تشير البيانات الأولية لـ “منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية” أو “الأونكتاد” (UNCTAD) للنصف الأول من عام 2025 إلى انخفاض إضافي بنسبة 3% في الاستثمار الأجنبي المباشر العالمي بعد عامين متتاليين من التراجع، كما واصلت إعلانات المشروعات الجديدة مسارها الهبوطي. في الوقت نفسه، يزداد حذر المستثمرين مع تصاعد الرسوم الجمركية واستمرار التوترات الجيوسياسية، مما أدى إلى تعميق حالة الترقب والانتظار عبر العديد من القطاعات، فيما ظلت عمليات الاندماج والاستحواذ العابرة للحدود ضعيفة، مع تراجع قيم الصفقات بنسبة 23% في النصف الأول من عام 2025، رغم أن المؤشرات المبكرة تُظهر نشاطًا متزايدًا خلال الربع الثالث من عام 2025.
هذا، وقد تعرضت قطاعات البنية التحتية والصناعة لضغوط كبيرة؛ إذ انخفضت قيمة صفقات تمويل المشروعات الدولية -التي تتركز بشكل رئيس في قطاعات البنية التحتية- بنسبة 8%، كما تراجعت إعلانات مشروعات الاستثمار الجديدة، ومعظمها في القطاعات الصناعية، بنسبة 17% من حيث العدد، وقد تأثرت قطاعات التصنيع المعتمدة على سلاسل التوريد بشكل خاص بهذا التراجع.
ومع ذلك، برزت تطورات إيجابية في الاستثمار في قطاعات الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ فعلى الرغم من انخفاض عدد المشروعات الاستثمارية، ارتفعت القيمة الإجمالية لإعلانات المشروعات الجديدة بنسبة 7%. كما شهدت القيم المعلنة للمشروعات الجديدة في النصف الأول من عام 2025 ارتفاعًا ملحوظًا بفضل استمرار نمو الاستثمارات والمشروعات الكبرى في الاقتصاد الرقمي والقطاعات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي.
وبالنسبة لآفاق الاستثمار الأجنبي المباشر العالمي في عام 2026، تشير نتائج الاستطلاع الذي أجرته مؤسسة “إف دي آي إنتليجنس” (FDI Intelligence) إلى أن الاستثمار الأجنبي المباشر العالمي سيتحرك في بيئة تتسم بالحذر خلال العام القادم، ورغم استمرار التقلبات الاقتصادية والمالية والجيوسياسية، فإن قدرة القطاعين العام والخاص على التكيف ساعدت على استمرار تدفقات الاستثمار عبر الحدود. ويُنظر إلى عام 2026 بوصفه عامًا انتقاليًا، تعيد فيه الشركات والدول تموضعها ضمن خريطة جديدة للاقتصاد العالمي؛ حيث إن تراجع العولمة لا يُعدّ صدمة بقدر ما يعكس تحولًا في أنماطها ومساراتها.
هذا، وتتمثل أبرز المخاطر التي تواجه الاستثمار الأجنبي المباشر في عام 2026 في الاضطرابات الجيوسياسية، التي تُعد الخطر الأكبر في ظل تصاعد التوترات الدولية وإعادة الاصطفاف بين الدول. كما تشكل التحولات الاقتصادية والمالية العالمية خطرًا رئيسًا، لا سيما في ظل حالة عدم اليقين المرتبطة بالسياسات التجارية، والرسوم الجمركية، والتقلبات في الأسواق المالية، إضافة إلى المخاوف المرتبطة بفقاعات الأصول في بعض القطاعات التكنولوجية، والتي قد تؤدي إلى تباطؤ تنفيذ بعض المشروعات الاستثمارية رغم الإعلان عنها.
في المقابل، من المتوقع أن تشهد مصادر الاستثمار الأجنبي المباشر تحولًا ملحوظًا؛ حيث يُتوقع تزايد دور اقتصادات آسيا والمحيط الهادئ، إلى جانب اقتصادات الخليج، كمصادر رئيسة لرأس المال العالمي. كما يُرجح أن يتحول مركز الثقل في التجارة والاستثمار العالميين نحو الاقتصادات الصاعدة في الجنوب العالمي، مع بروز مدن ومراكز اقتصادية جديدة تنافس المراكز التقليدية في الغرب.
أما على صعيد القطاعات، فمن المتوقع أن تحظى الصناعات الاستراتيجية باهتمام متزايد من قبل المستثمرين؛ لا سيما أشباه الموصلات، والبنية التحتية الرقمية مثل مراكز البيانات والاتصالات، إضافةً إلى قطاعات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني. كما ستبرز المعادن الحرجة، مثل الليثيوم والعناصر الأرضية النادرة، كمحرك أساسي لتدفقات الاستثمار، في ظل السعي لتعزيز أمن سلاسل الإمداد والطاقة. كذلك يُتوقع أن يشهد قطاعا الدفاع والطيران انتعاشًا ملحوظًا، مدفوعان بالاعتبارات الجيوسياسية والأمنية.
|