السودان الغني: لماذا لا تعمِّر المواردُ الوطنَ وحدها؟

 

 

أ.د. طارق الصادق عبد السلام

ورد في مقال د. ست البنات حسن، المعنون: “ما بعد العودة (2): من إعادة الإعمار إلى صياغة عقد اجتماعي جديد”، مفهوم مثير للانتباه، هو مفهوم: “السودان الغني: الموارد لا تعمِّر الوطن وحدها”.
وهو مفهوم يستحق التوقف عنده، لا لأنه يشكك في غنى السودان، وإنما لأنه يضع هذا الغنى في موضعه الصحيح داخل معادلة العمران، وينقل النقاش من تعداد ما في باطن الأرض وفوقها إلى السؤال الأهم: لماذا لم تتحول هذه الموارد، على كثرتها، إلى عمران مستدام وعدالة اجتماعية وقوة للدولة ورفاه للإنسان؟
لقد درج الخطاب السوداني، الرسمي والشعبي، على تكرار مقولة إن السودان بلد غني بموارده؛ فهو يمتلك الأراضي الزراعية الواسعة، والمياه، والثروة الحيوانية، والذهب والمعادن، والنفط، والموقع الجغرافي، والتنوع المناخي والبيئي. وهذه كلها حقائق لا خلاف عليها. لكن الخطأ يبدأ حين تتحول هذه الحقائق إلى نوع من المخدِّر الوطني الذي يجعلنا نتصور أن مجرد وجود الموارد كافٍ لصناعة النهضة، وأن السودان سيصبح دولة غنية متى ما استُخرج المزيد من الذهب، أو زادت المساحات المزروعة، أو تدفقت الاستثمارات الخارجية.
وهذه رؤية مادية اختزالية تفصل الموارد عن الإنسان، والإنتاج عن القيم، والثروة عن المؤسسات، والتنمية عن العدل. فالأوطان لا تعمر بما تملكه فقط، وإنما بالطريقة التي تدير بها ما تملكه، وبالأهداف التي توجه نحوها مواردها، وبالقيم والمؤسسات والقدرات التي تحول النعمة الطبيعية إلى منفعة عمرانية عامة.

المورد الطبيعي ليس هو الثروة

ينبغي ابتداءً التمييز بين “المورد” و”الثرورة”. فالمورد هو ما أودعه الله تعالى في الأرض من إمكانات، أما الثروة فهي الناتج الذي يتحقق عندما تتفاعل تلك الإمكانات مع العلم والعمل والإدارة والقيم والمؤسسات.
فالذهب المدفون في باطن الأرض مورد، لكنه لا يصبح ثروة وطنية لمجرد استخراجه؛ فقد يُهرَّب إلى الخارج، أو تحتكره جماعة محدودة، أو تموَّل بعائداته الحروب، أو تُدمَّر البيئة والمجتمعات المحلية في أثناء استخراجه. وفي هذه الحالة يتحول المورد من إمكانية للعمران إلى وسيلة للخراب.
والأرض الزراعية الواسعة مورد، لكنها لا تصبح ثروة ما لم تتوافر المعرفة الزراعية، والبذور المحسنة، والمياه، والتمويل، والطرق، والتخزين، والتصنيع، والأسواق، والسياسات العادلة. والمياه نفسها قد تمر بين القرى العطشى والحقول البور، دون أن تنتج عمرانًا، إذا غابت الإدارة والتخطيط والبنية الأساسية.
ومن هنا فإن وصف السودان بأنه بلد غني يحتاج إلى تقييد. فالسودان غني بالإمكانات الطبيعية، لكنه لم يصبح بعد غنيًا بالمعنى العمراني الذي تتحول فيه الإمكانات إلى حياة كريمة، ومؤسسات قوية، وعلم متقدم، وإنتاج مستدام، وعدالة في توزيع المنافع.

