يشهد الاقتصاد العالمي مرحلة انتقالية تتداخل فيها موجات التعافي مع ضغوط متشابكة ناتجة عن التحولات النقدية والمالية، والتغير في خرائط التجارة، وتطورات التكنولوجيا التي تعيد تشكيل أسواق العمل والإنتاج. وتُظهر الاقتصادات الكبرى مزيجًا من التحديات والفرص، حيث تتقدم بعض الدول بخطى ثابتة في مسارات الاستثمار والابتكار، بينما تواجه أخرى تباطؤًا واضحًا بفعل ارتفاع تكلفة التمويل وتوترات سلاسل الإمداد؛ وفي خضم هذا المشهد المتقلب، يكتسب عام 2025 أهمية خاصة بوصفه عامًا تتضح خلاله قدرة الأسواق على التكيف واستعادة الزخم، ليأتي عام 2026 كمحطة لاختبار مدى استمرارية هذا التعافي وإمكانية تحوله إلى دورة نمو أكثر استقرارًا على المدى المتوسط.
واتصالًا بما تقدم، يأتي عددنا لهذا الأسبوع، ليقدم نظرة عامة على أداء الاقتصاد العالمي خلال عام 2025 وتوقعات عام 2026، مع تسليط الضوء على بعض الموضوعات المختارة في مجالات السياسة النقدية والتضخم والتجارة والسياحة وسوق العمل العالمية، وذلك من خلال استعراض الجوانب الآتية:
القسم الأول: آفاق النمو الاقتصادي العالمي وأداء الاقتصادات الكبرى.
القسم الثاني: اتجاهات السياسات النقدية للبنوك المركزية العالمية.
القسم الثالث: تطور معدلات التضخم عالميًّا.
القسم الرابع: توجهات الاستثمار الأجنبي المباشر العالمي.
شهد الاقتصاد العالمي خلال عام 2025 مسارًا متقلبًا بين موجات تفاؤل وتراجع في التقديرات، حيث تغيّرت توقعات النمو عدة مرات بفعل تصاعد التوترات التجارية وارتفاع مستويات عدم اليقين، قبل أن تُظهر أغلب الاقتصادات قدرة واضحة على الصمود وعودة النشاط إلى الاستقرار النسبي بنهاية العام. ومع تحسن المعنويات وتراجع المخاوف من تباطؤ حاد، بدأت التوقعات تنظر إلى عام 2026 باعتباره امتدادًا لهذه المرونة التي أبدتها الأسواق، مع ترقب استمرار التعافي التدريجي مدعومًا بقدرة الدول على التكيف مع الصدمات ومرونة التجارة العالمية وتراجع ضغوط الطاقة. ويمثل هذا التحول في المشهد الاقتصادي العالمي انتقالًا من عام شهد اضطرابًا في التقديرات وتأرجحًا في الرؤى، إلى عام تُختبر فيه إمكانية استمرار هذا الزخم وتحويله إلى نمو أكثر استقرارًا، بما يجعل عام 2026 محطة مهمة لتقييم قوة التعافي ومدى متانته.
أولًا: رؤية المؤسسات الدولية لأداء النمو الاقتصادي العالمي خلال الفترة (2024-2025)
تتباين المؤسسات الدولية في تقديراتها وتوقعاتها حول أداء الاقتصاد العالمي خلال الفترة (2024–2026)، حيث يعكس هذا الاختلاف تعدد الرؤى بشأن قدرة الاقتصاد العالمي على الحفاظ على وتيرة نمو مستقرة في ظل التحديات القائمة. فبعض التقديرات تميل إلى التفاؤل استنادًا إلى توقعات تعافٍ تدريجي وتحسن في بيئة الاستثمار والتجارة، بينما تتجه تقديرات أخرى إلى قدرٍ أكبر من الحذر نتيجة عدم اليقين المرتبط بتقلبات الأسواق وارتفاع مستويات المخاطر العالمية. ويعبر هذا التباين عن طبيعة المرحلة الاقتصادية التي تتسم بتغيرات متسارعة في السياسات المالية والنقدية، إلى جانب تأثيرات التحولات الجيوسياسية وتقلب الطلب العالمي. ومن ثمَّ تتشكل صورة مستقبل الاقتصاد العالمي وفق قراءات متعددة لا تتقاطع بالضرورة، لكنها تجتمع في التأكيد على استمرار حالة عدم اليقين، وضرورة متابعة المتغيرات بحساسية ودقة. وهذا يتضح من الشكل التالي:
الشكل (1): تقديرات وتوقعات المؤسسات الدولية حول أداء الاقتصاد العالمي خلال الفترة (2024-2026) (%)
المصدر: البيانات الصادرة عن كل مؤسسة دولية
وفقًا للشكل أعلاه، خفضت وكالة فيتش توقعاتها لنمو الاقتصاد العالمي خلال عامي 2025 و2026، حيث تظهر تقديراتها تأثر وتيرة النمو مقارنة بعام 2024. فمن المتوقع أن يبلغ معدل النمو العالمي نحو 2.5% في عام 2025، ويتراجع إلى ما يقارب 2.4% في عام 2026، بعد أن سجل نحو 2.9% خلال عام 2024، بما يعكس انتقال الاقتصاد العالمي من مستوى نمو أعلى إلى مسار أكثر بطئًا خلال الفترة المقبلة. ويرتبط هذا التراجع بعوامل أساسية، أبرزها تباطؤ الاستثمار الثابت في الصين واستمرار تأثير الرسوم الجمركية المرتفعة، رغم الدور الداعم الذي يوفره الإنفاق القوي على التكنولوجيا ونشاط أسواق الأسهم في الحد من حدة الضغوط على النمو.
بينما قدّرت وكالة ستاندرد آند بورز نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي في عام 2024 بنحو 3.3%، تشير التوقعات إلى أن النمو الاقتصادي العالمي سيبقى) قريبًا من مستوى 3.2% خلال عامي 2025 و2026، وهو مستوى يعكس قدرًا ملحوظًا من الصمود رغم التقلبات التجارية والمالية. ويُعزى هذا الأداء إلى ثلاثة عوامل رئيسة:
1- انحسار مخاطر التعريفات الجمركية عقب خفض الولايات المتحدة للرسوم واستقرار حالة عدم اليقين بعد اتفاق التهدئة مع الصين، بما أسهم في تقليل الاضطرابات عبر سلاسل الإمداد.
