5

مقال العدد

شيء للوطن
م.صلاح غريبة – مصر
Ghariba2013@gmail.com

عالم ممزق وبؤر تشتعل: كيف يعيد حطام “القطب الواحد” صياغة أزمات الشعوب؟

يقف العالم اليوم على جمر تحولات جيوسياسية بالغة الخطورة، حيث لم تعد النزاعات المحلية مجرد شأن داخلي تفصل فيه سيادة الدول، بل تحولت إلى ساحات مفتوحة لتصفية الحسابات الدولية، واختبار موازين القوى في ظل نظام دولي مأزوم يعاني من تصدعات هيكلية عميقة. ولعل انعقاد المحفل الدولي الأخير لكبار المسؤولين الأمنيين في العاصمة الروسية بمشاركة واسعة تجاوزت مئة وأربعين دولة، يمثل اعترافاً ضمنياً بأن المنظومة الأمنية والسياسية العالمية الحالية باتت عاجزة عن ضبط الاستقرار، وأن بؤر الصراع المشتعلة — لا سيما في منطقتنا — ليست سوى تجليات مباشرة لتغول سياسات الهيمنة الأحادية.

إن الأزمة التي يمر بها السودان اليوم تقدم نموذجاً صارخاً لكيفية ارتداد تشوهات النظام الدولي أحادي القطبية على أمن الشعوب واستقرارها. عندما تغيب العدالة الدولية، وتُستبدل القوانين الأممية بازدواجية المعايير، تصبح الساحة الدولية مرتعاً للتدخلات الخارجية الفجة التي لا تراعي سيادة ولا تحمي حقوقاً إنسانية. في هذا السياق، تبرز خطورة الممارسات التي تغض الطرف عن الانتهاكات الممنهجة والجرائم والفظائع التي ترتكبها المجموعات المسلحة المتمردة، والتي لم تعد مجرد ظاهرة محليّة، بل تحولت إلى خطر إقليمي عابر للحدود بفعل استقطاب المرتزقة وتدفق السلاح عبر قنوات مريبة؛ وهو ما يسهم بشكل مباشر في إطالة أمد الحروب واستنزاف مقدرات الأوطان.

إن هذا المشهد القاتم يفرض علينا تشريح الوقع الدولي الراهن من منظور بنيوي؛ فالأحادية القطبية، عبر استخدامها للأدوات القسرية والعقوبات الانتقائية لتحقيق مصالح ذاتية ضيقة، أحدثت حالة من عدم التوازن والسياسات العدائية التي شجعت على الإفلات من العقاب. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل أفرزت هذه السياسات صراعات مريرة حول الموارد والنفوذ، دفعت ثمنها الشعوب المستضعفة موجاتٍ من النزوح، والفقر، والتهميش، والتسلط.

بناءً على هذه المعطيات، لم يعد الحديث عن إصلاح المنظومة الدولية، وفي مقدمتها هيئة الأمم المتحدة، مجرد ترف فكري أو خيار ديبلوماسي، بل هو ضرورة حتمية لضمان البقاء. إن صياغة عالم أكثر أمناً واستقراراً تستدعي الانتقال الفعلي والمدروس نحو نظام دولي متعدد الأقطاب؛ نظام يتأسس على مفاهيم العدالة والندية، ويكون قادراً على مناصرة الشعوب وحماية خياراتها الوطنية، ويوفر بيئة صالحة لبناء علاقات سليمة بين الدول ترتكز على الاحترام المتبادل لسيادة الدول ومبدأ عدم التدخل في شؤونها الداخلية.

من جانب آخر، أثبتت التحركات الدبلوماسية والأمنية المكثفة في هذا المحفل الدولي أن كسر العزلة وتوضيح الحقائق ومواجهة التقاطعات الإقليمية والدولية هي أدوات لا تقل أهمية عن العمل الميداني. إن طرح رؤية واضحة لإحلال السلام ومعالجة التحديات الداخلية يجد صدى وتفهماً كبيراً لدى القوى الدولية التي تؤمن بالتعددية القطبية وتطمح لبناء شراكات استراتيجية متوازنة.

لقد أظهرت المواقف المعلنة لبعض القوى الدولية الكبرى رغبة أكيدة في تعزيز وتطوير علاقاتها في المجالات السياسية، الاقتصادية، الأمنية، والعسكرية مع الدول التي تواجه أزمات مركبة، معلنة استعدادها للوقوف ضد أي محاولات للنيل من وحدة الدول واستقلاليتها. هذا التضامن الدولي المبني على استدامة الحوار والتنسيق المشترك، يمثل نافذة أمل حقيقية نحو إعادة التوازن المفقود، ليكون بمثابة حجر الزاوية في بناء مشهد عالمي جديد يتجاوز إرث القطب الواحد ويؤسس لسلام دائم وشامل للشعوب كافة.

Leave A Reply

Your email address will not be published.