الاستخلاف ليس امتلاكًا وإنما مسؤولية

في منظور علم الاجتماع الاستخلافي العمراني السنني، لا ينظر إلى الموارد بوصفها أشياء مباحة للامتلاك والاستهلاك المنفلت، وإنما بوصفها أمانة مرتبطة بوظيفة الإنسان الاستخلافية في الأرض. قال تعالى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾، أي طلب منكم عمارتها وفق منهج الهداية، لا مجرد استنزافها وتحويلها إلى غنائم تتنافس عليها القوى والجماعات.
كما أن قوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ يعيد تعريف الملكية ذاتها؛ فالمال مال الله من حيث الأصل، والإنسان مستخلف فيه، وملكيته له ليست سلطة مطلقة، وإنما وظيفة مقيدة بالحق والعدل وأداء الأمانة ومنع الضرر.
ومن هنا فإن السؤال القرآني لا يقف عند: كم نملك من الموارد؟ وإنما يتجاوزه إلى: كيف اكتسبناها؟ وكيف أدرناها؟ وفيم أنفقناها؟ ومن انتفع بها؟ وهل أقامت عدلًا، وسدت حاجة، وحفظت كرامة، وحققت عمرانًا، أم تحولت إلى وسيلة للاستعلاء والإفساد؟
لقد امتلك قارون من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة، لكن القرآن لم يعد كثرة ماله علامة على نجاحه العمراني، لأنه فصل النعمة عن مصدرها، والثروة عن وظيفتها، والامتلاك عن المسؤولية، فقال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِنْدِي﴾. فجاء التصحيح القرآني ليربط المال بالآخرة والإحسان والاتزان ومنع الفساد: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾.
فالفساد ليس نقيض الثروة من حيث الكم؛ فقد تجتمع الثروة والفساد. لكنه نقيض العمران؛ لأن العمران لا يقوم على كثرة الموجودات وحدها، بل على حسن توظيفها داخل نسق من القيم والسنن والمؤسسات.

بين سنن التسخير وسنن التعمير

كشف القرآن أن الله تعالى سخَّر للإنسان ما في السماوات وما في الأرض، لكن التسخير لا يعني أن الأشياء تؤدي وظائفها العمرانية تلقائيًا. فهناك فرق بين سنن التسخير وسنن التعمير.
سنن التسخير تعني أن الله أودع في الكون إمكانات قابلة للانتفاع: أرضًا وماءً ومعادن وطاقة وقدرات بشرية. أما سنن التعمير فتتعلق بالشروط التي تجعل الإنسان قادرًا على اكتشاف هذه الإمكانات وإدارتها وتحويلها إلى مصالح عامة.
وقد تُمنح أمة موارد وفيرة، لكنها تعجز عن تعميرها بسبب الجهل أو الظلم أو الفساد أو النزاع أو ضعف المؤسسات. وقد تقل موارد أمة أخرى، لكنها تبني بالعلم والعمل والتنظيم والإدارة عمرانًا أوسع وأقوى.
وهذا يكشف خطأ الحتمية الطبيعية التي تربط غنى الدول بما تحتويه أراضيها من المعادن والنفط والمياه. فالعمران لا يخضع لحتمية الموارد، وإنما لنسق من السنن؛ منها سنة العلم، وسنة العمل، وسنة العدل، وسنة التدافع، وسنة التداول، وسنة الجزاء، وسنة تغيير ما بالنفس.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾. وهذا التغيير لا يقتصر على الجانب الأخلاقي الفردي، وإنما يشمل تغيير طرائق التفكير، وأنماط الإدارة، ونظم الإنتاج، والعلاقة بالعمل والمال العام والسلطة والمؤسسات.
فإذا ظلت بنية الفساد كما هي، وثقافة الغنيمة كما هي، وإدارة الدولة كما هي، فلن يؤدي اكتشاف مورد جديد إلا إلى توسيع دائرة التنافس عليه، وربما إلى إنتاج حرب جديدة حوله.

