صحيفة صوت الشمالية | شيء للوطن |《صلاح غريبة يكتب ……. عدالة “دنقلا”: توثيق المأساة لكسر شوكة الإفلات من العقاب
شيء للوطن
م.صلاح غريبة
Ghariba2013@gmail.com
عدالة “دنقلا”: توثيق المأساة لكسر شوكة الإفلات من العقاب
لم تكن زيارة لجنة تقصي الحقائق المعنية بانتهاكات القانون الدولي لحقوق الإنسان للولاية الشمالية مجرد جولة بروتوكولية في أروقة المكاتب الرسمية، بل هي خطوة استراتيجية في معركة قانونية كبرى يسعى فيها السودان لإرساء قيم العدالة وملاحقة الجناة. استقبال والي الشمالية، الفريق ركن عبد الرحمن عبد الحميد، لهذا الوفد الرفيع برئاسة الأستاذ عبد الجواد أحمد، يبعث برسالة واضحة: “الأرض لن تخفي معالم الجريمة، والولاية الشمالية باتت منصة لتوثيق فظائع العدوان”.
تكمن الأهمية القصوى لهذه الزيارة في توجه اللجنة ميدانيًا إلى معسكر العفاض بمحلية الدبة، حيث التقت بالنازحين الفارين من جحيم مدينة الفاشر. هنا، لم تعد التقارير مجرد كلمات على ورق، بل تحولت إلى شهادات حية وأدلة دامغة على انتهاكات مليشيا الدعم السريع.
إن معاينة الآثار النفسية والجسدية والاجتماعية للنازحين الذين فقدوا ديارهم وحقوقهم الأساسية في الفاشر، تضع اللجنة أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية أمام التاريخ. هذا التوثيق هو حجر الزاوية في بناء “ملف اتهام” متكامل لا يمكن دحضه أمام المحاكم الدولية.
مشاركة اتحاد المحامين العرب في هذا الجهد تمنح القضية السودانية بعدًا قوميًا وإقليميًا. فوجود الأمين العام المساعد للاتحاد ضمن اللجنة، وتأكيده على أن “استقرار السودان يمثل استقرارًا لمصر والمنطقة العربية“، يعكس وعيًا عميقًا بأن ما يحدث في السودان ليس شأنًا داخليًا فحسب، بل هو تهديد لمنظومة الأمن القومي العربي.
إن تحرك المحامين العرب بالتنسيق مع نقابة المحامين السودانيين يمثل جبهة قانونية صلبة، تهدف لتحويل الانتهاكات إلى ملفات جنائية، لا تكتفي اللجنة بالرصد، بل تستعد لتقديم تقرير قانوني معزز بالأدلة والبراهين في فبراير المقبل، بجانب الملاحقة الدولية كهدف نهائي، وهو الوصول إلى المنظمات العدلية والحقوقية الدولية، لضمان ألا ينجو مرتكب جريمة ضد الإنسانية من الحساب.
ما لفت الأنظار في هذه الزيارة هو مستوى التنسيق العالي بين سلطات الولاية الشمالية والوزارات الاتحادية (العدل، المالية، الصحة) مع اللجنة. هذا التناغم يقطع الطريق أمام أي محاولات لتشويه الحقائق أو إعاقة الوصول إلى المعلومات. إن فتح الأبواب أمام لجان التقصي يعكس ثقة الدولة السودانية في عدالة قضيتها وشفافية موقفها القانوني.
نحن الآن أمام نافذة زمنية حرجة؛ فالموعد المضروب في فبراير المقبل لتقديم التقرير النهائي سيكون بمثابة “ساعة الحقيقة“. إن العالم الذي صمت طويلًا أمام مآسي النازحين والمهجرين قسريًا سيكون ملزمًا، أمام قوة الدليل القانوني الذي تجمعه اللجنة، بالاعتراف بحجم الجرائم المرتكبة.
إن الولاية الشمالية، بصمودها وحسن إدارتها لملف النازحين، أثبتت اليوم أنها ليست مجرد ملاذ آمن، بل هي “معمل قانوني” يُطبخ فيه حق السودانيين المنهوب، لتذكير العالم بأن الحقوق لا تسقط بالتقادم، وأن العدالة وإن تأخرت، فإنها قادمة لا محالة.