2- تنامي العوامل الداعمة للنشاط الاقتصادي؛ نتيجة الطفرة الاستثمارية الكبرى في مراكز البيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، والتي أصبحت تشكّل محركًا رئيسيًا للطلب العالمي، وذلك بالتوازي مع تحسّن الأوضاع المالية نتيجة انخفاض العوائد، وتراجع فروق المخاطر، وارتفاع أسعار الأصول.
3- انخفاض أسعار النفط بفعل زيادة الإمدادات وتراجع الطلب الصيني، الأمر الذي رفع الدخل الحقيقي، وخفّف الضغوط التضخمية، وساعد على تعزيز إنفاق الأسر عالميًّا.
وتُظهر مؤشرات انخفاض التضخم واستمرار استقرار أسواق العمل أن الاقتصاد العالمي يتحرك ضمن نمط نمو معتدل لكنه مستقر، ما دفع وكالة ستاندرد آند بورز إلى رفع تقديراتها بصورة طفيفة، رغم استمرار بعض المخاطر المرتبطة بضيق قاعدة النمو وارتفاع التقييمات في الأسواق المالية.
بينما تتوقع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تراجع النمو الاقتصادي العالمي خلال الفترة 2024-2026، حيث قدّرت أن يبلغ معدل النمو نحو 3.3% في عام 2024، ليهبط إلى 3.2% في عام 2025 ثم إلى 2.9% في عام 2026. ويُعزى هذا المسار التنازلي إلى ضعف النشاط الاقتصادي على المدى القريب مع بدء انتقال أثر ارتفاع الرسوم الجمركية الفعّالة تدريجيًا إلى الاقتصاد العالمي، بما يفرض ضغوطًا على الاستثمار والتجارة في ظل استمرار حالة عدم اليقين. ومع ذلك، تشير التوقعات إلى إمكانية تحسن النمو مجددًا في نهاية عام 2026 مع تلاشي أثر التعريفات، وتحسن الأوضاع المالية، وانخفاض معدلات التضخم بما يعزز الطلب، مع استمرار اقتصادات آسيا الصاعدة في لعب دور المساهم الرئيس في النمو العالمي.
أما بالنسبة لمنظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، فقد توقعت المنظمة تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي من 2.9% في عام 2024 إلى 2.6% في عامي 2025 و2026، نتيجة انحسار الدوافع المؤقتة التي رفعت النشاط في مطلع عام 2025، إذ تلاشت الآثار الاستثنائية لاندفاع الشركات لتسريع الشحنات قبل دخول الرسوم الأمريكية الجديدة حيز التنفيذ، إلى جانب انحسار الأثر القصير الأجل لاستثمارات الذكاء الاصطناعي. ومع إزالة هذه العوامل العابرة، يتباطأ نمو التجارة من 4% إلى ما بين 2.5% و3%، بما يعكس ضعف الطلب العالمي. كما يسهم تباطؤ الاقتصادات الكبرى، ولا سيما الولايات المتحدة والصين، في تراجع الزخم الاقتصادي العالمي مقارنة بفترات ما قبل الجائحة. ويزداد هذا الاتجاه حدة بفعل تَعاظُم حساسية التجارة للتقلبات المالية، إذ يعتمد أكثر من 90% من التجارة العالمية على التمويل التجاري، ما يجعل النشاط التجاري أكثر عرضة لارتفاع أسعار الفائدة، وتغيرات أسعار الصرف، وتحولات شهية الاستثمار. ويمثل هذا الارتباط المتزايد بين التجارة والمالية مصدر ضغط إضافي على الاستثمار والقدرة الإنتاجية، وخاصة في الاقتصادات النامية ذات تكاليف الاقتراض المرتفعة، وهو ما يرسخ مسار التباطؤ المتوقع للنمو العالمي خلال عامي التوقع.
ووفقًا للبنك الدولي، يُسجَّل تراجع واضح في توقعات النمو الاقتصادي العالمي لعامي 2025 و2026، حيث يُتوقع أن ينخفض النمو من 2.8% في عام 2024 إلى 2.3% في عام 2025، وهو التراجع الأكبر ضمن فترة التوقع، قبل أن يشهد الاقتصاد العالمي تعافيًا طفيفًا إلى نحو 2.4% في عام 2026. ويعود هذا المسار الهابط إلى الارتفاع الحاد في الحواجز التجارية والتصاعد الواضح في الرسوم الجمركية، فضلًا عن بيئة عدم اليقين العالمي المرتفعة التي أضعفت التجارة والاستثمار، وأربكت آفاق التعافي. كما أدى هذا المزيج من العوامل إلى إضعاف الطلب العالمي، خصوصًا مع تزايد ارتباط التجارة بالظروف المالية العالمية. وإلى جانب ذلك، ساهمت التقلبات في السياسات التجارية، وتراجع ثقة الشركات والمستهلكين، وضيق الحيز المالي في العديد من الاقتصادات -لا سيما النامية- في ترسيخ مسار التباطؤ. ومع استمرار القيود التجارية والمخاطر الجيوسياسية وارتفاع أسعار الفائدة، من المتوقع أن يقتصر تعافي عام 2026 على مستوى ضعيف يظل دونه الناتج العالمي دون اتجاهاته السابقة، بما يعكس استمرار الضغوط التي تُكبّل النمو على المدى المتوسط.
