صحيقة القوات المسلحة | شيء للوطن | صلاح غريبة يكتب ….. إفريقيا: إرادة البناء في زمن الأزمات

شيء للوطن
م.صلاح غريبة – مصر
Ghariba2013@gmail.com

إفريقيا: إرادة البناء في زمن الأزمات

القوات المسلحة – الثلاثاء ٢٦-٥- ٢٠٢٦م

يطلُّ “يوم إفريقيا” هذا العام ليحمل في طياته أكثر من مجرد ذكرى تاريخية لتأسيس منظمة الوحدة الإفريقية، بل يضع القارة أمام لحظة فارقة تتطلب استحضار الروح الجماعية في أبهى صورها لمواجهة واقع دولي وإقليمي بالغ التعقيد. إن الاحتفاء بهذا اليوم وسط تحديات عالمية متسارعة، بدءاً من اضطراب سلاسل الإمداد وتأثر الممرات الملاحية الحيوية، وصولاً إلى تهديدات أمن الطاقة والغذاء، يفرض واقعاً جديداً يضع التضامن الإفريقي في اختبار حقيقي؛ فالمصير المشترك لم يعد شعاراً نظرياً، بل ضرورة بقاء تمليها تداعيات الأزمات الدولية التي لا تستثني أحداً، مما يوجب على دول القارة توحيد صفوفها وتكثيف جهودها التنسيقية لحماية مصالحها السيادية وضمان استقرار شعوبها وفق مبادئ القانون الدولي الراسخة.

إن قضية المياه، التي تصدرت أجندة الاتحاد الإفريقي لهذا العام، تمثل ركيزة جوهرية في معادلة التنمية المستدامة والأمن الإقليمي للقارة، فهي شريان الحياة الذي لا يقبل القسمة على أطراف دون أخرى. ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة الملحّة إلى صياغة نهج إفريقي موحد يقوم على قواعد قانونية دولية واضحة تنظم إدارة الأنهار العابرة للحدود، بحيث تتحول هذه الموارد المائية إلى جسور للتعاون والمنفعة المتبادلة بدلاً من أن تكون مصدراً للتوترات أو النزاعات التي قد تهدد السلم والأمن القاريين. إن الإدارة الرشيدة والحوكمة العادلة لهذه الموارد هي السبيل الوحيد لتعزيز التكامل الإقليمي، وتحقيق التنمية التي تطمح إليها الشعوب، وضمان حق الأجيال القادمة في الموارد الأساسية في ظل مناخ إقليمي يحتاج إلى تغليب لغة الحوار والشراكة على أي مسارات أخرى.
وفي قلب هذه التطلعات، تبرز حاجة الدول التي تعاني من نزاعات داخلية، مثل السودان، إلى دعم إفريقي مكثف يركز على إعادة الإعمار وصون مؤسسات الدولة الوطنية، باعتبارها حجر الزاوية في الحفاظ على وحدة وسلامة الأراضي الإفريقية. إن تطلعات شعوب القارة، وخاصة تلك التي تكافح لاستعادة استقرارها، تتطلب تفعيل آليات العمل الإفريقي المشترك لتبادل الخبرات وتوطين التنمية، حيث تظل الدول الكبرى في القارة، بما تمتلكه من ثقل تاريخي وإمكانات مؤسسية، شريكاً فاعلاً في هذا المسار، ليس فقط عبر تقديم الدعم الفني، بل من خلال تنسيق الجهود مع الشركاء الدوليين لضمان أن تأتي برامج إعادة الإعمار متوافقة مع الأولويات الوطنية للدول المعنية، وبما يحفظ سيادتها ويحقق تطلعات شعوبها في الأمن والاستقرار.
إن المرحلة القادمة تتطلب استثمار الإمكانات الهائلة للقارة -من موارد طبيعية وطاقات بشرية شابة- في مسارات إنتاجية تعزز من قدرة القارة على الصمود في وجه التقلبات الدولية. ومع اقتراب استضافة القمم التنسيقية للاتحاد الإفريقي، تلوح في الأفق فرصة ذهبية لتعزيز العمل الحكومي ودمجه مع طاقات قطاعات الأعمال، بما يسهم في دفع أجندة التنمية القارية قُدماً. إن “يوم إفريقيا” هو دعوة متجددة للإيمان بأن الإرادة الإفريقية، حين تجتمع على كلمة سواء وتلتزم بقواعد القانون الدولي، قادرة على تحويل الأزمات إلى فرص للبناء، وأن مستقبل القارة ليس رهناً بالمتغيرات الدولية فحسب، بل هو نتاج مباشر لمدى قدرة دولها على التكاتف والتمسك بوحدتها وسلامة مؤسساتها.

مصدر المقال

Download
Comments (0)
Add Comment