من عمق المشهد | د. ست البنات حسن أحمد تكتب …… مخاض بيت السودانيين في مصر: هل تفلح صناديق الاقتراع حيث تعثرت المحاصصات؟

من عمق المشهد |
د. ست البنات حسن أحمد
مخاض بيت السودانيين في مصر: هل تفلح صناديق الاقتراع حيث تعثرت المحاصصات؟

تشهد الساحة السودانية في جمهورية مصر العربية هذه الأيام حراكاً صاخباً ومخاضاً تنظيمياً بالغ الدقة والحساسية؛ إذ تتسارع الخطى والاجتماعات لإعادة بناء الهياكل القيادية للجالية، وتدشين كيانٍ جامع يرعى مصالح ملايين السودانيين، تزامناً مع انتهاء الدورة التنفيذية لـ”المجلس الأعلى للجالية”.
غير أن قراءة هذا الحراك من عمق المشهد تكشف أن الأمر هذه المرة يتجاوز مجرد تبديل وجوه أو تنظيم دورة نقابية عابرة. نحن أمام واقع ديمغرافي وإنساني غير مسبوق فرضته تداعيات حرب الخامس عشر من أبريل؛ فالجالية السودانية في مصر لم تعد تلك الكتلة التقليدية المحدودة التي تدير شؤونها جمعيات وروابط صغيرة بطرق تقليدية، بل تضاعفت أعدادها لتشكل مجتمعاً حيوياً متكاملاً تضعه التقديرات الرسمية والشعبية بين 4 إلى 5 ملايين سوداني، يحملون آمالاً ملحّة وهموماً مركبة تبحث عمن يمثلها بمسؤولية ونزاهة.
أولاً: معضلة المنهج.. إسقاط الجمعيات الصورية التى لاتقدم شيئا وتجاوز فخ المحاصصة
المعضلة المزمنة التي لازمت تجارب العمل العام السوداني في المهاجر—ولم يكن المجلس السابق بمنأى عن سهامها—هي الوقوع في أسر المحاصصات النخبوية والجهوية والسياسية، والاستناد إلى جمعيات عمومية صورية تُحشد فيها الولاءات الضيقة وتُغيب عنها القواعد العريضة.
لذا، فإن بوصلة الحراك الحالي تتجه نحو إحداث قطيعة جذرية مع هذه الممارسات، عبر تبني معايير الكفاءة المهنية، والجدارة، والتمثيل العادل للشباب والمرأة والفعاليات المستقلة.