حين تتحول الموارد إلى نقمة

ليست الموارد خيرًا مطلقًا في آثارها الاجتماعية والسياسية؛ فهي إمكان قابل للتوجيه. وقد تصبح موردًا للعمران إذا حكمتها الرؤية الرشيدة، أو تتحول إلى وقود للصراع إذا خضعت لمنطق الغلبة والاستحواذ.
وفي السودان لم تكن المشكلة دائمًا في غياب الموارد، وإنما في غياب النسق المؤسسي والأخلاقي الذي يحسن إدارتها. فكثير من مناطق الإنتاج ظلت من أفقر المناطق في الخدمات، وكثير من المجتمعات التي تحيط بمواقع استخراج الذهب أو النفط لم تحصل على نصيب عادل من عائداتها، بينما تحملت الأضرار البيئية والاجتماعية والأمنية الناتجة عنها.
وقد أسهم غياب الشفافية، وضعف الرقابة، والتهريب، وتعدد مراكز القوة المسلحة، واحتكار المعلومات والعقود، في فصل الموارد عن المصلحة العامة. وهكذا لم تعد الثروة أداة لتوحيد المجتمع حول مشروع وطني، بل أصبحت في بعض الحالات موضوعًا للتنافس بين المركز والأقاليم، وبين الدولة والجماعات المسلحة، وبين المؤسسات الرسمية والشبكات الاقتصادية الموازية.
وحين تصبح السيطرة على الدولة أقصر طريق للسيطرة على الموارد، تتحول السياسة من تدبير للشأن العام إلى صراع على الغنيمة. ويتحول جهاز الدولة من مؤسسة لخدمة المجتمع إلى بوابة لتوزيع الامتيازات. وبذلك يختل معنى السلطة، وتضعف المواطنة، وتتراجع الكفاءة أمام الولاء، وتصبح الموارد نفسها سببًا في إدامة الصراع.

الدولة ليست تاجرًا للموارد

الدولة في الرؤية الاستخلافية ليست مالكًا مطلقًا للثروة الوطنية، ولا تاجرًا يبيع الموارد لتغطية نفقاته اليومية، وإنما هي أمينة عليها ونائبة عن المجتمع في إدارتها وحمايتها وتوجيه عائداتها إلى المصالح العامة.
وهذه الأمانة تقتضي أن تكون العقود معلومة، والإيرادات خاضعة للمراجعة، وأوجه الإنفاق واضحة، وأن تعرف المجتمعات المحلية مقدار ما يُستخرج من مناطقها، وما يعود إليها من خدمات وتنمية.
كما تقتضي التفرقة بين ما يحقق إيرادًا سريعًا وما يؤسس لعمران طويل المدى. فقد تبيع الدولة موردًا خامًا فتحصل على مال عاجل، لكنها تخسر فرص التصنيع والتشغيل ونقل المعرفة وبناء الخبرة الوطنية. وعندئذ تكون قد استهلكت المورد، ولم تعمِّر به الوطن.
إن تصدير الذهب أو المحاصيل أو الثروة الحيوانية في صورها الخام قد يزيد حصيلة الصادرات، لكنه لا يبني بالضرورة اقتصادًا قويًا. فالقيمة العمرانية تتولد عبر سلاسل الإنتاج والتصنيع والتخزين والنقل والتسويق والمعرفة، لا في لحظة استخراج المورد أو إخراجه من البلاد.
ومن ثم فإن القضية ليست زيادة الإنتاج وحدها، وإنما بناء نسق إنتاجي وطني يربط الموارد بالعلم، والتعليم بالعمل، والريف بالمدينة، والمنتِج بالسوق، والعائد المالي بالخدمات والتنمية.

الإنسان هو الفاعل العمراني

يكثر في الأدبيات الاقتصادية الحديثة الحديث عن الإنسان بوصفه «رأس مال بشريًا»، غير أن هذا التعبير، رغم شيوعه، يختزل الإنسان في قيمته الإنتاجية والسوقية، وكأنه مورد آخر إلى جانب الأرض والمياه والمعادن.
أما في الرؤية الاستخلافية، فالإنسان ليس موردًا داخل مشروع التنمية، وإنما هو المستخلف والفاعل العمراني والمسؤول أخلاقيًا عن توجيه الموارد. فهو الذي يكتشفها بالعلم، وينتجها بالعمل، وينظم الانتفاع بها عبر المؤسسات، ويضبطها بالقيم، ويحاسَب على آثار استخدامها.
ولذلك فإن بناء الإنسان ليس بندًا جانبيًا في عملية الإعمار، بل هو شرطها الأول. فلا قيمة للذهب مع غياب الأمانة، ولا للأرض مع غياب المعرفة، ولا للمياه مع ضعف التخطيط، ولا للاستثمارات مع فساد المؤسسات، ولا للقوانين إذا غابت القدرة على تطبيقها بعدل.
إن أغنى ما يملكه السودان ليس ما في باطن أرضه فحسب، وإنما ما في عقول أبنائه وخبراتهم، وما في مجتمعه من قدرات على التكافل والإنتاج والتكيف. غير أن هذه القدرات تحتاج إلى تعليم جيد، ومؤسسات تحترم الكفاءة، وبيئة تحفظ العالم والمنتج والخبير، وتمنح الشباب فرصة للمشاركة والعمل بدل دفعهم إلى الهجرة أو السلاح أو العطالة.

