شيء للوطن
م.صلاح غريبة
Ghariba2013@gmail.com
القاهرة والخرطوم.. وحدة المصير وتدشين “عصر الخطوط الحمراء”
لم تكن زيارة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة السوداني، إلى القاهرة مجرد لقاء دبلوماسي بروتوكولي، بل جاءت لترسم ملامح مرحلة جديدة من التاريخ المشترك بين وادي النيل شمالاً وجنوباً. إن البيان الصادر عن الرئاسة المصرية في ختام هذه الزيارة لا يمكن وصفه إلا بأنه “البيان الأقوى والأوضح” منذ عقود؛ فهو خطاب كاشف وضع النقاط على الحروف، وأنهى زمن المواربة السياسية حيال أزمة تهدد وجود الدولة السودانية، ومن خلفها الأمن القومي المصري في صميمه.
لقد بحت أصوات الحادبين على مصلحة السودان وهم يحذرون من أن ما يحدث ليس مجرد صراع داخلي، بل هي مؤامرة دولية مكتملة الأركان تهدف إلى تمزيق السودان وتحويله إلى شظايا جغرافية وكيانات هشة. واليوم، يأتي الموقف المصري ليقطع الطريق أمام “أنصاف المتفقهين” الذين حاولوا تبسيط الصراع أو تجميله. الحقيقة التي أدركتها القاهرة بصوت جهير هي أن ألسنة اللهب في السودان لن تقف عند حدود “أرقين” أو “أشكيت”، بل ستمتد بلا حواجز لتطال قلب مصر، فالسودان هو العمق الاستراتيجي والدرع الجنوبي لأرض الكنانة.
جاء البيان المصري ليحدد بصرامة غير مسبوقة “خطوطاً حمراء” لا تقبل التفاوض أو التهاون. وحين تتحدث مصر عن “وحدة السودان” و”منع انفصال أي جزء من أراضيه”، فهي لا تطلق شعارات، بل ترسل رسالة ردع لكل القوى الإقليمية والدولية التي تتوهم إمكانية خلق كيانات موازية أو شرعنة المليشيات. إن الرفض القاطع لإنشاء أي كيان موازٍ للمؤسسات الشرعية هو اعتراف صريح بصلابة الجيش السوداني والمؤسسات الوطنية التي واجهت “مؤامرة الشر العالمي” بثبات أسطوري.
لعل أخطر وأهم ما ورد في التوجه المصري الجديد هو الإشارة الصريحة إلى “اتفاقية الدفاع المشترك”. إن وضع يد الجيش المصري على (تتِك) هذه الاتفاقية يعني أن القاهرة لم تعد تكتفي بالدعم السياسي والإنساني، بل هي مستعدة لاتخاذ كافة التدابير التي يكفلها القانون الدولي لحماية أمنها القومي المرتبط عضوياً بالاستقرار السوداني. هذا التحول الجوهري في التوصيف والتعاطي يضع الأمور في نصابها الصحيح؛ فالأمن القومي لا يتجزأ، والاعتداء على مؤسسات الدولة في الخرطوم هو تهديد مباشر للقاهرة.
التناغم الدولي والمبادرة الأمريكية
من الذكاء السياسي أن يربط البيان بين هذه الثوابت الوطنية وبين دعم رؤية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتحقيق السلام. هذا التناغم يشير إلى رغبة مصرية في حشد جهد دولي يوقف المذابح المروعة والانتهاكات السافرة التي يتعرض لها المدنيون، خاصة في مناطق مثل الفاشر، ولكن مع اشتراط واضح: أن يكون أي حل عبر بوابة مؤسسات الدولة السودانية الشرعية، وليس على حسابها.
إن التصريحات المحدثة، سيكون لها ما بعدها، وهي بمثابة “انقلاب” في موازين القوى السياسية والإعلامية. لقد أثبتت الزيارة أن الروابط بين الشعبين والجيشين أقوى من كل محاولات التفتيت. وكما يقال دائماً “الرجال نجحُها في فعلها”، فإن الموقف المصري اليوم هو “فعل” شجاع في زمن التردد.
نحن أمام مشهد جديد، عنوانه الصمود السوداني والظهير المصري القوي. إنها مرحلة استعادة الدولة، وحماية الأرض، وصد العدوان.. وبإذن الله، هو نصرٌ من الله وفتحٌ قريب.