ويبرز الرهان التقني هنا كاقتراح نوعي: الاستعانة بآليات “الاقتراع الهجين” (ميدانياً وإلكترونياً) تحت إشراف لجنة وطنية قانونية ومستقلة، بما يتيح لملايين السودانيين المنتشرين في القاهرة والجيزة والإسكندرية وأسوان وبقية المحافظات ممارسة حقهم في اختيار ممثليهم دون وصاية أو إقصاء. إن النزاهة الانتخابية ليست مجرد إجراء شكلي، بل هي صمام الأمان الوحيد لإكساب الكيان القادم الشرعية الشعبية التي افتقدها المكون الحالي للجالية .
ثانياً: بروفايل القيادة.. مواصفات رجل المرحلة
إدارة ملف بهذا الحجم والتعقيد لا تتسع للهواة ولا لأصحاب الأجندات السياسية ولا للمكنكشين . إن قيادة “بيت السودانيين” القادم تتطلب وزناً نوعياً يتكامل فيه الثقل القانوني، والقبول المجتمعي، والقدرة الدبلوماسية الرفيعة على التنسيق المؤسسي مع السلطات المصرية والمنظمات الدولية ذات الصلة. وتتردد في الأروقة ثلاثة مسارات لشخصيات مرشحة للتصدي لهذه الأمانة:
* قامات أكاديمية وحقوقية مستقلة . أساتذة جامعات وخبراء قانون وهجرة متمرسون بالقاهرة، قادرون على تفكيك المشكلات الإجرائية وامتلاك لغة القانون واللوائح المنظمة.
* قيادات مجتمعية مهنية وكوادر شبابية: نماذج ميدانية صقلتها أزمة النزوح الأخيرة، أثبتت كفاءة استثنائية في إدارة غرف الطوارئ، وتسيير المساعدات، وحل مشكلات التعليم، وملامسة وجع الأسر المتعففة على الأرض.
* دبلوماسيون سابقون وشخصيات عامة: يحظون بالاحترام والقبول لدى الدوائر الرسمية المصرية، ويملكون الحنكة والجسارة لبناء جسور التواصل الأخوي وحماية المصالح المشتركة بين الشعبين الشقيقين في إطار احترام السيادة والقانون.
ثالثاً: التحول الوظيفي.. من النادي الاجتماعي إلى المؤسسة الخدمية
إن التحدي الأكبر أمام الكيان المرتقب ليس في طريقة انتخابه فحسب، بل في طبيعة وظيفته. لا يحتاج السودانيون في مصر اليوم إلى لافتات احتفالية أو ملتقيات بروتوكولية، بل يحتاجون إلى تحول استراتيجي نحو مؤسسة خدمية شاملة ومحوكمة تُعالج ملفات البقاء والاستقرار:
* حسم الأزمة التعليمية: وضع معالجات جذرية بالتنسيق مع وزارتي التربية في البلدين لتقنين المدارس والمراكز التعليمية السودانية، وتخفيف وطأة الرسوم والجبايات التي أثقلت كاهل الأسر المنهكة.
* تقنين الإقامات وحماية الحقوق: مأسسة التنسيق مع مصلحة الجوازات والجهات الأمنية لتسهيل الحصول على الإقامات الرسمية وتجديدها، وتفويت الفرصة على سماسرة الأزمات وتجار الإقامات المزيفة.
* الأمن الصحي والاجتماعي: تأسيس صندوق تكافل مستدام بالشراكة مع رجال الأعمال والمغتربين، يسند العمليات الجراحية العاجلة ويدعم المرضى وأصحاب الأمراض المزمنة، بالتوازي مع تشجيع مشاريع الإنتاج الصغيرة والحرف للأسر المعيلة.
رابعاً: نبض الشارع.. مخاوف مشروعة وأمل مشروط
في مقاهي “فيصل” و”الدقي” و”العتبة” ومجالس السودانيين بأكتوبر والإسكندرية، يدور النقاش بنبرة يمتزج فيها الأمل بالمرارة. يهمس الكثيرون بتحذير حاسم: “إياكم ونقل عدوى الصراع الحزبي والاستقطاب الأيديولوجي إلى ساحة الجالية”.
إن الشعب السوداني الذي دفع ثمن تشرذم نخبته في الداخل دماراً ونزوحاً، لن يقبل بأن يُعاد تدوير المحاصصات نفسها في بلاد المهجر على حساب كرامته واستقراره. الكيان القادم إما أن يكون معبراً عن وجع الجميع وسنداً لضعفائهم، أو سيتحول إلى مجرد رقم إضافي في سجل التجارب الميتة.
كلمة أخيرة.. في الميزان
إن نجاح الجالية السودانية في مصر في تقديم نموذج انتخابي ومؤسسي راشد يمثل “اختبار نضج تاريخي” للنخب السودانية برمتها. فإذا استطاعت هذه الكتلة البشرية الهائلة أن تتوافق على قيادة كفؤة ونزيهة بعيداً عن الترضيات، فإنها لن تحمي حقوق ملايين الوافدين وتصون كرامتهم فحسب، بل ستقدم الدليل القاطع على أن علة السودان لم تكن في غياب الرغبة في الديمقراطية، بل في غياب المؤسسية الرشيدة.
إن صناديق الاقتراع اليوم أمام فرصة تاريخية لتنتصر حيث فشلت الصفقات والمحاصصات.. والميدان وحده هو الفيصل.
نواصل

Comments (0)
Add Comment