شيء للوطن
م. صلاح غريبة – مصر
جسور الحقيقة: حين تعانق التقنية عراقة التراث في فضاء الصحافة
لم يكن مشهد ختام الدورة التدريبية حول “الذكاء الاصطناعي وصحافة الموبايل” في القاهرة مجرد احتفالية بروتوكولية لتوزيع الشهادات، بل كان تجسيداً حياً لملحمة مهنية وإنسانية تجاوزت حدود القاعات التدريبية لتصيغ مفهوماً جديداً للتضامن العربي والمهني. في قلب هذا الحراك، برز دور مؤسسات المجتمع المدني التي تؤمن بأن المعرفة هي السلاح الأمضى في مواجهة الأزمات، وعلى رأسها تلك الجهود المخلصة التي بذلتها جمعية دنقلا للثقافة والتراث النوبي (مكتب القاهرة)، والتي وضعت بصمتها في خارطة هذا الإنجاز من خلال رؤية استراتيجية جمعت بين عراقة الهوية وأدوات المستقبل.
لقد كان إعداد هذه الدورة بمثابة معركة وعي، حيث لعبت الجمعية دوراً محورياً في هندسة اللقاءات التمهيدية التي وضعت القواعد الصلبة لهذا النجاح. إن زيارة وفد المتدربين مقر نقابة الصحفيين المصريين — ذلك الصرح العريق — والاجتماع بنقيب الصحفيين المصريين، لم تكن مجرد زيارة ودية، بل كانت “خريطة طريق” حقيقية.
خلال تلك المداولات مع النقيب ورئيس لجنتي الشؤون العربية والحج والعمرة بالنقابة، تبلورت رؤية مشتركة تهدف إلى رعاية الصحفيين السودانيين، والالتزام الأخلاقي والمهني تجاه الأشقاء الذين فرضت عليهم ظروف الحرب التواجد في مصر، وتوفير بيئة مهنية تحتويهم وتطور مهاراتهم، والاهتمام بالشراكة التدريبية، بالاتفاق على إقامة دورات تدريبية مشتركة تضمن استدامة التعلم ونقل الخبرات بين القطرين، وفتح آفاق التعاون وتمثلت في الجولة داخل مبنى النقابة، كانت رسالة بأن “بيت الصحفيين” مفتوح لكل قلم يسعى للحقيقة، وهي الخطوة التي مهدت الطريق لانطلاق الدورة بمشاركة نوعية ومكثفة.
في قاعات “معهد الأهرام الإقليمي”، اجتمع أكثر من 50 دارساً من الصحفيين السودانيين، يحدوهم الأمل في تطويع خوارزميات الذكاء الاصطناعي لصالح قضاياهم الوطنية. ولم يكن حضور قيادات جمعية دنقلا في الدورة حضوراً شرفياً، بل كان حضوراً فاعلاً ومؤثراً؛ حيث شاركت رئيسة الجمعية بمكتب القاهرة ومسؤول الإعلام وعضو المكتب الاستشاري في المتابعة والإعداد، مما أضفى صبغة مؤسسية قوية على المشاركة النوبية والسودانية في هذا المحفل الرقمي.
هذا التواجد عكس إيماناً عميقاً بأن الحفاظ على التراث والثقافة لا ينفصل عن مواكبة لغة العصر؛ فالتراث يحتاج إلى منصات ذكية ليبقى حياً، والذكاء الاصطناعي يحتاج إلى “روح الثقافة” ليوجه في المسار الإنساني الصحيح.
لقد استعرض المتحدثون في الختام أهمية تطوير أدوات الصحفي لمواكبة التحول الرقمي، مؤكدين أن صحافة الموبايل لم تعد ترفاً، بل هي ضرورة لتوثيق اللحظة ونقل الخبر بدقة وسرعة، خاصة في ظل التحديات التي يواجهها الإعلام السوداني حالياً.
إن هذه الدورة لم تنتهِ بتوزيع الأوراق الموقعة، بل بدأت فعلياً حين عاد كل صحفي إلى ميدانه محملاً بأدوات تقنية جديدة ورؤية أوسع. إن الجهد الذي بذلته جمعية دنقلا للثقافة والتراث النوبي بالتعاون مع نقابة الصحفيين المصريين ومركز عنقرة واتحاد الصحفيين وجمعية إسناد ومؤسسة الأهرام، هو نموذج يُحتذى به في “إدارة الأزمات عبر المعرفة”.
إننا اليوم أمام جيل جديد من الصحفيين الذين يمتلكون المهارة والوعي، مسنودين بمؤسسات لا تكتفي بالعمل الثقافي التقليدي، بل تقتحم آفاق التكنولوجيا لتضمن لأبنائها مكاناً تحت شمس المستقبل. فلنمضِ لا بما تعلمناه فقط، بل بروح التعاون التي أثبتت أن النيل لا يجمع الأرض فحسب، بل يجمع العقول والطموحات أيضاً.