من «جهاز المغتربين» إلى وزارة للسودانيين حول العالم : هل آن الأوان لإعادة بناء علاقة السودان بأبنائه في المهجر؟

 

 

بقلم: د. ست البنات حسن
لم يعد السودانيون في الخارج مجرد مجموعة من الموظفين والعمال الذين غادروا الوطن بحثًا عن فرص أفضل، ثم يعودون إليه في الإجازات حاملين مدخراتهم وهداياهم لأسرهم كما كانت الصورة التقليدية للمغترب قبل عقود لقد تغيّر العالم، وتغيّر السودان، وتغيّرت خريطة الوجود السوداني خارجه بصورة جذرية ..
فهناك اليوم الطبيب والمهندس والأستاذ الجامعي ورجل الأعمال والعامل والطالب، وهناك المهاجر الذي استقر لعقود وحصل أبناؤه على جنسية بلد آخر، وهناك اللاجئ الذي أخرجته الحرب قسرًا من بيته، وهناك الكفاءات السودانية الموزعة بين الخليج وأوروبا وأميركا وأستراليا وأفريقيا، وهناك ملايين السودانيين الذين دفعت بهم الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 إلى دول الجوار ..
وتشير تقديرات المنظمة الدولية للهجرة التي نُقلت في 2025 إلى أن أكثر من أربعة ملايين شخص غادروا السودان إلى الدول المجاورة بسبب الحرب، وكان في مصر وحدها أكثر من مليون ونصف المليون سوداني ممن لجأوا إليها عقب اندلاع الحرب ..
أمام هذه التحولات الكبيرة يبرز سؤال يستحق أن يُطرح بشجاعة:
هل ما زال الشكل المؤسسي التقليدي لجهاز تنظيم شؤون السودانيين بالخارج مناسبًا لإدارة هذا الملف الهائل؟
جهاز أدّى أدوارًا لا ينبغي إنكارها
من الإنصاف، قبل الحديث عن أوجه القصور، الاعتراف بأن جهاز تنظيم شؤون السودانيين بالخارج ظل لعقود المؤسسة الحكومية الأكثر التصاقًا بقضايا المغتربين، وتولّى التنسيق مع مؤسسات الدولة بشأن شؤونهم، ومتابعة بعض قضايا الجاليات، والعمل في ملفات العودة والحوافز والاستثمار والتحويلات وغيرها .
وقد ظل الجهاز حاضرًا حتى خلال ظروف الحرب في متابعة أوضاع بعض السودانيين والجاليات بالخارج، كما أكدت الحكومة نفسها ضرورة تطوير أدائه؛ ففي ديسمبر 2025 وجّه رئيس الوزراء بترقية وتجويد أداء الجهاز ومعالجة التحديات التي تواجه السودانيين بالخارج.
وهذه نقطة مهمة؛ لأن المطالبة بالإصلاح لا تعني إلغاء التاريخ المؤسسي للجهاز أو إنكار الجهود التي قام بها العاملون فيه.
لكن المؤسسات لا تُقيّم بنياتها بما فعلته بالأمس فقط، وإنما بمدى قدرتها على الاستجابة لتحولات اليوم.
من رعاية المغترب إلى الجباية؟
لعل أكثر الانتقادات التي ارتبطت بجهاز المغتربين في الوعي العام السوداني هي أن علاقة المغترب بالدولة تحولت في فترات مختلفة من علاقة رعاية وشراكة إلى علاقة يغلب عليها الإحساس بالرسوم والضرائب والإجراءات.
وقد دفعت هذه الانتقادات الدولة نفسها في مراحل سابقة إلى مراجعة بعض الرسوم والمساهمات؛ ففي عام 2015 أُعلن إلغاء الضرائب أو المساهمات على فئات من العمال والموظفين المغتربين ضمن اتجاه معلن للانتقال من سياسة الجباية إلى تشجيع التحويلات والاستثمار.
لكن المشكلة ظلت تظهر بأشكال مختلفة.
وفي مايو 2026، على سبيل المثال، نُشرت تقارير عن تكدس كبير للعائدين نهائيًا أمام جهاز المغتربين بسبب إجراءات استثناء السيارات، مع شكاوى تتعلق ببطء الإجراءات وارتفاع الرسوم والضرائب.
كما ظل وصف الجهاز بأنه تحول إلى «أداة للجباية» حاضرًا في بعض الانتقادات العامة الموجهة إليه، إلى جانب اتهامات بالتدخل أحيانًا في نزاعات وتكوينات الجاليات. وهذه بالطبع اتهامات وآراء تحتاج كل حالة منها إلى فحص مستقل، لكنها تكشف على الأقل عن أزمة ثقة بين قطاعات من السودانيين بالخارج والمؤسسة المفترض أن تمثل بوابتهم إلى الدولة.