أخيرًا، ووفقًا لمورجان ستانلي، فقد تراجعت توقعات النمو الاقتصادي العالمي من 3.3% عام 2024 إلى 3% عام 2025 ثم ارتفع إلى 3.2% عام 2026، ويرجع ذلك إلى مجموعة من العوامل التي تحدّ من ديناميكية الطلب والاستثمار، وعلى رأسها الاعتدال المتوقع في أداء الاقتصاد الأمريكي—المحرك الأكبر للنمو العالمي—مع تباطؤ سوق العمل وتراجع وتيرة الإنفاق الاستهلاكي تدريجيًا رغم قوته الحالية، إلى جانب تباطؤ الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي بعد موجة الارتفاع الاستثنائي الأخيرة. كما تظل حالة عدم اليقين المرتفعة المرتبطة بالسياسة النقدية والتعريفات الجمركية والقيود على الهجرة عاملًا ضاغطًا على قرارات الشركات والمستثمرين، ما يرفع احتمالات تباطؤ النمو العالمي إذا تأثر الاقتصاد الأمريكي أكثر من المتوقع.
وفي المجمل، تشير تقديرات مختلف المؤسسات الدولية إلى وجود قدر كبير من التوافق حول الاتجاه العام للنمو الاقتصادي العالمي، حيث تتفق جميعها على أن عام 2024 يشهد تباطؤًا نسبيًا مقابل تحسن تدريجي في 2025 و2026، وهو ما يعكس رؤية مشتركة بأن الضغوط التضخمية وقيود السياسات النقدية بدأت تتراجع، وأن النشاط الاقتصادي يتجه نحو التعافي. كما يظهر التقارب الواضح في توقعات 2026، إذ تدور معظم التقديرات بين 3.2% و3.3%، ما يشير إلى شبه إجماع حول استقرار النمو العالمي على المدى القصير.
هذا، ويتضح من مراجعة تقديرات المؤسسات الدولية أن معدل النمو الاقتصادي العالمي خلال عام 2024 قد جاء ضمن نطاق تراوح بين 2.8% و3.3%؛ حيث اتفقت كل من ستاندرد آند بورز ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومورجان ستانلي على تقدير النمو بنحو 3.3%، بينما قدّرت كل من وكالة فيتش والأونكتاد النمو العالمي عند مستوى يقارب 2.9%، في حين سجّل البنك الدولي التقدير الأكثر تحفظًا عند 2.8%. أما في عام 2025، فقد تراوحت التوقعات بين 2.3% و3.2%؛ إذ توقع البنك الدولي تراجع النمو إلى نحو 2.3%، واقتربت منه وكالة فيتش بتقدير بلغ 2.5%، بينما قدّر الأونكتاد النمو عند 2.6%، في حين اتفقت كل من منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وستاندرد آند بورز على توقع يبلغ 3.2%. وبالنسبة لتوقعات عام 2026، فقد جاء نطاق النمو المتوقع بين 2.4% و3.2%؛ حيث اتفقت وكالة فيتش والبنك الدولي عند مستوى 2.4%، بينما رجّحت كل من مورجان ستانلي وستاندرد آند بورز نموًا بنحو 3.2%، وجاءت تقديرات الأونكتاد ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عند 2.6% و2.9% على التوالي.
وفي الختام، تُظهر المقارنة أن البنك الدولي قد تبنّى الرؤية الأكثر تشاؤمًا عبر السنوات الثلاث، محافظًا على أدنى التقديرات لمعدل النمو العالمي. وفي المقابل، برزت ستاندرد آند بورز بوصفها الجهة الأكثر تفاؤلًا، مع تسجيلها أعلى التوقعات بشكل متكرر. وبين هذين الطرفين، جاءت تقديرات الأونكتاد في موقع الحياد، محافظة على مستويات وسطية لا تميل إلى المبالغة في التفاؤل أو التشاؤم.
ثانيًا: أداء الاقتصادات الكبرى خلال الفترة (2024-2026)
يتناول هذا الجزء آفاق النمو في الاقتصادات الكبرى خلال الفترة (2024–2026)، مع التركيز على (الولايات المتحدة الأمريكية، والصين، ومنطقة اليورو)، في ضوء تقديرات المؤسسات الدولية، بما يبرز مسارات التباطؤ أو الاستقرار النسبي، واختلاف محركات النمو، وتأثير السياسات الاقتصادية والظروف العالمية على أداء هذه الاقتصادات المحورية.
1- الولايات المتحدة الأمريكية
يتجه النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة الأمريكية نحو مسار أكثر تباطؤًا بعد فترة من التوسع، نتيجة تراكم عدة عوامل تضغط على النشاط الاقتصادي. فقد أدّت حالة عدم اليقين المرتبطة بالتعريفات الجمركية والسياسات التجارية المتقلبة إلى إضعاف ثقة الشركات وكبح الاستثمار، بينما أسهمت القيود المفروضة على الهجرة وارتفاع التكاليف في زيادة الضغوط على سوق العمل والتضخم. ومع تراجع زخم الطلب المحلي وتشدد السياسة النقدية، يتحرك الاقتصاد الأمريكي تدريجيًا نحو مرحلة نمو أبطأ وأكثر حذرًا، تعكس انتقاله من موجة توسّع استثنائية إلى مسار أكثر استقرارًا واتزانًا.
وهذا يتضح من تقديرات وتوقعات المؤسسات الدولية لنمو الولايات المتحدة الأمريكية كما يتبين من الشكل أدناه.
الشكل (2): تقديرات وتوقعات المؤسسات الدولية لنمو الولايات المتحدة الأمريكية خلال الفترة (2024-2026)
المصدر: البيانات الصادرة عن كل مؤسسة دولية
وفقًا للشكل أعلاه، فقد تشير توقعات بنك بي إن بي باريبا (BNP Paribas) إلى تراجع واضح في وتيرة نمو اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية مقارنة بعام 2024 الذي بلغ فيه النمو نحو 2.8%، إذ يُقدَّر أن يستقر معدل النمو عند قرابة 1.9% في عامي 2025 و2026، بما يعكس عودة النشاط الاقتصادي إلى مستواه المحتمل على المدى المتوسط. ورغم هذا الاستقرار النسبي، يتسم مسار النمو بعدم توازن هيكلي، مدفوعًا باستثمارات مركزة في مجالات الذكاء الاصطناعي وبالاستهلاك المرتبط بأثر الثروة لدى الشرائح الأعلى دخلًا، في مقابل تباطؤ أوسع في الديناميكيات الاقتصادية الكلية. وفي هذا السياق، يُتوقع أن يرتفع التضخم ليبلغ ذروته عند نحو 3.3% في منتصف عام 2026 بفعل تأثير الرسوم الجمركية، مع بقائه فوق المستوى المستهدف حتى نهاية عام 2027، بالتوازي مع تباطؤ سوق العمل على جانبي العرض والطلب. وقد أسهمت إعادة توازن المخاطر المرتبطة بالتفويض المزدوج للاحتياطي الفيدرالي، مع تعزيز التركيز على التوظيف، في إطلاق دورة خفض لأسعار الفائدة، شملت ثلاثة تخفيضات خلال عام 2025، مع ترجيح تنفيذ خفض إضافي في مارس 2026 ليصل سعر الفائدة النهائي إلى نطاق 3.25%–3.50%.
