إعادة التفكير في الهجرة داخل النظام العالمي: نحو مقاربات تفسيرية جديدة ( 4 )

من يربح من الهجرة؟ الاقتصاد الخفي للحراك البشري" (4-10)

10

 

 

د. خالد لورد 
“من يربح من الهجرة؟ الاقتصاد الخفي للحراك البشري” (4-10)

لم تعد الهجرة في النظام العالمي المعاصر مجرد حركة بشرية عفوية تستجيب لعوامل الفقر أو الحرب أو البحث عن فرص أفضل، بل تحولت تدريجيا إلى منظومة اقتصادية معقدة ومتداخلة تتقاطع فيها مصالح الدول والشركات والأسواق غير الرسمية. فالهجرة اليوم لا تفهم فقط بوصفها تدفقا للأفراد عبر الحدود، بل بوصفها أيضا سلسلة قيمة اقتصادية عالمية تنتج أرباحا هائلة وتعيد تشكيل قطاعات كاملة من الاقتصاد الدولي. ومن هنا، يصبح السؤال المركزي ليس فقط لماذا يهاجر الناس؟ بل أيضا من يستفيد من هذه الحركة البشرية الضخمة؟

إن ما يمكن تسميته بالاقتصاد الخفي للهجرة، يكشف أن هناك بنية اقتصادية متكاملة نشأت حول الإنسان المهاجر في كل مرحلة من مراحل رحلته، قبل المغادرة، أثناء التنقل، عند الحدود، وبعد الوصول، وحتى أثناء الإقامة، والعودة أو الإعادة. هذه البنية لا تقتصر على الاقتصاد غير الرسمي، بل تمتد إلى شركات متعددة الجنسيات، ومؤسسات مالية، وأنظمة أمنية، وتقنيات متقدمة، ما يجعل الهجرة أحد أكثر القطاعات ربحية وتعقيدا في الاقتصاد العالمي المعاصر.

في قلب هذه المنظومة تأتي شركات التوظيف الدولية التي أصبحت فاعلا أساسيا في هندسة تدفقات العمالة المهاجرة عبر الحدود. هذه الشركات لا تعمل فقط كوسيط بين العامل وصاحب العمل، بل تتحول في كثير من الأحيان إلى بوابة إلزامية للهجرة القانونية. فهي تتحكم في شروط التوظيف، وتحدد الوجهات، وتفرض رسوما قد تكون باهظة على المهاجرين، خصوصا من الدول النامية. وبذلك، تصبح الهجرة نفسها سلعة تباع وتشترى، ويعاد تشكيلها باستمرار وفق منطق العرض والطلب العالمي على العمالة الرخيصة أو المتخصصة. وفي حالات عديدة، قد تتداخل هذه الشركات مع شبكات أخرى قد تستغل المهاجر وتجعله في موقع هش، مما يضطره معه لدفع ثمنا مضاعفا ماليا واجتماعيا ونفسيا.

إلى جانب ذلك، برز ما يمكن تسميته بصناعة الحدود، وهو قطاع متنام يشمل الشركات التي تنتج أنظمة المراقبة، والجدران الذكية، وأجهزة الرصد، وبرمجيات تحليل البيانات الحدودية. لقد تحولت الحدود من خطوط جغرافية إلى أسواق أمنية ضخمة تستثمر فيها الدول مليارات الدولارات تحت شعار الأمن القومي وإدارة الهجرة. هذا التحول جعل من منع الدخول أو تنظيمه نشاطا اقتصاديا مربحا بحد ذاته، حيث تتنافس شركات التكنولوجيا الدفاعية والأمنية على عقود حكومية ضخمة لتطوير أنظمة أكثر تعقيدا في تتبع المهاجرين وإدارتهم. وهكذا، لم تعد الحدود مجرد أداة سيادية، بل أصبحت صناعة هجرية قائمة بذاتها تدار بمنطق الربح والخسارة.

