من صدمة الشتات إلى رافعة البناء: كيف تُعيد الجاليات هندسة التعافي الوطني؟

6

 

 

من عمق المشهد |

د. ست البنات حسن أحمد

حين تتأمل مسار التاريخ الإنساني، تجد أن الهجرات الكبرى وحركات النزوح القسري التي أعقبت الحروب والحرائق  لم تكن دوماً نهايات مأساوية للشعوب؛ بل تحولت في كثير من المحطات المفصلية إلى أرحام خصبة ولدت فيها نهضة الأوطان من جديد.

وفي السودان اليوم، حيث شردت  الحرب ملايين الأسر وفرضت واقع اللجوء والاغتراب في دول الجوار وعواصم العالم، يقف العقل الجمعي أمام مفترق طرق حاسم: إما أن يستسلم لمرارة الصدمة ولعن الظروف والتعايش مع متلازمة الاقتلاع، وإما أن يمتلك البصيرة لتحويل هذا الشتات القسري إلى أكبر رافعة استراتيجية تملكها البلاد لإعادة بناء ذاتها.

إن النظر إلى حركة السودانيين في المهاجر من عمق المشهد يكشف أن  فرص التعافي الحقيقية لم تعد محصورة في الجغرافيا المنهكة بالداخل، بل باتت تتدفق عبر شرايين هذا التواجد السوداني الممتد فى مختلف انحاء العالم  .

أولاً: ما هو أبعد من الدعم المالي.. بث الأمل واستدامة العيش

لقد ظلت النظرة السائدة لمجتمعات الشتات تُختزل في كونها “محفظة مالية” لإسناد العوائل وشراء الدواء وسد الرمق؛ ولا شك أن تحويلات المغتربين كانت وما زالت شريان الحياة الذي حمى البلاد من الانهيار التام. غير أن اختزال دور الملايين في الخارج في إطار “الدعم الإغاثي والاستهلاكي” هو تحجيم وظلم فادح لطاقة وطنية هائلة.

إن الجاليات السودانية اليوم—وفي مقدمتها التجمع البشري الضخم في جمهورية مصر العربية—تحتضن ثروة غير مرئية تفوق في قيمتها كل المنح الدولية: مخزون الخبرات المتراكمة: آلاف الكوادر الأكاديمية والطبية والهندسية التي انخرطت في بيئات عمل متطورة، واكتسبت أدوات التخطيط الحديثة وإدارة المشاريع المعقدة .

رأس المال الوطني المهاجر: رجال أعمال وأصحاب مبادرات إنتاجية يملكون الرغبة في الاستثمار، متى ما وجدوا الأوعية الموثوقة والضمانات التي تحمي مبادراتهم من البيروقراطية والتآكل. الدبلوماسية الشعبية والحضور الناعم: شبكات علاقات ممتدة مع المؤسسات الدولية والمنظمات التنموية، قادرة على كسر العزلة وجلب الدعم الفني لإعمار البنى التحتية المتداعية.

ثانياً: شرط العبور.. إسقاط أدوات الفشل القديمة

غير أن تحويل هذا الشتات إلى قوة بناء وطنية يصطدم مباشرة بنفس المعضلة التي قيدت العمل العام لعقود: لا يمكن لجالياتنا أن تُسهم في إعمار السودان وهي تُدار في مهجرها بعقلية المحاصصات، والترضيات، وتغليب الولاء الحزبي أو القبلي على معايير الكفاءة والتجرد. إن إعادة تدوير النخب العاجزة وتهميش طاقات الشباب والنساء في الأجسام الممثلة للمغتربين هو انتحار تنظيمي يُجهض أي مسعى للبناء.

إذا أرادت الجالية السودانية فى مصر ان تكون جسرا حقيقيا للنهوض ، فلا بد من شجاعة أخلاقية ومؤسسية تعتمد على :

  1. المؤسسية الشفافة: الانتقال من “الكيانات الشكلية والاجتماعية المغلقة” إلى “مؤسسات خدمية وتنموية محوكمة”، تُدار بحسابات مدققة وتخضع للمساءلة الدورية.
  2. صناديق التنمية لا صناديق الاستهلاك: تطويرأوعية التكافل من مجرد إعانات عاجلة إلى صناديق استثمارية وقفية وتعاونية تدعم الإنتاج، وتؤسس مشاريع حيوية في قطاعات الصحة والتعليم والطاقة البديلة، سواء لخدمة مجتمعات الجالية أو لإسناد المناطق المستقرة بالداخل.
  3. الجدارة والاستحقاق: إفساح المجال واسعاً أمام العقول الشابة والمستقلة التي صقلتها التجارب الحديثة، لتتصدر مواقع التوجيه والتنفيذ بعيداً عن أسلوب “القوائم الجاهزة” والتزكيات الصورية.

ثالثاً: الجالية كنواة للدولة المرتجاة

إن التجارب الرائدة للأمم التي أعادت بناء نفسها بعد الحروب—من فيتنام إلى رواندا وألمانيا—تؤكد أن نماذج الحكم الرشيد وإدارة الموارد كانت تُختبر أولاً في وعي وسلوك جالياتها بالخارج قبل أن تُنقل إلى الداخل المحرر.

إن تقديم الجالية السودانية لنموذج انتخابي حضاري، وتحالفات مدنية واعية، وإدارة كفؤة لملفاتها التعليمية والصحية والاجتماعية في بلاد الاستضافة، ليس مجرد حل لمعضلة يومية؛ بل هو «تمرين ديمقراطي ومؤسسي عملي» يثبت للعالم ولأنفسنا أولاً، أن هذا الشعب قادر على ممارسة الحرية والمسؤولية والحوكمة متى ما تحرر من القيود البيروقراطية والوصاية النخبوية.

كلمة أخيرة.. في الميزان

إن الجغرافيا قد تضيق، ونيران المدافع قد تهدم الحجر والمدن، لكن الأوطان لا تموت ما دامت فكرتها حية في قلوب أبنائها وعقولهم.

إن الشتات السوداني اليوم ليس دليلاً على الانكسار، بل هو رصيد الأمة المدخر ليوم قيامتها ونهوضها. والرهان الحقيقي لا يقف عند ترقب ما ستسفر عنه التسويات السياسية أو المعارك الميدانية، بل في قدرتنا هنا والآن—حيثما وجدنا—على تنظيم صفوفنا، وتسنيد تضامننا، وبناء قواعد المؤسسة الرشيدة.

فالأمم العظيمة هي التي تحوّل منافيها إلى معسكرات للتفكير والإنتاج، لتعود غداً إلى أرضها لا لتستجدي الإعمار، بل لتقوده بسواعد أبنائها وخبراتهم التي نضجت في أتون التحدي.

Leave A Reply

Your email address will not be published.