العدل آلية لإنتاج العمران

ينظر بعض الناس إلى العدل باعتباره قيمة أخلاقية تأتي بعد تحقيق التنمية، بينما تكشف الرؤية القرآنية أن العدل نفسه شرط من شروط إنتاجها واستدامتها. فالناس لا يبذلون طاقتهم في مجتمع لا يحمي ثمرة عملهم، والمستثمر لا يطمئن إلى اقتصاد لا يستقر فيه القانون، والمزارع لا يوسع إنتاجه إذا كان لا يضمن الوصول إلى أرضه أو الحصول على عائد عادل، والمجتمعات المحلية لا تحمي المشروعات إذا كانت ترى أنها تُستخدم لاستخراج مواردها دون أن تنال نصيبها من المنافع.
فالعدل ليس مجرد توزيع لما أُنتج، وإنما آلية سننية تحفز الإنتاج، وتبني الثقة، وتقلل تكاليف النزاع، وتحفظ الملكيات، وتربط المواطن بالدولة. وفي المقابل، فإن الظلم لا يحرم بعض الناس من نصيبهم فقط، بل يهدم شروط الإنتاج نفسها، ويدفع المتضررين إلى المقاومة أو الانسحاب أو الهجرة أو الانخراط في اقتصاد موازٍ.
ولهذا قرن القرآن بين إقامة الوزن بالقسط والنهي عن الإخسار: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾. فالميزان هنا يتجاوز المعاملة الفردية إلى مبدأ حاكم للعلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

ما بعد الحرب: خطر إعادة إنتاج الاقتصاد القديم

تحتاج مرحلة إعادة الإعمار إلى موارد ضخمة، وقد تدفع الحاجة العاجلة الدولة إلى التوسع في بيع الموارد، أو عقد اتفاقيات غير متوازنة، أو تقديم امتيازات طويلة الأجل لمستثمرين وشركات مقابل تمويل سريع.
وهنا ينبغي الحذر؛ لأن ما يُقدَّم بوصفه تمويلًا للإعمار قد يتحول إلى وسيلة لرهن الموارد المستقبلية، أو إعادة تشكيل الاقتصاد السوداني بما يخدم مصالح خارجية وشبكات داخلية محدودة. وقد نخرج من الحرب مثقلين بالديون والعقود والامتيازات، فنرمم بعض المباني، لكننا نفقد القدرة على إدارة مواردنا لسنوات طويلة.
كما أن إعادة الإعمار إذا ركزت على المدن ومراكز السلطة، وأهملت مناطق الإنتاج والأرياف والأقاليم التي عانت التهميش، فإنها ستعيد بناء الاختلالات نفسها التي سبقت الحرب. ولن يكون ذلك إعمارًا حقيقيًا، بل ترميمًا للبنية القديمة التي أنتجت الأزمة.
لذلك ينبغي أن تكون إعادة الإعمار فرصة لبناء اقتصاد جديد أكثر عدلًا وإنتاجًا وتوازنًا بين الأقاليم، لا مجرد محاولة لإعادة الاقتصاد السابق إلى ما كان عليه. فليس كل ما كان قائمًا قبل الحرب صالحًا للاستعادة.

من خريطة الموارد إلى خريطة العمران

لقد عرف السودانيون طويلًا خريطة موارد بلادهم: أين يوجد الذهب، وأين تمتد الأراضي الزراعية، وأين تتركز الثروة الحيوانية، وأين تمر الأنهار. لكن المطلوب اليوم هو الانتقال من خريطة الموارد إلى خريطة العمران.
وخريطة العمران لا تسأل فقط: ماذا يوجد في هذه المنطقة؟ بل تسأل: كيف يعيش أهلها؟ ما نصيبهم من التعليم والصحة والمياه والطرق؟ ما حجم مشاركتهم في إدارة مواردهم؟ وما الأثر البيئي والاجتماعي للاستخراج والإنتاج؟ وكيف ترتبط المنطقة بسلاسل القيمة الوطنية؟
إن نجاح الدولة لا يُقاس بعدد الأطنان المستخرجة من الذهب، وإنما بمقدار ما تحول منها إلى مدرسة جيدة، ومستشفى عامل، وطريق صالح، وفرصة عمل، ومياه مأمونة، وبحث علمي، وقدرة إنتاجية مستدامة.
كما لا يقاس نجاح الزراعة بمساحة الأرض المزروعة وحدها، بل بما تحققه من أمن غذائي، ودخل عادل للمنتجين، وتصنيع محلي، واستقرار للمجتمعات الريفية، وحماية للتربة والمياه.