والأزمة الحقيقية هنا ليست مقدار رسم بعينه إنه سؤال فلسفة المؤسسة.
هل ترى المواطن السوداني في الخارج موردًا ماليًا ينبغي تحصيل أكبر قدر ممكن منه، أم مواطنًا وشريكًا وامتدادًا استراتيجيًا للوطن ينبغي الاستثمار في قدراته وعلاقاته وخبراته؟
ثروة السودان التي تعيش خارجه
كثيرًا ما اختُزل الحديث عن المغتربين في تحويلاتهم النقدية.
ولا شك في أهمية هذه التحويلات؛ فقد قدّر الجهاز في تصريحات نقلت في 2025 أن السودان فقد بسبب الحرب تدفقات تحويلات كانت تقدر بنحو ستة مليارات دولار سنويًا. وهي تقديرات رسمية تستحق في ذاتها مراجعة إحصائية دقيقة، لكنها توضح الوزن الاقتصادي الذي تنسبه الدولة للمغتربين لكن اختزال السودانيين بالخارج في الدولارات خطأ استراتيجي..
للسودان خارج حدوده أطباء يعملون في أفضل المستشفيات، وأساتذة في الجامعات ومراكز البحث، ومهندسون وخبراء تقنية معلومات واقتصاديون وإعلاميون ، ورجال أعمال، وشباب اكتسبوا خبرات ولغات وعلاقات دولية وتكنولوجيا حديثة هذه. ليست مجرد تحويلات مالية إنها شبكة بشرية ومعرفية واقتصادية عالمية للسودان.
والدولة المبتكرة هي التي تعرف أين توجد هذه الطاقات، وما تخصصاتها، وكيف تتواصل معها، وكيف تستفيد منها في إعادة الإعمار والتنمية ونقل المعرفة وفتح الأسواق وجذب الاستثمارات.
الجاليات.. الرعاية .. لا الوصاية
ويتصل بذلك ملف الجاليات السودانية الذي تناولناه في المقال السابق من خلال تجربة الجالية السودانية في مصر.
وهنا ينبغي إعادة تعريف علاقة جهاز المغتربين والسفارات بالجاليات.
الجالية ليست فرعًا إداريًا للحكومة.
وليست ساحة لتصفية الصراعات السياسية.
وليست مجموعة أفراد تختارهم السفارة أو الجهاز ثم يُطلب من السودانيين في الدولة المضيفة الاعتراف بهم.
الجالية في الأصل تنظيم اجتماعي مدني يمثل السودانيين المقيمين في الدولة المعنية، بينما مهمة مؤسسات الدولة هي الرعاية والتنسيق والتسهيل وحماية الحقوق، لا صناعة قيادات الجاليات أو إدارة صراعاتها.
وحين تضطرب هذه الحدود يتحول الجهاز أو السفارة، ولو بحسن نية، من جهة راعية إلى طرف داخل الصراع.
هل الحل إنشاء وزارة؟
هنا نصل إلى السؤال الأكبر.
أحسب أن حجم التحولات التي شهدها الوجود السوداني في العالم يبرر فتح نقاش جاد حول تطوير جهاز تنظيم شؤون السودانيين بالخارج إلى مؤسسة وزارية كاملة، ربما تحت اسم:
وزارة الهجرة والسودانيين بالخارج
أو:
وزارة شؤون السودانيين بالخارج والهجرة
لكن علينا ألا نقع في وهم أن تغيير لافتة «الجهاز» إلى «وزارة» سيحل المشكلات تلقائيًا.
فقد ننشئ وزارة كبيرة وننقل إليها البيروقراطية القديمة نفسها.
المطلوب أولًا تغيير فلسفة إدارة ملف الهجرة والاغتراب، ثم بناء المؤسسة المناسبة لهذه الفلسفة.
وماذا عن التجربة المصرية؟
كانت مصر قد أنشأت وزارة مستقلة للهجرة وشؤون المصريين بالخارج، وهي تجربة تستحق الدراسة، لكن النموذج المصري نفسه تطور لاحقًا؛ وأصبحت شؤون المصريين في الخارج في الهيكل الحكومي الحالي ضمن وزارة الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج.
ومع ذلك استمر الملف حاضرًا على مستوى وزاري مرتفع، وليس مجرد إدارة هامشية؛ ففي أغسطس 2026 عُقدت النسخة السابعة من مؤتمر المصريين بالخارج بحضور وزير الخارجية وكبار المسؤولين لمناقشة قضايا الجاليات واحتياجاتها، كما طُرحت خلال السنوات الأخيرة مبادرات خاصة بالسكن والأراضي والسيارات وتسوية بعض أوضاع المصريين بالخارج.