بينما وفقًا لوكالة ستاندرد آند بورز، فقد يعكس تراجع نمو الاقتصاد الأمريكي من 2.8% في عام 2024 إلى نحو 2% في عامي 2025 و2026 انتقال الدورة الاقتصادية من مرحلة التوسع إلى وتيرة أقرب إلى النمو المحتمل؛ حيث يتجه نمو الإنفاق الاستهلاكي الحقيقي إلى أدنى مستوياته الدورية نتيجة تباطؤ الدخل الحقيقي واستمرار ضغوط التضخم، في حين تظل سوق العمل في نمط توظيف وتسريح محدودين ما يقلّص زخم الطلب الكلي، كما أن بقاء تضخم أسعار المستهلكين قريبًا من 3% خلال النصف الأول من العام المقبل يحدّ من القوة الشرائية قبل أن يتراجع تدريجيًا نحو 2%، وبالتوازي تستمر السياسة النقدية في مسار تيسير حذر عبر خفض تدريجي لأسعار الفائدة ما يعني أن الأوضاع المالية لا تزال مقيدة نسبيًا مقارنة بعام 2024؛ حيث يقتصر الدعم الرئيس للنمو على الاستثمارات المرتبطة بالبنية التحتية المادية والبرمجية للذكاء الاصطناعي التي ترفع الاستثمار، لكنها لا تعوّض بالكامل تباطؤ الاستهلاك، وهو ما يفسر استقرار النمو عند مستوى أدنى وأكثر اعتدالًا خلال عامي 2025 و2026.
وأخيرًا، أوضح مورجان ستانلي أن الاقتصاد الأمريكي يشهد حالة تذبذب خلال الفترة (2024-2026)، فقد بلغ النمو الاقتصادي نحو 2.8% في عام 2024 ثم تراجع ليصل إلى 1.5% خلال عام 2025، ومن المتوقع أن يشهد تباطؤًا ملحوظًا خلال الربعين الأولين من عام 2026، يعقبه تحسن تدريجي وتسارع في النصف الثاني من العام نفسه؛ مدفوعًا بزخم إنفاق المستهلكين والشركات، إلى جانب تيسير السياسات النقدية والمالية، ليحقق نموًا حقيقيًا في الناتج المحلي الإجمالي يبلغ 1.8% في عام 2026. كما تتعزز آفاق النمو المحتمل مع توسع تبنّي تطبيقات الذكاء الاصطناعي وما يصاحبه من زيادات في الإنتاجية.
يدخل الاقتصاد الصيني مرحلة من التباطؤ النسبي في وتيرة النمو، في انعكاس لتحولات أعمق في هيكل الاقتصاد ومسار الطلب الكلي. ويعود هذا الأداء الأضعف إلى تراجع الزخم في الطلب المحلي، واستمرار الضغوط في قطاع العقارات، إلى جانب تباطؤ الصادرات تحت تأثير ضعف الطلب العالمي وتصاعد القيود التجارية والتكنولوجية التي تفرضها الولايات المتحدة الأمريكية. وفي ظل ارتفاع مستويات المديونية والتحولات الديموغرافية، تتقلص قدرة محركات النمو التقليدية على الدفع بالاقتصاد، ما يرسم إطارًا عامًا لنمو أبطأ وأكثر تحفظًا، حتى مع الأثر المحدود للتفاهمات التجارية المؤقتة وتخفيف بعض الرسوم الجمركية.
وهذا يتضح من تقديرات وتوقعات المؤسسات الدولية لنمو الصين كما يتبين من الشكل أدناه.
الشكل (3): تقديرات وتوقعات المؤسسات الدولية لنمو الصين خلال الفترة (2024-2026)
المصدر: البيانات الصادرة عن كل مؤسسة دولية
وفقًا للشكل أعلاه، تشير تقديرات بنك بي إن بي باريبا (BNP Paribas) إلى أن النمو الاقتصادي في الصين استقر عند نحو 5% في كل من عامي 2024 و2025، مدعومًا بمزيج من السياسات التيسيرية، لكنه ظل مقيدًا بضعف الطلب المحلي واستمرار الضغوط في قطاع العقارات وتراجع ثقة القطاع الخاص. وفي المقابل، أسهم الأداء القوي نسبيًا للصادرات في دعم النشاط الصناعي، رغم تصاعد القيود التجارية. ومع ذلك، يُتوقع أن يتراجع النمو إلى نحو 4.7% في عام 2026، في ظل فقدان الصادرات جزءًا من زخمها واستمرار الضغوط الانكماشية، ما يعكس انتقال الاقتصاد الصيني إلى مسار نمو أبطأ وأكثر حذرًا.