نحو عقد استخلافي لإدارة الموارد

إن العقد الاجتماعي الجديد الذي تحدثت عنه د. ست البنات حسن لن يكتمل دون عقد استخلافي لإدارة الموارد. وهذا العقد ينبغي أن يجيب بوضوح عن أسئلة الملكية والإدارة والتوزيع والمساءلة وحقوق الأجيال المقبلة.

ويقوم هذا العقد على جملة من المبادئ:

أولها: أن الموارد الوطنية أمانة عامة، وليست غنيمة للسلطة أو الجماعة التي تسيطر عليها.
وثانيها: أن للمجتمعات المحلية حقًا معلومًا وعادلًا في عائدات الموارد الموجودة في مناطقها، مع بقاء نصيب منها للمصلحة الوطنية العامة.
وثالثها: أن المعلومات المتعلقة بالإنتاج والعقود والعائدات ليست أسرارًا تخص السلطة، بل حق للمجتمع.
ورابعها: أن استخراج الموارد يجب ألا يتم على حساب الإنسان والبيئة وحقوق الأجيال القادمة.
وخامسها: أن الأولوية ينبغي أن تكون لتحويل الموارد إلى قدرات إنتاجية ومعرفية مستدامة، لا استهلاك عائداتها في الإنفاق الجاري.
وسادسها: أن إدارة الموارد ينبغي أن تخضع لمؤسسات مستقلة ورقابة قانونية ومجتمعية، لا للأشخاص ومراكز القوة العابرة.
فإذا لم تدخل هذه المبادئ في صميم بناء الدولة بعد الحرب، فقد تتغير الحكومات، بينما تبقى العلاقة المختلة بين السلطة والثروة كما هي.

وقصارى القول إن مقولة «السودان غني بموارده» صحيحة من حيث الإمكان، لكنها مضللة إذا قُدمت بوصفها ضمانة تلقائية للنهضة. فالموارد لا تعمر الوطن وحدها، ولا تستخرج من باطن الأرض معها المدارس والمستشفيات والعدالة والمؤسسات.
إن الذي يعمر الوطن هو الإنسان المستخلف حين يتحرك داخل نظام من الهداية والعلم والعمل والعدل والمؤسسات الرشيدة. أما الموارد فهي إمكانات مسخرة، قد تصبح نعمة إذا أُحسن توظيفها، وقد تتحول إلى نقمة إذا خضعت للظلم والفساد والصراع.
ومشكلة السودان لم تكن أنه بلد فقير ينتظر اكتشاف ثرواته، بل إنه ظل طويلًا بلدًا غنيًا بالإمكانات وفقيرًا في تحويلها إلى عمران. ولذلك فإن معركة ما بعد الحرب ليست معركة البحث عن مورد جديد، وإنما معركة بناء الإنسان والمؤسسة والقيمة والقاعدة العادلة التي تدير الموارد.
فإذا أعدنا تشغيل المناجم، ووسعنا الزراعة، ورفعنا الصادرات، وأبقينا بنية الفساد والتهميش وضعف المؤسسات، فلن نكون قد أعدنا إعمار السودان، بل أعدنا تمويل أزماته القديمة.
أما إذا ربطنا الموارد بوظيفة الاستخلاف، والإنتاج بالعدل، والثروة بالمسؤولية، والدولة بالأمانة، وأقمنا علاقة جديدة بين الإنسان والأرض والسلطة؛ فحينئذ فقط يتحول غنى السودان من مقولة نرددها إلى عمران يراه الناس في حياتهم.
فالوطن لا يعمر بكثرة ما يختزن في أرضه، وإنما بحسن ما يقيمه فوقها من إنسان وقيم وعلم وعدل ومؤسسات.

Comments (0)
Add Comment