يتفرع عن ذلك قطاع آخر بالغ الأهمية يتمثل في التكنولوجيا البيومترية، التي تشمل بصمات الأصابع، والتعرف على الوجه، ومسح العين، وأنظمة البيانات الضخمة الخاصة بالهجرة. هذه التقنيات أصبحت جزءا لا يتجزأ من إدارة تدفقات البشر، سواء في المطارات أو مراكز التأشيرات أو نقاط العبور. ومع توسع استخدامها، نشأت سوق عالمية ضخمة تتنافس فيها شركات التكنولوجيا على تقديم حلول أكثر دقة وأمانا، لكنها في الوقت ذاته تثير تساؤلات عميقة حول الخصوصية والحقوق، والرقابة، وتحول الإنسان إلى بيانات قابلة للتتبع. في هذا السياق، يصبح المهاجر ليس فقط جسدا يتحرك، بل ملفا رقميا يخضع للفرز والتصنيف والمراقبة المستمرة.
أما في الطرف الأكثر إثارة للجدل، فتبرز مراكز الاحتجاز بوصفها جزءا من اقتصاد الهجرة غير المرئي. هذه المراكز، التي تنشأ في العديد من الدول لاستيعاب المهاجرين غير النظاميين أو طالبي اللجوء، أصبحت تدار في كثير من الحالات من قبل شركات خاصة بموجب عقود حكومية. وبذلك، يتحول احتجاز الإنسان إلى خدمة تقدم ضمن منطق التعاقد والربح. هذا النموذج يخلق حوافز اقتصادية معاكسة لسياسات تقليل الاحتجاز، إذ يصبح استمرار وجود المحتجزين مصدر دخل مستمر. وهو ما يفتح الباب أمام نقاشات أخلاقية حادة حول تداخل الأمن مع السوق، وحول تحويل المعاناة الإنسانية إلى نشاط اقتصادي قابل للإدارة.

في المقابل، تلعب التحويلات المالية للمهاجرين دورا مزدوجا في الاقتصاد العالمي. فمن جهة، تمثل هذه التحويلات، التي تقدر وفقا لتقارير البنك الدولي بحوالي 700 مليار دولار سنويا، شريان حياة لاقتصادات الدول النامية، حيث تشكل في بعض الحالات نسبة مهمة من الناتج المحلي الإجمالي. ومن جهة أخرى، تتحول شركات التحويلات المالية إلى مستفيد اقتصادي مباشر من تدفقات الهجرة، عبر اقتطاع رسوم على كل عملية إرسال أموال، خاصة إلى الدول النامية والأقل نموا التي تعتبر الأعلى من بين كل التحويلات. ومع تطور التكنولوجيا المالية، توسعت هذه الصناعة لتشمل منصات رقمية وتطبيقات مصرفية جديدة، ما جعل من حركة المال المصاحبة للهجرة قطاعا عالميا مستقلا بذاته، تتنافس فيه البنوك التقليدية مع الشركات ووكالات التحويل الرقمية الناشئة.

لا يمكن فهم اقتصاد الهجرة دون التوقف عند اقتصاد التهريب، وهو الجانب غير الرسمي والأكثر تعقيدا في منظومة الهجرة. فمع تشديد القيود الحدودية، تنشأ شبكات غير قانونية تنظم عبور الأشخاص مقابل مبالغ مالية ضخمة. هذه الشبكات، رغم طابعها الإجرامي في كثير من الحالات، تعمل وفق منطق اقتصادي قائم على المخاطرة والطلب، وتستفيد من الفجوة بين السياسات التقييدية والاحتياجات الفعلية للحركة البشرية. وهنا تتجلى مفارقة عميقة، فكلما ازدادت صرامة الحدود، ازداد ربح اقتصاد العبور غير الرسمي، ما يجعل سياسات الردع أحيانا جزءا من المشكلة القائمة لا الحل المرتجى.

إن هذا التشابك بين القطاعات المختلفة يكشف أن الهجرة لم تعد مجرد قضية إنسانية أو سياسية، بل أصبحت قطاعا اقتصاديا عالميا متكاملا تتداخل فيه الشرعية مع غير الشرعية، والدولة مع السوق، والتكنولوجيا مع الجغرافيا، والإنسان مع الآلة. وبذلك، يمكن القول إن الحركة البشرية اليوم تدار ضمن منطق رأسمالي معولم يجعل من الإنسان المهاجر ليس فقط فاعلا اجتماعيا، بل أيضا وحدة اقتصادية داخل نظام عالمي واسع يعيد إنتاج نفسه عبر الحدود.

في ضوء هذا التحليل، يصبح من الضروري إعادة التفكير في سياسات الهجرة ليس فقط من منظور الضبط والأمن أو الحقوق الإنسانية، بل أيضا من منظور الاقتصاد السياسي الذي يكشف كيف تنتج المصالح، وكيف تتوزع الأرباح ضيزا، وكيف يعاد صياغة الحدود بوصفها أسواقا مفتوحة على الربح تماما مثلما هي مغلقة في وجه البشر.

د. خالد لورد
مستشار سابق لدى الأمم المتحدة في شؤون الهجرة والتنمية

“هذه السلسلة جزء من عمل بحثي أوسع حول إدارة الهجرة وتحولاتها في العلاقات الأوروبية–الأفريقية”.

 

Leave A Reply

Your email address will not be published.