وبحسب وكالة ستاندرد آند بورز، فقد تشير تقديرات النمو الاقتصادي في الصين إلى مسار تباطؤ تدريجي خلال أفق التوقعات، إذ سجل الاقتصاد نموًا بنحو 5% في عام 2024، قبل أن يتراجع إلى قرابة 4.8% في عام 2025، مع استمرار الضغوط على الطلب المحلي وضعف تعافي الاستهلاك الخاص في ظل أزمة قطاع العقارات وتراجع ثقة القطاع الخاص. وعلى الرغم من أن تخفيف حدة التوترات التجارية مع الولايات المتحدة الأمريكية أسهم في دعم الصادرات مؤقتًا، فإن تصاعد النزعة الحمائية وتباطؤ الطلب العالمي يحدان من استدامة هذا الدعم، ما يدفع التوقعات إلى ترجيح تراجع معدل النمو إلى نحو 4.4% في عام 2026، في سياق انتقال الاقتصاد الصيني إلى وتيرة نمو أبطأ تعكس تحديات بنيوية أعمق.
يشهد النمو الاقتصادي في منطقة اليورو تحسّنًا تدريجيًا مدعومًا بانحسار الضغوط التضخمية، واستقرار الأوضاع المالية، وتراجع حالة عدم اليقين التجاري عالميًا؛ إذ يُتوقَّع أن يحافظ الاقتصاد على وتيرة نمو معتدلة خلال عام 2026، مع دور متزايد للسياسات المالية، ولا سيما في ألمانيا، إلى جانب استفادة المنطقة من الزخم العالمي في الاستثمارات الرقمية والذكاء الاصطناعي، في ظل محدودية مجال التيسير النقدي.
وهذا يتضح من تقديرات وتوقعات المؤسسات الدولية لنمو منطقة اليورو كما يتبين من الشكل أدناه.
الشكل (4): تقديرات وتوقعات المؤسسات الدولية لنمو منطقة اليورو خلال الفترة (2024-2026)
المصدر: البيانات الصادرة عن كل مؤسسة دولية
ووفقًا لبنك بي إن بي باريبا (BNP Paribas) تشير التقديرات إلى أن اقتصاد منطقة اليورو حافظ على قدرٍ ملحوظ من الصمود خلال عام 2025 محققًا نموًا بنحو 1.5%، مع توقّعات بتسارع معتدل في وتيرة النمو خلال عام 2026 ليصل إلى 1.6%، مدفوعًا بنمو فصلي مستقر يُقدَّر بنحو 0.5% على مدار العام. ويستند هذا السيناريو إلى التوسّع المالي المرتقب في ألمانيا، والزيادة المخططة في الإنفاق العسكري الأوروبي، إلى جانب متانة أسواق العمل. وفي المقابل، تظل التوقعات محاطة بدرجة من عدم اليقين في ظل هشاشة اتفاق التجارة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، وتصاعد التوترات مع الصين. وعلى صعيد الأسعار، يُرجَّح بقاء التضخم دون مستهدف 2% خلال عام 2026، قبل أن يشهد تصاعدًا ليصل إلى 2.1% في عام 2027 مع تحسّن النشاط الاقتصادي، ما قد يدفع البنك المركزي الأوروبي إلى رفع أسعار الفائدة خلال النصف الثاني من عام 2027 وصولًا بسعر فائدة الإيداع إلى 2.5%.
وبالنسبة لوكالة ستاندرد آند بورز، تُظهر التقديرات أن النمو الاقتصادي في منطقة اليورو مرّ بمسار تعافٍ تدريجي خلال الأعوام الأخيرة؛ إذ بلغ نحو 0.9% في عام 2024 في ظل بيئة عالمية اتسمت بارتفاع عدم اليقين وتشديد الأوضاع المالية، قبل أن يتسارع إلى 1.3% في عام 2025 مدعومًا بانحسار الضغوط التضخمية، واستقرار أسواق العمل، وتحسّن الظروف المالية، ويُتوقَّع أن يستقر النمو عند نحو 1.2% في عام 2026، بما يعكس انتقال اقتصاد المنطقة إلى نمط نمو معتدل ومستدام، يستند إلى تراجع المخاطر التجارية نسبيًا، واستفادة محدودة من الزخم العالمي في الاستثمارات التكنولوجية، مقابل استمرار القيود الهيكلية وضعف الزخم الخارجي.
وفي الختام، تُظهر التقديرات مجتمعة أن الاقتصادات الكبرى تتجه نحو مرحلة نمو أكثر اعتدالًا مقارنة بالسنوات السابقة، مع تباين واضح في مصادر الدعم والمخاطر؛ إذ يقود التحول الهيكلي والسياسات المالية والتكنولوجية مسار النمو، في مقابل استمرار التحديات المرتبطة بالتجارة العالمية، والتضخم، والاختلالات البنيوية، ما يعكس بيئة اقتصادية عالمية أقل زخمًا وأكثر حذرًا.
مع بدء انحسار الضغوط التضخمية في عدد كبير من الاقتصادات المتقدمة والنامية خلال عام 2025، عملت البنوك المركزية العالمية على مواصلة دورة تيسير السياسات النقدية التي بدأتها منذ منتصف عام 2024، لتستمر بوتيرة متباينة خلال العام الجاري، وفيما يلي أبرز اتجاهات وتطورات السياسات النقدية للبنوك المركزية الكبرى خلال عام 2025، وآفاق السياسات النقدية العالمية لعام 2026:
أولًا: السياسات النقدية للبنوك المركزية الكبرى في عام 2025:
1- الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي:
الشكل (5): تطور سعر الفائدة الاسمي لـ”الاحتياطي الفيدرالي” الأمريكي خلال الفترة (يناير-ديسمبر) 2025:
المصدر: قاعدة بيانات “تريدنج إيكونوميكس”
في بداية عام 2025، انتهج “الاحتياطي الفيدرالي” (Federal Reserve) الأمريكي نهجًا أكثر تدرّجًا وحذرًا في خفض أسعار الفائدة؛ حيث استمر في تثبيت سعر الفائدة عند نطاق يتراوح بين 4.25% و4.5% لخمسة اجتماعات متتالية حتى سبتمبر 2025؛ بسبب المخاوف المستمرة بشأن التضخم؛ لا سيما في ظل قيام الإدارة الأمريكية بفرض رسوم جمركية على عدد كبير من دول العالم، والتي تسببت بالفعل في رفع معدلات التضخم في الولايات المتحدة الأمريكية بشكل ملموس؛ حيث ارتفع معدل التضخم السنوي من 2.3% في أبريل 2025 إلى 3% في سبتمبر 2025.
