مدخل قرآني لمشكلات المجتمع السوداني | أ. د طارق الصادق عبد السلام | الاستخلاف لا يبدأ بالسيف
مدخل قرآني لمشكلات المجتمع السوداني
أ. د طارق الصادق عبد السلام
الاستخلاف لا يبدأ بالسيف
كيف يعيد القرآن ترتيب العلاقة بين القوة والرسالة؟
من أكثر الأخطاء التي وقعت فيها بعض القراءات السياسية للإسلام أنها جعلت القوة نقطة البداية، حتى أصبح الوصول إلى السلطة هو المدخل الطبيعي لإقامة الدين.
لكن المتأمل في القرآن يكتشف أن الله تعالى رتب المشروع الاستخلافي ترتيبًا مختلفًا تمامًا.
فأول ما نزل من الوحي لم يكن أمرًا بإقامة دولة، ولا ببناء جيش، ولا بإعداد قوة، وإنما كان كلمة واحدة:
﴿اقْرَأْ﴾
وكأن القرآن يريد أن يقرر منذ اللحظة الأولى أن النهضة تبدأ ببناء الوعي قبل بناء السلطان.
ثم استمر العهد المكي ثلاثة عشر عامًا لم تنزل فيه تشريعات الدولة، ولا أحكام الحدود، ولا نظم الإدارة، وإنما انصب الوحي على بناء العقيدة، وتحرير العقل، وتزكية النفس، وتكوين الجماعة المؤمنة.
ولم يكن ذلك تأخيرًا للمشروع السياسي، بل تأسيسًا له.
فالدولة التي لا يسبقها بناء الإنسان سرعان ما تتحول إلى سلطة بلا رسالة.
وهذا الترتيب نفسه نجده في سورة النمل.
فحين عرضت السورة نموذج دولة سليمان عليه السلام، لم تبدأ بالقوة العسكرية، بل بدأت بالعلم.
قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾
ثم عرضت حسن التنظيم.
ثم إدارة المعلومات.
ثم صناعة القرار.
ثم العلاقات الدولية.
ثم جاءت القوة في موضعها الطبيعي داخل هذا البناء المتكامل.
حتى عندما ظهرت القوة، لم تكن أول وسيلة استخدمت.
بل بدأ سليمان بالرسالة:
﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾
إنها رسالة بالغة الدلالة.
فالحجة تسبق السيف.
والدعوة تسبق المواجهة.
والبيان يسبق القتال.
وهذا ليس ضعفًا، وإنما هو التعبير الحقيقي عن فلسفة الاستخلاف.
فالمقصود من القوة ليس إخضاع الناس، وإنما إزالة العوائق التي تحول بينهم وبين الهداية.
ولذلك انتهت قصة سبأ بالإسلام، ولم تنته بمعركة.
وانتهت بهداية الملكة، ولم تنته بإذلالها.
وهنا يظهر الفرق بين دولة الرسالة ودولة الهيمنة.
فدولة الهيمنة تجعل القوة هي الأصل، ثم تبحث لها عن مبررات.
أما دولة الرسالة فتجعل الرسالة هي الأصل، ثم تجعل القوة خادمة لها عند الحاجة.
ولعل هذا هو أحد المفاتيح التي تساعد في قراءة تجارب الحركات الإسلامية المعاصرة.
فقد انشغل كثير منها بالسؤال: كيف نمتلك السلطة؟
بينما كان السؤال القرآني هو:
كيف نبني الإنسان الذي يحمل الرسالة؟
وكيف نبني المجتمع الذي يحفظها؟
وكيف نبني المؤسسات التي تديرها؟
فإذا اكتمل ذلك، أصبحت السلطة ثمرة طبيعية، لا غاية مستقلة.
ولعل التجربة السودانية تقدم درسًا بالغ الأهمية في هذا الباب.
فقد برز اهتمام واضح بإقامة الدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة، وهي مقاصد جليلة في أصلها، لكن التجربة أظهرت أيضًا أن بناء السلطة إذا سبق اكتمال بناء المجتمع، وترسيخ ثقافة العدل، وإعداد المؤسسات، وإنتاج المعرفة، فإن المشروع يصبح معرضًا لاختبارات قاسية؛ لأن السنن الإلهية لا تتغير برفع الشعارات، وإنما تتحقق باستيفاء أسبابها.
ومن هنا فإن المشكلة ليست في الاهتمام بالدولة، ولا في السعي إلى تطبيق الشريعة، وإنما في اختلال ترتيب الأولويات.
فالقرآن يبدأ بالعقيدة.
ثم بالعلم.
ثم ببناء الإنسان.
ثم ببناء الجماعة.
ثم بالمؤسسات.
ثم بالدولة.
ثم تأتي القوة لتحرس هذا البناء، لا لتنشئه من العدم.
وهذا يقودنا إلى قانون كلي أراه من أهم القوانين التي يكشفها مشروع التحليل المضموني:
كل مشروع يجعل القوة نقطة البداية، يستهلكها في تثبيت وجوده، أما المشروع الذي يجعل القوة ثمرة لبناء الإنسان والعلم والمؤسسات، فإنها تتحول إلى أداة لحماية العمران واستمرار الرسالة.
إن العالم الإسلامي اليوم لا يحتاج إلى مراجعة أدواته السياسية فحسب، بل يحتاج قبل ذلك إلى مراجعة ترتيب أولوياته في ضوء القرآن.
فالنهضة لا تبدأ من فوهة البندقية.
ولا من كرسي الحكم.
ولا من أجهزة الدولة.
بل تبدأ من بناء الإنسان، وإنتاج المعرفة، وإقامة العدل، وصناعة المجتمع الذي إذا جاءت إليه السلطة، وجدته مهيأً لحملها.
وهذا هو الفرق بين التمكين السياسي الذي قد يتحقق ثم يزول، والاستخلاف القرآني الذي يبني الإنسان أولًا، ثم يبني به الحضارة.
وهذا المقال يمثل أحد التطبيقات العملية لمشروع “التحليل المضموني للقرآن الكريم في ضوء المشروع العمراني الاستخلافي السنني”، الذي يسعى إلى إعادة اكتشاف ترتيب القرآن لأولويات بناء الأمة، واستخراج السنن الكلية التي تحكم نشأة الحضارات واستقرار الدول، بعيدًا عن القراءة التجزيئية للنصوص أو اختزال الرسالة في جانب واحد من جوانبها.