صحيفة القوات المسلحة العدد الصادر يوم الثلاثاء 15 يوليو 2025
مستخدما تطبيق Google drive
شئ للوطن
م.صلاح غريبة – مصر
Ghariba2013@gmail.com
أولويات السودان في تأمين المنشآت الحيوية خلال الأزمات الطارئة: رؤية لإعادة الإعمار بعد الحرب
يمر السودان بفترة عصيبة تتطلب التفكير الاستراتيجي في كيفية بناء مستقبل مستقر ومزدهر. أحد أهم التحديات التي تواجه البلاد، لا سيما في ظل الأزمات والصراعات المتكررة، هو تأمين وحماية المنشآت الحيوية. هذه المنشآت ليست مجرد مبانٍ أو بنى تحتية؛ إنها الشريان الحيوي الذي يغذي المجتمع ويدعم استمراريته. في سياق إعادة الإعمار بعد الحرب، يجب أن يكون تأمين هذه المنشآت على رأس الأولويات، ليس فقط للحفاظ على ما تبقى، بل لوضع أسس متينة لنهضة شاملة.
تشمل المنشآت الحيوية مجموعة واسعة من البنى التحتية والأنظمة التي لا غنى عنها لعمل الدولة والمجتمع. يمكن تصنيفها بشكل عام إلى منشآت الطاقة، محطات توليد الكهرباء، شبكات النقل، مستودعات الوقود، ومنشآت المياه والصرف الصحي مثل محطات تنقية ومعالجة المياه، شبكات التوزيع، أنظمة الصرف الصحي، ومنشآت الاتصالات وتشمل أبراج الاتصالات، مراكز البيانات، شبكات الإنترنت، ومنشآت النقل مثل المطارات، الموانئ، الجسور، الطرق الرئيسية، ومنشآت الرعاية الصحية، المستشفيات، المراكز الطبية، بنوك الدم، والمؤسسات المالية والحكومية مثل البنوك المركزية، الوزارات السيادية، مباني الإدارة المحلية، ومنشآت الغذاء وتشمل صوامع الغلال، مصانع الأغذية الرئيسية، مراكز التوزيع.
تعطيل أي من هذه المنشآت يمكن أن يؤدي إلى شلل كامل في حياة المواطنين، وتدهور الأوضاع الإنسانية، وإعاقة جهود الإغاثة والتعافي. لذا، فإن تأمينها ليس رفاهية، بل ضرورة قصوى للحفاظ على الأمن القومي والاستقرار المجتمعي.
التحديات الراهنة في تأمين المنشآت الحيوية تتمثل في الصراع المسلح، الاشتباكات المباشرة والاستهداف المتعمد للمنشآت الحيوية من قبل أطراف النزاع مثل المسيرات وغيرها، وكذا الغياب الأمني، ضعف أو انهيار سيطرة الدولة في بعض المناطق، مما يفتح الباب أمام أعمال التخريب والسرقة، والوضع الاقتصادي المتردي في نقص الموارد اللازمة للصيانة والحماية وتحديث أنظمة الأمن، ونقص الكوادر المدربة وعدم كفاية الخبرات في مجال الأمن السيبراني والأمن المادي للمنشآت الحيوية، وتدهور البنية التحتية بضعف وهشاشة العديد من المنشآت القائمة، مما يجعلها أكثر عرضة للضرر، والتغيرات المناخية في الكوارث الطبيعية مثل الفيضانات والسيول التي قد تؤثر على هذه المنشآت وتزيد من هشاشتها.
يجب أن ترتكز خطط إعادة الإعمار في السودان على رؤية شاملة لتأمين المنشآت الحيوية، مع التركيز على تحديد الأولويات والتقييم الشامل للمخاطر، بإجراء مسح شامل لجميع المنشآت الحيوية لتحديد حالتها الراهنة، نقاط الضعف، والمخاطر المحتملة (طبيعية، بشرية، سيبرانية)، وتصنيف المنشآت بناءً على أهميتها الحيوية وتأثير تعطيلها على المجتمع، لتحديد أولويات الحماية والاستثمار.
تطوير إطار قانوني ومؤسسي متين بسن قوانين وتشريعات واضحة تجرّم استهداف المنشآت الحيوية وتوفر حماية قانونية لها، وإنشاء هيئة وطنية عليا لتأمين المنشآت الحيوية، تضم ممثلين من مختلف القطاعات (الدفاع، الأمن، الطاقة، المياه، الاتصالات) لتنسيق الجهود، وتحديد الأدوار والمسؤوليات بوضوح بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص في حماية هذه المنشآت.
الاستثمار في الأمن المادي والتقني بتوفير حماية مادية محكمة للمنشآت، تشمل الأسوار، البوابات الآمنة، المراقبة بالكاميرات، وأنظمة الإنذار المبكر، وتعزيز الأمن السيبراني لحماية الأنظمة التحكمية والشبكات المعلوماتية من الهجمات والاختراقات، وتحديث وتطوير البنية التحتية للمنشآت الحيوية لتكون أكثر مرونة وقدرة على الصمود في وجه الصدمات.
بناء القدرات وتدريب الكوادر وتأهيل فرق أمنية متخصصة في حماية المنشآت الحيوية، بما في ذلك التعامل مع الأزمات الطارئة، وتطوير برامج لرفع الوعي بأهمية هذه المنشآت بين العاملين والمجتمع المحلي، وتشجيع الإبلاغ عن أي تهديدات، مع الاستفادة من الخبرات الدولية في مجال حماية البنى التحتية الحيوية.
وضع خطط تفصيلية للاستجابة السريعة في حال تعرض أي منشأة حيوية لتهديد أو ضرر، تتضمن مسارات الإخلاء، الإطفاء، الإسعافات الأولية، وإصلاح الأعطال، وتحديد مسارات بديلة للخدمات الحيوية (مثل توفير المياه أو الكهرباء) في حال تعطل المنشآت الرئيسية. وإجراء تدريبات ومناورات دورية لاختبار مدى فعالية هذه الخطط.
العمل مع دول الجوار والمنظمات الدولية لتبادل المعلومات والخبرات في مجال حماية المنشآت الحيوية، والسعي للحصول على الدعم الفني والمادي لإعادة بناء وتأمين هذه المنشآت.
إن مستقبل السودان يعتمد بشكل كبير على قدرته على إعادة بناء نفسه على أسس قوية ومستدامة. تأمين المنشآت الحيوية ليس مجرد إجراء أمني، بل هو استثمار في حياة المواطنين، في استقرار الدولة، وفي قدرة البلاد على استئناف مسيرتها التنموية. يجب أن تكون هذه القضية محورًا رئيسيًا في أي حوار حول إعادة الإعمار، وأن تحظى بالدعم السياسي والمالي الكافي لضمان بناء سودان أكثر مرونة وقدرة على الصمود في وجه أي أزمات مستقبلية.












