من عمق المشهد | د. ست البنات حسن أحمد تكتب ……. سودان الفسيفساء: حين يتحول التنوع من ذريعة احتراب إلى معمار للنهوض
سودان الفسيفساء: حين يتحول التنوع من ذريعة احتراب إلى معمار للنهوض
من عمق المشهد |
د. ست البنات حسن أحمد
حين يتأمل الراصد المنصف خريطة السودان الإنسانية، لا يواجه مجرد تجمع ديمغرافي عابر، بل يقف أمام “مجرة ثقافية وإثنية استثنائية” صاغتها الجغرافيا على مدار آلاف السنين في تلاقح فريد بين العمق الإفريقي والرافد العربي. أكثر من خمسمائة مجموعة إثنية وعشرات اللغات واللهجات تتقاطع فوق مساحات شاسعة، لا لتشكل أرقاماً في سجلات التعدد، بل لوحة فسيفسائية نادرة تكاد تنعدم نظيرتها في القارة.
غير أن قراءة هذا التنوع من عمق المشهد تفرض علينا تجريد الخطاب من الرومانسية المفرطة ومواجهة السؤال الوجودي الحارق: لماذا تحول هذا الثراء الفسيفسائي البديع—الذي كان ينبغي أن يكون أعظم مصادر القوة والمناعة الوطنية—إلى ثغرة أمنية ووقود لحروب عبثية استثمرت فيها النخب وأصحاب الأجندات لتمزيق النسيج الجمعي للبلاد؟
أولاً: جغرافية التعدد.. أقاليم صاغت الهوية المشتركة
إن التنوع السوداني لم ينشأ في فراغ، بل وُلد من رحم بيئات جغرافية تمايزت ملامحها لتتكامل ولا تتنافر:
* الشمال النوبي: حيث الحضارة الضاربة في جذور التاريخ على ضفاف النيل؛ عمارة طينية زاهية تعكس صفاء العلاقة بين الإنسان ونظامه البيئي، ومخزون قيمي وتراث لغوي عريق يشكل ركناً أساسياً في هرم الشخصية السودانية.
* الشرق الأبي: أرض البجا وحواضن البحر الأحمر وجباله الشامخة؛ حيث الفروسية الفطرية، والكبرياء البدوي النبيل، وإيقاعات “الكرب” والأهازيج التي حملت تراثاً حافظ على أصالته وصمد أمام كل عواصف التغيير.
* الغرب النابض بالحياة: سهول دارفور وبوادي كردفان وسفوح جبل مرة؛ فضاء التداخل الخلاق بين أهل الزرع وأهل الضرع، وميدان إيقاعات “النقارة” و”الجراري” و”الفرنقبية”، التي تفيض بفروسية الصحراء وكرم المزارع.
* الوسط النيلي والجنوب الجديد: بوتقة الانصهار والتصاهر الاجتماعي في الجزيرة والنيل الأبيض والخرطوم وسنار، حيث ذابت الفوارق القبلية في نسيج مجتمعي واحد جمع حيوية المدينة ببساطة الريف.
هذا التباين لم يكن أبداً تناقضاً بيولوجياً، بل كان تكاملاً وظيفياً وحضارياً أنتج مجتمعاً مكتفياً بذاته ثقافياً ووجدانياً.
ثانياً: “الصمغ الاجتماعي” المشتركات التي هزمت العزلة
على عكس ما تروجه سرديات الصراع، لم تكن هذه المكونات يوماً جزراً منعزلة أو كانتونات متناحرة، بل انخرطت تاريخياً في عمليات تثاقف يومية نسجت “صمغاً اجتماعياً” متيناً يعبر الحدود القبلية:
* المظهر والذوق الجمعي: تجسدت الهوية الجامعة في زي قومي موحد تجاوز القبائل (الجلابية والعمامة للرجل، والثوب السوداني البديع للمرأة)، فضلاً عن مائدة طعام مشتركة تتصدرها “الكسرة” و”القراصة” و”العصيدة”، وطقوس فرح ومآتم متطابقة في جوهرها الإنساني والتكافلي.
