وهم الطاقات القصوى وحقيقة الأزمة الهيكلية ( ١ ) من عمق المشهد
من عمق المشهد
د.ست البنات حسن أحمد
وهم الطاقات القصوى وحقيقة الأزمة الهيكلية ( ١ )
في كل مرة يُفتح فيها ملف صناعة السكر في السودان، ينصرف الخطاب العام إلى الإشادة بالمقومات الطبيعية الشاسعة والأراضي الشاسعة الخصبة ومياه النيل.
غير أن النظر إلى المشهد من العمق يكشف مفارقة صارخة
السودان لا يحتاج اليوم إلى إثبات امتلاكه لمقومات الإنتاج، بل يحتاج إلى تفكيك أسباب عجزه المزمن عن تحويل هذه الاستثمارات القائمة إلى إنتاج مستقر ومنافس.
إن مراجعة الأرقام الموثقة قبل اندلاع الحرب تكفي لتغيير زاوية النقاش بالكامل. ففي عام 2021، وبحسب بيانات بنك السودان المركزي، بلغت الطاقة التصميمية المسجلة لمصانع السكر الستة (كنانة، النيل الأبيض، حلفا الجديدة، الجنيد، سنار، وحجر عسلاية) نحو 1.205 مليون طن. وفي المقابل، لم يتجاوز الإنتاج الفعلي للعام نفسه 323 ألف طن، أي ما يعادل 26.8% فقط من الطاقة التصميمية. هذا الانهيار الإنتاجي—الذي وصل فيه مصنع النيل الأبيض إلى صفر إنتاج في ذلك العام—يؤكد أن فجوة الأداء سابقة للحرب، وتمنعنا تماماً من تعليق كل الفشل على شماعة النزاع المسلح، أو اختزال المعضلة في الحاجة لبناء مصانع جديدة.
على الجانب الآخر، تلتهم فاتورة استيراد السكر موارد النقد الأجنبي الشحيحة؛ إذ استوردت البلاد في 2024 نحو 1.132 مليون طن بقيمة 660.9 مليون دولار، وما يقارب 960.6 ألف طن في 2025 بقيمة 552.8 مليون دولار، فضلاً عن نحو 496.3 ألف طن في النصف الأول من 2026 وحده بقيمة تجاوزت 274 مليون دولار. هذا النزيف يدفع البعض للاعتقاد بأن الاكتفاء الذاتي سيحقق وفراً مساوياً لقيمة الواردات، وهو افتراض مضلل يتجاهل تكلفة المدخلات والمعدات المستوردة لخدمة الإنتاج المحلي.
المشكلة الحقيقية تكمن في تعطل المنظومة الزراعية والصناعية والمؤسسية؛ فالقصب الذي لا يُحصد بكفاءة أو يتأخر نقله،
والمصانع التي تتوقف لنقص رأس المال العامل أو تدهور الصيانة، تجعل الطاقات المكتوبة على الورق بلا قيمة فعلية.
الجزء الثاني: خارطة التعافي.. العدالة الاجتماعية وشرط الحوكمة
إن التخطيط لبناء استراتيجية وطنية للسكر (2027–2037) لا ينبغي أن ينطلق من فرضيات التوسع العشوائي وزيادة المساحات، بل من تشخيص دقيق يوازن بين المياه والأرض والمردود الاقتصادي. فقصب السكر محصول مستهلك بشراهة للمياه، إذ تتراوح احتياجاته بين 6,300 و10,500 متر مكعب للفدان، ما يستوجب مقارنته اقتصادياً بمحاصيل غذائية أخرى من حيث العائد لكل متر مكعب ماء والنقد الأجنبي والتوظيف.
تتطلب مرحلة ما بعد الحرب منهجية “إعادة البناء الانتقائية”. هذا المسار يستدعي إجراء فحص هندسي دقيق لحجم الأضرار التي طالت المصانع—كما في مصنعي الجنيد وسنار اللذين تعرضا للنهب والتخريب—والفصل بين الأصل المدمر والتدهور السابق للحرب. لا جدوى من ضخ أموال عامة لإحياء أصول غير مجدية، بل يجب تصنيف المصانع وفق أولويات السلامة والجاهزية، وتأمين منظومات الري والتقاوي والتشغيل قبل شراء الآليات والمعدات.
الأهم من ذلك هو إعادة البعد الاجتماعي والمؤسسي إلى قلب المعادلة. لا يمكن بناء صناعة ناجحة ومستدامة عبر نقل الكلفة الاجتماعية والبيئية إلى المجتمعات المحلية. السؤال الجوهري الذي يجب أن تجيب عنه أي استراتيجية قادمة هو: من يتحمل التكلفة الحقيقية لصناعة السكر، ومن يحصل على منافعها؟. هل يحصل المزارع على سعر عادل لقصب السكر؟ وهل يُصان حق العامل الموسمي؟ وهل يُحمى المستهلك من أسعار احتكارية تحت غطاء الحماية الجمركية؟
لإنقاذ هذا القطاع، تبرز خمس أولويات عاجلة أمام متخذي القرار:
تأسيس قاعدة بيانات وتقييم مستقل لحصر أصول المصانع، الحقول، المياه، والديون قبل تخصيص أي تمويل.
تمويل استعادة الإنتاج بانتقائية عبر التركيز على المواقع الآمنة والقابلة للتشغيل كحزمة متكاملة (ري، تقاوي، وصيانة).
إصلاح الحوكمة وفصل الصلاحيات بربط أي دعم حكومي بمؤشرات أداء واضحة، وإدارة مهنية مستقلة تمنع تحويل التأهيل إلى إنقاذ مالي مستمر بلا جدوى.
اعتماد سياسة تجارية ومائية متوازنة تحمي المستهلك من جهة، وتمنع تبديد الموارد المائية الشحيحة من جهة أخرى.
تطوير المنتجات المصاحبة (كالطاقة من الباجاس والإيثانول والأعلاف من المولاس) وفق دراسات جدوى تجارية وبيئية مثبتة لتنويع الإيرادات دون تشغيل معطل.
إن التعافي الحقيقي لصناعة السكر لن يتحقق بإنتاج وثائق إنشائية طويلة، بل ببطاقات تشخيص واقعية وقرارات حاسمة تملك ا