وخلال اجتماعه في سبتمبر 2025، قام الاحتياطي الفيدرالي بأول خفض لسعر الفائدة منذ ديسمبر 2024، بمقدار 25 نقطة أساس ليتراوح نطاق سعر الفائدة بين 4% و4.25%، كما قام بخفض مماثل بمقدار 25 نقطة أساس خلال اجتماعه في 29 أكتوبر 2025، ليتراوح سعر الفائدة بين 3.75% و4%.
وفي ختام اجتماعات عام 2025، خفض الفيدرالي الأمريكي سعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس ليتراوح بين 3.5% و3.75% في ديسمبر 2025، لتصل بذلك تكاليف الاقتراض إلى أدنى مستوى لها منذ عام 2022.
2- بنك إنجلترا:
الشكل (6): تطور سعر الفائدة الاسمي لـ “بنك إنجلترا” خلال الفترة (يناير-ديسمبر) 2025
المصدر: قاعدة بيانات “تريدنج إيكونوميكس”
استهل “بنك إنجلترا” (Bank of England) عام 2025 بخفض سعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس ليصل إلى 4.5% وذلك في أول اجتماعاته في العام الجاري في فبراير 2025، ليواصل بذلك دورة التيسير النقدي التي بدأها في أغسطس 2024. ثم قام البنك بتثبيت سعر الفائدة في اجتماع مارس 2025، متبعًا بذلك نهجًا حذرًا في ظل استمرار ارتفاع معدلات التضخم آنذاك وتفاقم حالة عدم اليقين في الاقتصاد العالمي، قبل أن يخفضه مرة أخرى بمقدار 25 نقطة أساس ليصل إلى 4.25% في مايو 2025 مع استمرار التقدم في خفض التضخم.
وفي اجتماع يونيو 2025، تم تثبيت سعر الفائدة، قبل أن يستأنف “بنك إنجلترا” دورة التيسير النقدي في اجتماع أغسطس 2025؛ حيث تم خفض سعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس ليصل إلى 4%، وقد توقف بنك إنجلترا عن تيسير السياسة النقدية خلال الاجتماعين التاليين للبنك في سبتمبر ونوفمبر 2025، لتظل تكاليف الاقتراض عند أدنى مستوى لها منذ مارس 2023.
وفي ختام اجتماعات عام 2025، خفض “بنك إنجلترا” سعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس ليصل إلى 3.75% في 18 ديسمبر 2025، وهو أدنى مستوى له منذ عام 2022، وقد جاء ذلك القرار نتيجة انخفاض التضخم.
الشكل (7): تطور سعر الفائدة الاسمي لـ “البنك المركزي الأوروبي” خلال الفترة (يناير-ديسمبر) 2025
المصدر: قاعدة بيانات “تريدنج إيكونوميكس”
بدأ “البنك المركزي الأوروبي” (ECB) مبكرًا بخفض سعر الفائدة في يونيو 2024 بعد أن بلغ ذروته في 2023 عند 4%، ليستقر عند مستويات أدنى في 2025 عند 2%. وقد بدأ المركزي الأوروبي عام 2025 بخفض سعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس، ليصل إلى 2.75% في يناير 2025.
وخلال الاجتماعات الثلاثة التالية، قام المركزي الأوروبي بخفض سعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس لكل مرة، ليصل سعر الفائدة إلى 2.5% في مارس 2025، ثم إلى 2.25% في أبريل 2025 ، ثم إلى 2% في يونيو 2025.
هذا، وقد أوقف المركزي الأوروبي دورة التيسير النقدي منذ اجتماعه في يوليو 2025، ليظل سعر الفائدة مستقرًا عند 2% خلال اجتماعات سبتمبر وأكتوبر وديسمبر 2025. ويأتي ذلك في ظل تراجع معدل التضخم في منطقة اليورو واستقراره بالقرب من هدف “البنك المركزي الأوروبي” لمعدل التضخم البالغ 2% خلال الفترة من يونيو-ديسمبر 2025.
4- بنك الشعب الصيني:
الشكل (8): تطور سعر الفائدة الاسمي لـ”بنك الشعب الصيني” خلال الفترة (يناير-ديسمبر) 2025:
المصدر: قاعدة بيانات “تريدنج إيكونوميكس”
استمر “بنك الشعب الصيني” (PBoC) في تثبيت سعر الفائدة عند 3.1% خلال الاجتماعات الأربعة الأولى من عام 2025 والتي عُقدت خلال الفترة من يناير حتى أبريل 2025، وقد جاء ذلك في ظل تقلبات اليوان الصيني وتزايد حالة عدم اليقين بشأن سياسات الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” التجارية.
وخلال اجتماع المركزي الصيني في مايو 2025، تم خفض سعر الفائدة بمقدار 10 نقاط أساس ليصل إلى 3%، مسجلًا بذلك أول خفض لسعر الفائدة منذ أكتوبر 2024، وقد جاءت هذه الخطوة لدعم الاقتصاد الصيني في مواجهة التوترات التجارية.
هذا، وقد استمر المركزي الصيني في تثبيت سعر الفائدة عند 3% خلال الاجتماعات السبعة الأخيرة من عام 2025، والتي عُقدت خلال الفترة من يونيو حتى ديسمبر 2025، وذلك في ظل البيانات التي تشير إلى تباطؤ الاقتصاد الصيني تأثرًا بالتعريفات الجمركية الأمريكية، وضعف الطلب المحلي.
ثانيًا: آفاق السياسات النقدية للبنوك المركزية العالمية في عام 2026:
سيعتمد مسار السياسات النقدية العالمية في عام 2026 بدرجة كبيرة على عاملين مترابطين: مدى التباطؤ الذي سيظهر في أسواق العمل، ومدى استمرار تراجع التضخم بشكل مستقر نحو الأهداف المحددة؛ ففي حال تراجعت قوة أسواق العمل بشكل أكبر، دون أن يعود التضخم للارتفاع؛ فمن المرجح أن تواصل البنوك المركزية الكبرى خفض أسعار الفائدة خلال العام المقبل، مستكملة بذلك دورة الخفض التي بدأت قبل حوالي عامين.