* سماحة التصوف ومنابر الذكر: لعبت خلاوي القرآن الكريم وزوايا الطرق الصوفية دور “المفاعل النووي الاجتماعي”؛ فقد صهرت الوافدين من دارفور والشرق والشمال والوسط في حلقة ذكر واحدة، وأسقطت العصبيات الضيقة تحت ظلال المحبة والتربية الروحية الجامعة.
* المكون الأخلاقي الفطري: منظومة قيمية صلبة قوامها: “الفَزْعة”، و”النَّفِير”، وإغاثة الملهوف، وإكرام الضيف؛ وهي مفاهيم تجعل الغريب يشعر فوراً بأنه جزء أصيل من مجتمعه الجديد أينما حل وارتحل.
ثانياً: الإبداع كمرآة للوجدان الموحد
لقد تجلت عبقرية هذا التمازج في فضاءات الأدب والفن، التي عبرت عن السودان كحالة حضارية واحدة:
* سيمفونية السلم الخماسي: كيف استطاعت الأغنية السودانية أن تزاوج بين السلم الخماسي الصافي والإيقاعات الإفريقية الحارة والكلمة العربية الرصينة، لتخرج نغماً شجياً يطرب له البدوي في بوادي الشرق كما يطرب له المزارع في جروف الشمال.
* السردية العالمية: كيف استلهم عبقري الرواية العربية “الطيب صالح” تفاصيل قريته الشمالية الوادعة وناسها، ليجعل من خصوصية الإنسان السوداني نافذة كونية تحاور الشرق والغرب وتنتصر لكرامة الإنسان.
رابعاً: أزمة الإدارة السياسية.. حين يُستثمر الجمال في الخراب
المعضلة الكبرى التي عصفت بالسودان—وتفجرت في أبشع صورها في حربه الأخيرة—ليست في “التنوع الإثني”، بل في “فشل نخب إدارة الدولة”.
لقد مارست النخب السياسية المتعاقبة عبر عقود أسوأ أنواع الاستثمار الرخيص في القبلية والمناطقية؛ فبدلاً من تحويل هذا التنوع إلى نموذج للقوة عبر:
* التنمية المتوازنة وتكافؤ الفرص في توزيع الموارد،
* وتأسيس دولة المواطنة المتساوية وسيادة القانون،
* وبناء مؤسسات قومية تعكس وجه الجميع بعدالة وتجرد،
عمدت السياسات الضيقة إلى استخدام النعرات الجهوية والتحشيد الإثني أداةً للبقاء في كراسي الحكم، مما حوّل التنوع من نعمة حضارية إلى بارود أهلي يهدد بتمزيق وحدة الوطن.
كلمة أخيرة.. في الميزان
إن الفسيفساء لا تكون لوحة جمالية إلا إذا حافظت كل قطعة حجرية فيها على لونها وتماسكها ضمن إطار متين يجمعها؛ فإذا انفرط الإطار تحولت الحجارة الملونة إلى شظايا جارحة تُدمي أقدام الجميع.
إن التعافي الحقيقي لما بعد الحرب لن يبدأ بمجرد التوافق السياسي على محاصصة المقاعد، بل بإعادة اكتشاف الروح السودانية الجامعة؛ وترسيخ “دولة المواطنة الحقة” التي لا تسأل مواطنها عن قبيلته أو جهته، بل عن كفاءته وإخلاصه في أداء أمانة البناء.
إن السودان إما أن يكون وطناً للجميع يسع أطيافه كافة بتسامح واقتدار، أو لا يكون؛ وألوان فسيفسائنا ستظل شاهدة: إما أن نرسم بها لوحة النهوض والريادة، أو نتركها تحترق في أتون الأحقاد.. والخيار بأيدينا.