزيع الثروة ومكافحة الفساد وتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي.
إلى جانب إعادة بناء النسيج الاقتصادي والاجتماعي، تبرز الحاجة الملحة لتوفير حماية مدنية شاملة للمدنيين السودانيين. لقد عانى الأبرياء خلال سنوات الحرب الأمرين من العنف والنزوح وفقدان الأمن الغذائي والصحي. ولا يمكن بناء سودان مستقر ومزدهر دون ضمان سلامة وأمن مواطنيه وحماية حقوقهم الأساسية.
تتطلب الحماية المدنية الفعالة اتخاذ إجراءات متعددة الأوجه. في المدى القصير، يجب العمل على تأمين المناطق المتضررة من النزاع، وتوفير ممرات آمنة لإيصال المساعدات الإنسانية، وضمان حصول النازحين واللاجئين على الاحتياجات الأساسية من الغذاء والمأوى والرعاية الصحية. كما يتعين إنشاء آليات فعالة لرصد وتوثيق الانتهاكات لحقوق الإنسان ومحاسبة المسؤولين عنها، لضمان عدم الإفلات من العقاب وتعزيز ثقافة المساءلة.
على المدى الطويل، تتطلب الحماية المدنية بناء مؤسسات قوية وقادرة على إنفاذ القانون وحماية الحقوق. يجب إصلاح القطاع الأمني والقضائي لضمان حياديته واستقلاليته وفعاليته في تطبيق القانون على الجميع دون تمييز. كما ينبغي تعزيز دور المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان في رصد الانتهاكات وتقديم الدعم للضحايا والمساهمة في بناء ثقافة السلام والمصالحة.
إن عودة الطبقة الوسطى وتوفير الحماية المدنية ليسا هدفين منفصلين، بل هما وجهان لعملة واحدة. فوجود طبقة وسطى قوية ومستقرة يساهم في تعزيز الاستقرار الاجتماعي والسياسي، ويقلل من احتمالات نشوب النزاعات. وفي المقابل، فإن توفير بيئة آمنة ومحمية للمدنيين يشجع على عودة الاستثمارات وعودة الكفاءات وبدء دورة التعافي الاقتصادي.
إن الطريق أمام السودان ما بعد الحرب طويل وشاق، ولكنه ليس مستحيلاً. إن إرادة الشعب السوداني وتطلعاته نحو مستقبل أفضل هي المحرك الأساسي لعملية التعافي. ومن خلال تبني رؤية واضحة وسياسات حكيمة تركز على إعادة بناء الطبقة الوسطى وتوفير الحماية المدنية، يمكن للسودان أن يستعيد عافيته ويخطو خطوات واثقة نحو مستقبل مزدهر وآمن ومستقر. إنها مسؤولية وطنية وإنسانية تقع على عاتق جميع الأطراف المعنية، ولا يمكن تحقيقها إلا بتضافر الجهود والعمل المشترك بروح من الوحدة والتضامن.

لمتابعة المقال من مصدر نشره الاصلي،  أضغط هنا  …….!!!

Leave A Reply

Your email address will not be published.