التعدين الأهلي في السودان: ثروة في الظاهر ونزيف في عمق الاقتصادِ

112

 

 

 

 

 

 د. ست البنات حسن

يُعتبر قطاع التعدين الأهلي (التقليدي) عن الذهب في السودان أحد أكثر الأنشطة الاقتصادية إثارة للجدل بين المتخصصين وعامة الشعب السوداني . ففي الوقت الذي يراه الملايين شريان حياة يقي من الفقر ويُوفر فرص عمل سريعة في ظل ظروف معيشية ضاغطة، تشير المعطيات والواقع الاقتصادي إلى عكس ذلك تماماً؛ إذ تحوّل هذا النشاط العشوائي إلى نزيف مستمر للاقتصاد القومي، وسبب رئيسي في تدهور البنية التحتية والمالية للدولة .

​تكمن أولى وأبرز الآثار السلبية لهذا القطاع في ظاهرة تهريب الذهب وفقدان الموارد المالية للدولة . ونظراً لأن عمليات التنقيب تتم بعيداً عن أجهزة الرقابة الرسمية وفي مناطق نائية واسعة، فإن نسبة هائلة من الإنتاج تسلك طريقها عبر الحدود إلى الخارج بطرق غير شرعية. هذا التسرب المتواصل يحرِم خزينة الدولة والبنك المركزي من مليارات الدولارات التي كان يمكن أن تدعم احتياطي النقد الأجنبي، فضلاً عن تعذر تحصيل العوائد الجليلية والضرائب والرسوم المستحقة، مما يفقد الموازنة العامة أحد أهم مصادر تمويلها..

​ولم تقف أضرار التعدين الأهلي عند حد حرمان الخزينة، بل امتدت لتشكل ضغطاً مباشراً على قيمة العملة الوطنية وتفاقم التضخم. حيث يعمد كبار التجار والمهرّبين إلى ضخ مبالغ ضخمة من الجنيه السوداني لشراء الذهب مباشرة من المعدنين في مناطق الإنتاج، ثم يقومون بتسييل تلك العائدات وتحويلها إلى عملات أجنبية عبر السوق الموازية (السوداء) لتهريبها أو إعادة تدويرها. هذه المضاربات المحمومة خلقت طلباً استثنائياً على الدولار، مما أدى إلى انهيار متواصل في قيمة الجنيه السوداني وارتفاع موجات الغلاء والتضخم التي يكتوي بنارها المواطن البسيط.

​وعلى صعيد هيكل الإنتاج القومي، أحدث التعدين الأهلي اختلالاً كبيراً في سوق العمل من خلال سحب العمالة من القطاعات الحيوية، وعلى رأسها الزراعة والرعي. فقد هجر آلاف الشباب والزارعين أراضيهم الخصبة في مختلف الولايات والتحقوا بمقالع الذهب بحثاً عن الربح السريع. هذا التحول الجماعي أسفر عن تراجع المساحات المزروعة وتناقص إنتاج المحاصيل الغذائية والنقدية، مما اضطر الدولة إلى إنفاق كميات مضاعفة من العملة الصعبة لاستيراد مواد غذائية كان السودان يحقق فيها اكتفاءً ذاتياً، الأمر الذي أضعف الأمن الغذائي وزاد من هشاشة الاقتصاد.

​تكتمل هذه الصورة الضارة بالتكلفة البيئية والصحية الفادحة التي يفرضها التنقيب العشوائي. فالاستخدام المفرط وغير المُنظّم للمواد السامة، مثل الزئبق والسيانيد، أدى إلى تلوث واسع للتربة والمياه الجوفية والمراعي الطبيعية، مما هدد الثروة الحيوانية التي تُعد رافداً أساسياً للصادرات. يضاف إلى ذلك انتشار الأمراض والاعتلالات الصحية بين العمال والسكان المحليين في مناطق التعدين، وهو ما يضع عبئاً مالياً إضافياً على كاهل القطاع الصحي المنهك، ويكبد الدولة والمجتمع خسائر غير مباشرة باهظة على المدى الطويل.

​وفي ختام الأمر، يتضح أن التعدين الأهلي بشكله الحالي ليس سوى حل مؤقت للأفراد على حساب مستقبل الاقتصاد الكلي. وإن الخروج من هذه الدوامة يتطلب استراتيجية حازمة تقوم على تقنين أوضاع المعدنين التقليديين، وفرض سيطرة البنك المركزي على شراء وتصدير الذهب، واستبدال المواد السامة بتقنيات آمنة، حتى تتحول هذه الثروة الوطنية من مصدر للاختلال وويتحول النزيف إلى محرك حقيقي للتنمية المستدامة .

 

 

 

 

Leave A Reply

Your email address will not be published.