إذن الدرس المصري ليس مجرد كلمة «وزارة».
الدرس هو أن المواطن في الخارج أصبح ملف دولة.
ماذا نريد من المؤسسة الجديدة؟
إذا اتجه السودان إلى إعادة بناء هذه المؤسسة، فينبغي ألا تكون وزارة للرسوم والجوازات والتأشيرات.
ينبغي أن تكون مؤسسة مسؤولة عن بناء سياسة وطنية للهجرة والسودانيين بالخارج.
تبدأ بإنشاء قاعدة بيانات حقيقية للكفاءات السودانية في العالم، وربطها ببرامج التنمية وإعادة الإعمار.
وتنشئ نافذة رقمية واحدة يستطيع عبرها السوداني في أي مكان إنهاء معاملاته دون السفر أو الوقوف في الصفوف.
وتقيم إدارة قانونية لمتابعة مشكلات الإقامة والعمل وحقوق السودانيين بالتنسيق مع السفارات والدول المضيفة.
وتنشئ وحدة للطوارئ والهجرة القسرية تكون قادرة على التدخل عندما تحدث حرب أو اضطرابات في دولة يعيش فيها سودانيون.
وتقيم مجلسًا استشاريًا عالميًا للسودانيين بالخارج يضم ممثلين حقيقيين للجاليات والكفاءات والمرأة والشباب ورجال الأعمال، لا ممثلين تختارهم البيروقراطية.
وتضع سياسة واضحة لاستثمارات المغتربين وتحويلاتهم تقوم على الحوافز والثقة لا الإلزام والجباية.
وتنسق مع التعليم والصحة والاستثمار والداخلية والخارجية والمصارف، حتى لا يظل المغترب يدور بين عشر مؤسسات حكومية لإنجاز معاملة واحدة.
السودان بعد الحرب يحتاج أبناءه في الخارج
والحقيقة أن أهمية هذه القضية أصبحت بعد الحرب أكبر مما كانت قبلها.
إعادة إعمار السودان لن تتم بالأموال وحدها.
وإنما تحتاج إلى الإنسان بما يحمله من علم وخبرة وكفاءة وقدرة على الفعل والعطاء؛ وللسودان اليوم طاقات علمية ومهنية وخبرات متراكمة موزعة في مختلف أنحاء العالم.
فالطبيب السوداني في بريطانيا أو السعودية، والمهندس في الإمارات، والأستاذ الجامعي في أميركا، والخبير الاقتصادي في قطر، ورجل الأعمال في مصر، والعالم والباحث في أوروبا، كل هؤلاء يمكن أن يصبحوا جزءًا من مشروع إعادة بناء السودان إذا وجدت الدولة المؤسسة التي تخاطبهم وتحترمهم وتفتح أمامهم أبواب المشاركة.
أما إذا ظل السوداني في الخارج لا يتذكر الدولة إلا عندما تطلب منه رسمًا، ولا تتذكره الدولة إلا عند الحديث عن تحويلاته، فإننا سنظل نهدر واحدة من أعظم موارد السودان.
خاتمة
ربما آن الأوان ألا نتحدث عن «المغتربين» باعتبارهم مواطنين يعيشون مؤقتًا خارج البلاد فالسودان أصبح اليوم وطنًا ممتدًا عبر القارات وفي عالم أصبحت فيه الدول تتنافس على استثمار شبكات مواطنيها في الخارج، لا يكفي السودان جهاز نشأ في سياق تاريخي مختلف ثم ظلت مهامه تتراكم عليه دون إعادة بناء شاملة..
إن المطلوب ليس إلغاء جهاز المغتربين ولا محو تجربته، وإنما الارتقاء بها إلى مرحلة جديدة.
مرحلة تنتقل فيها الدولة:
من الجباية إلى الشراكة،
ومن الإجراءات إلى الخدمات،
ومن التدخل في الجاليات إلى رعايتها،
ومن عدّ الدولارات إلى حصر العقول والخبرات،
ومن التعامل مع المغترب باعتباره موردًا للدولة إلى التعامل معه باعتباره جزءًا من الدولة نفسها.
وعندها يصبح السؤال الذي ينبغي أن نضعه أمام صانع القرار السوداني:
إذا كان ملايين السودانيين قد أصبحوا موزعين بين عشرات الدول والقارات، أفلا يستحق هذا السودان الممتد في العالم مؤسسة وزارية قوية تمثله في أعلى مستويات الدولة؟ نواصل

Comments (0)
Add Comment