على النقيض من ذلك، في حال جاءت بيانات التضخم أعلى من المتوقع -مدفوعة بصدَمات في أسواق الطاقة، أو عودة الاختناقات في سلاسل الإمداد، أو نمو أقوى في الأجور-، فستكون هناك حاجة إلى سياسة نقدية أكثر تشددًا؛ مما يمكن توقعه في الوقت الراهن.
هذا، ومن المتوقع أن ينفّذ كلٌّ من الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي وبنك إنجلترا أكبر التخفيضات في أسعار الفائدة خلال عام 2026؛ حيث إنه من المرجّح أن يخفض البنكان المركزيان أسعار الفائدة بمقدار 50 نقطة أساس إضافية في عام 2026، ليصل معدل الفائدة بنهاية العام إلى 3.25% لدى البنكين المركزيين.
اتصالًا، من المتوقع أن يرفع بنك اليابان سعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس ليصل إلى 0.75% في ديسمبر 2025، وأن يُبقي سياسته النقدية عند هذا المستوى خلال العام المقبل. كما أنه من المرجَّح أن يتجه بنك الشعب الصيني في عام 2026 إلى استئناف سياسة التيسير النقدي، مع توقعات بدء هذا المسار في وقت مبكر من العام المقبل. في المقابل، من غير المرجَّح أن يجري البنك المركزي الأوروبي أي تخفيضات إضافية خلال عام 2026.
أما بالنسبة لاقتصادات الأسواق الناشئة، فمن المتوقع أن يبدأ البنك المركزي في تركيا أكثر دورات التيسير جرأة في عام 2026، عبر خفض أسعار الفائدة بمقدار إضافي يبلغ 1800 نقطة أساس، مما سيؤدي إلى تراجع سعر الفائدة إلى 20% بحلول نهاية العام.
لا تزال اتجاهات معدلات التضخم تتباين على نطاق واسع بين الدول في عام 2025؛ فمن ناحية، بدأت المعدلات في التراجع إلى مستهدفات البنوك المركزية في عدد من الدول، وباتت أكبر أربعة اقتصادات في منطقة اليورو تسجّل حاليًّا معدلات تضخم لأسعار المستهلكين عند مستوى يقارب أو يقل عن الهدف العام للمنطقة البالغ 2%. كما أن التضخم أصبح دون 2% وأقل من الأهداف متوسطة الأجل للسياسة النقدية في عدد من اقتصادات الأسواق الناشئة، بما في ذلك الهند وماليزيا وبيرو والفلبين وتايلاند. وفي الصين، تحوّل تضخم أسعار المستهلكين إلى مستوى إيجابي طفيف في أكتوبر 2025، وذلك على الرغم من استمرار تراجع أسعار المنتجين.
في المقابل، تعثّر التقدم في خفض معدلات التضخم في بعض الاقتصادات الكبرى الأخرى؛ إذ ارتفعت حصة الدول التي يسجّل فيها التضخم مستويات أعلى من الهدف المحدد للبنوك المركزية مقارنةً بنهاية عام 2024، ومن بينها المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية واليابان، فضلًا عن بعض اقتصادات الأسواق الناشئة مثل البرازيل وكولومبيا
هذا، وقد شهد تضخم السلع تسارعًا، في حين ظل تضخم الخدمات مرتفعًا ومقاومًا للتراجع في العديد من الاقتصادات؛ ففي “منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية” (OECD)، ارتفع معدل تضخم السلع السنوي من 0.8% في الربع الأخير من عام 2024 إلى 1.8% في أكتوبر 2025، بينما ارتفع متوسط تضخم الخدمات الوسيط بشكل طفيف من 3.6% إلى 3.7% خلال الفترة نفسها. وكان ارتفاع تضخم أسعار الغذاء أحد العوامل التي دفعت تضخم السلع إلى الأعلى.
كما أدّت تغيّرات أخرى في السياسات إلى دفع التضخم مؤقتًا نحو الارتفاع في بعض الدول، بما في ذلك المملكة المتحدة؛ نتيجة الزيادات الأخيرة في الأسعار الإدارية وضرائب الرواتب. وفي قطاعات الخدمات، لا يزال التضخم في بنود الترفيه والمطاعم مرتفعًا في العديد من الاقتصادات. ومع ذلك، بدأت ضغوط تكاليف الإسكان في التراجع، مما يسهم حاليًّا في خفض معدلات التضخم.
بالنسبة للآفاق المستقبلية، يتوقع “صندوق النقد الدولي” (IMF) أن ينخفض معدل التضخم العالمي العام إلى 4.2% في عام 2025 وإلى 3.7% في عام 2026، مع وجود تباينات واضحة بين الدول والمناطق. وقد جرى رفع توقعات التضخم في عدد ملحوظ من الاقتصادات. ومن بين الاقتصادات المتقدمة، يُتوقع أن يواصل التضخم العام الارتفاع في المملكة المتحدة في 2025 جزئيًا؛ بسبب تغيّرات في الأسعار المُنظَّمة، على أن يكون ذلك مؤقتًا، مع مساهمة تراجع سوق العمل واعتدال نمو الأجور في عودة التضخم إلى الهدف بنهاية عام 2026.
أما في الولايات المتحدة الأمريكية، فمن المتوقع أن يبدأ التضخم في الارتفاع خلال النصف الثاني من عام 2025 مع انتقال أثر الرسوم الجمركية إلى المستهلكين، قبل أن يعود إلى هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2% خلال عام 2027، مع افتراض آثار ثانوية محدودة. وفي الاقتصادات الصاعدة والنامية، رُفعت توقعات التضخم في البرازيل والمكسيك، بينما خُفِّضت في أجزاء واسعة من آسيا الصاعدة؛ بسبب نتائج أقل من المتوقع، لا سيما في أسعار الغذاء والطاقة.
تشير البيانات الأولية لـ “منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية” أو “الأونكتاد” (UNCTAD) للنصف الأول من عام 2025 إلى انخفاض إضافي بنسبة 3% في الاستثمار الأجنبي المباشر العالمي بعد عامين متتاليين من التراجع، كما واصلت إعلانات المشروعات الجديدة مسارها الهبوطي. في الوقت نفسه، يزداد حذر المستثمرين مع تصاعد الرسوم الجمركية واستمرار التوترات الجيوسياسية، مما أدى إلى تعميق حالة الترقب والانتظار عبر العديد من القطاعات، فيما ظلت عمليات الاندماج والاستحواذ العابرة للحدود ضعيفة، مع تراجع قيم الصفقات بنسبة 23% في النصف الأول من عام 2025، رغم أن المؤشرات المبكرة تُظهر نشاطًا متزايدًا خلال الربع الثالث من عام 2025.
هذا، وقد تعرضت قطاعات البنية التحتية والصناعة لضغوط كبيرة؛ إذ انخفضت قيمة صفقات تمويل المشروعات الدولية -التي تتركز بشكل رئيس في قطاعات البنية التحتية- بنسبة 8%، كما تراجعت إعلانات مشروعات الاستثمار الجديدة، ومعظمها في القطاعات الصناعية، بنسبة 17% من حيث العدد، وقد تأثرت قطاعات التصنيع المعتمدة على سلاسل التوريد بشكل خاص بهذا التراجع.
ومع ذلك، برزت تطورات إيجابية في الاستثمار في قطاعات الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ فعلى الرغم من انخفاض عدد المشروعات الاستثمارية، ارتفعت القيمة الإجمالية لإعلانات المشروعات الجديدة بنسبة 7%. كما شهدت القيم المعلنة للمشروعات الجديدة في النصف الأول من عام 2025 ارتفاعًا ملحوظًا بفضل استمرار نمو الاستثمارات والمشروعات الكبرى في الاقتصاد الرقمي والقطاعات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي.
وبالنسبة لآفاق الاستثمار الأجنبي المباشر العالمي في عام 2026، تشير نتائج الاستطلاع الذي أجرته مؤسسة “إف دي آي إنتليجنس” (FDI Intelligence) إلى أن الاستثمار الأجنبي المباشر العالمي سيتحرك في بيئة تتسم بالحذر خلال العام القادم، ورغم استمرار التقلبات الاقتصادية والمالية والجيوسياسية، فإن قدرة القطاعين العام والخاص على التكيف ساعدت على استمرار تدفقات الاستثمار عبر الحدود. ويُنظر إلى عام 2026 بوصفه عامًا انتقاليًا، تعيد فيه الشركات والدول تموضعها ضمن خريطة جديدة للاقتصاد العالمي؛ حيث إن تراجع العولمة لا يُعدّ صدمة بقدر ما يعكس تحولًا في أنماطها ومساراتها.
هذا، وتتمثل أبرز المخاطر التي تواجه الاستثمار الأجنبي المباشر في عام 2026 في الاضطرابات الجيوسياسية، التي تُعد الخطر الأكبر في ظل تصاعد التوترات الدولية وإعادة الاصطفاف بين الدول. كما تشكل التحولات الاقتصادية والمالية العالمية خطرًا رئيسًا، لا سيما في ظل حالة عدم اليقين المرتبطة بالسياسات التجارية، والرسوم الجمركية، والتقلبات في الأسواق المالية، إضافة إلى المخاوف المرتبطة بفقاعات الأصول في بعض القطاعات التكنولوجية، والتي قد تؤدي إلى تباطؤ تنفيذ بعض المشروعات الاستثمارية رغم الإعلان عنها.
في المقابل، من المتوقع أن تشهد مصادر الاستثمار الأجنبي المباشر تحولًا ملحوظًا؛ حيث يُتوقع تزايد دور اقتصادات آسيا والمحيط الهادئ، إلى جانب اقتصادات الخليج، كمصادر رئيسة لرأس المال العالمي. كما يُرجح أن يتحول مركز الثقل في التجارة والاستثمار العالميين نحو الاقتصادات الصاعدة في الجنوب العالمي، مع بروز مدن ومراكز اقتصادية جديدة تنافس المراكز التقليدية في الغرب.
أما على صعيد القطاعات، فمن المتوقع أن تحظى الصناعات الاستراتيجية باهتمام متزايد من قبل المستثمرين؛ لا سيما أشباه الموصلات، والبنية التحتية الرقمية مثل مراكز البيانات والاتصالات، إضافةً إلى قطاعات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني. كما ستبرز المعادن الحرجة، مثل الليثيوم والعناصر الأرضية النادرة، كمحرك أساسي لتدفقات الاستثمار، في ظل السعي لتعزيز أمن سلاسل الإمداد والطاقة. كذلك يُتوقع أن يشهد قطاعا الدفاع والطيران انتعاشًا ملحوظًا، مدفوعان بالاعتبارات الجيوسياسية والأمنية.
تباطأ نمو التجارة العالمية في الربع الثالث من عام 2025، لكنه ظل إيجابيًا عند نحو 2.5% على أساس ربع سنوي. وقد أسهمت كلٌّ من تجارة السلع والخدمات في هذا الارتفاع؛ إذ زادت تجارة السلع بنحو 2% مقارنةً بالربع الثاني، بينما توسّعت تجارة الخدمات بنسبة 4%، ووفقًا لتقديرات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأنكتاد)، فإن هذا الاتجاه الإيجابي سيستمر في الربع الأخير من العام 2025، ومن المتوقّع أن تنمو تجارة السلع بنسبة 0.5%، وأن ترتفع تجارة الخدمات بنسبة 2%، وإذا تحقّقت هذه التقديرات، فإن التجارة العالمية في عام 2025 ستتجاوز 35 تريليون دولار، بزيادة تقارب 2.2 تريليون دولار، أي نحو 7%، مقارنةً بعام 2024. ومن إجمالي هذه الزيادة:
ستسهم السلع بنحو 1.5 تريليون دولار، أي ما يعادل نموًا يقارب 6% مقارنةً بعام 2024.