محمد الرفيع محمد أحمد يكتب : يا (سهل).. امشي على مهل.. فلن نترككم مهما حصل

22

يا سهل.. امشي على مهل.. فلن نترككم مهما حصل

 

محمد الرفيع محمد أحمد

 

بالأمس الحزين، خيّب المريخ آمال جماهيره وتطلعاتها، وغادر بطولة دوري أبطال أفريقيا في مشهدٍ موجع الوطأة، مرّ المذاق، خلّف غصّة في الحلاقيم، واحتقاناً في النفوس، وامتعاضاً مستعراً في صدور الأنصار. صحيح أن كرة القدم مدارها بين كسبٍ وخسران، غير أن الخروج هذه المرة جاء عصيّاً على التبرير، مستعصياً على التماس الأعذار، خصوصاً أن الفريق حظي بمجلس إدارة موقر، سخيّ اليد، كريم العطاء، رغم أن تكليفه جاء في إطار زمني محدد. وقد تصدّى المجلس للمهمة، وقبل التحدي، ونهض بأعباء المسؤولية برباطة جأش وسعة صدر، في وقت كان فيه المريخ يتخبّط في متاهات الشتات، وتتناوشه أسباب الضياع.

مجلس الباشمهندس سهل شدّ الأحزمة، واستجمع العزائم، وتحمّل أوزار التركة الثقيلة، وما خلّفته المراحل السابقة من تبعات وتراكمات. استطاع أن يلمّ الشمل، ويجمع أشتات الكيان الذي تناثر بين هذا الطرف وذاك، بعدما أمسى النادي نهباً للإهمال، وتبعثرت أوراقه في أيدٍ أوهَنَت بنيانه وأضاعت بوصلته.

ومع قدوم مجلس سهل، كان أول ما استوجب الحمد والشكر لله أن المريخ أصبح في كفوفٍ أمينة، وصدورٍ مشفقة على مصيره، تخشى عليه التفريط وتستشعر عظم الأمانة. التأم شمل الكيان، وبدأ جسده المنهك يسترد عافيته، وتنهض أعضاؤه التي أقعدها الوهن، حتى دبّت الحياة في أوصاله، واستعاد الدم دورته في شرايينه، وأبصرت عيناه النور بعد إغماءة مديدة.

تلك شهادة للتاريخ، وحقٌّ تقتضيه الأمانة، وجميلٌ يستوجب الإنصاف، ولا يجحد هذه الحقائق إلا مكابر أو جاحد.

وبما أن التجربة كانت وليدة، والعمل الرياضي جديداً على المهندس سهل شخصياً، فهو بشر يخطئ ويصيب، والمراجعة الصادقة مِبضع الإصلاح، ومفتاح الاستدراك. ومن هذا المنطلق، أوجز أبرز مواطن الخلل في النقاط التالية:

أولاً: الإخفاق في اختيار الجهاز الفني

التعاقد مع مدرب متواضع القدرات، ممثلاً في الصربي داركو، الذي حظي بفرصة كافية امتدت لعامين كاملين، دون أن يضيف جديداً يُذكر، أو يترك بصمة فنية تشفع له، رغم الأجواء المثالية التي هُيّئت له. وقد كان قرار الإبقاء عليه طوال هذه المدة استنزافاً للوقت، واستنزافاً للفرص، وقاصمةً لظهر الطموح المريخي.

ثانياً: تضخم ملف المحترفين الأجانب وغياب الإضافة النوعية

شهدت الفترة تعاقدات بالجملة مع لاعبين أجانب، عجز معظمهم عن صناعة الفارق أو تقديم الإضافة المنتظرة، باستثناء قلة قليلة. وانتهى الأمر إلى أن أصبح بعضهم عبئاً على الخانة، وخصماً من فرص اللاعب الوطني. ولأن المدرب، الذي أثبتت التجربة محدودية مردوده، كان يلهث وراء النتائج، فقد ركن إلى جيش جرّار من المحترفين الأجانب، حتى غلبوا على التشكيلة الأساسية، في مشهد يثير تساؤلات جوهرية حول جدوى هذه التعاقدات ومعايير المفاضلة بين اللاعب المحلي والأجنبي.

ثالثاً: التسرع في منح الجنسية السودانية

التسرع في منح الجنسية السودانية لبعض اللاعبين الأجانب، في وقت لم تكن مستوياتهم الفنية ترقى إلى مقام الاستحقاق، أو تنهض بحجة مقنعة تبرر هذه الخطوة. وهي قرارات تستوجب مراجعة دقيقة، حتى تظل الجنسية مرتبطة بمعايير واضحة ومصلحة رياضية معتبرة.

رابعاً: غياب الفاعلية عن القطاع الرياضي

ظل القطاع الرياضي بأكمله، ومدير الكرة على وجه الخصوص، دون بصمة فنية أو إدارية مؤثرة تتجاوز المهام التنظيمية المعتادة، من حجوزات الفنادق وترتيب الوجبات وتأمين متطلبات الإقامة. وهي مهام ضرورية، لكنها قاع المسؤولية وليست ذروتها. فإدارة الكرة في الأندية الكبيرة تتطلب خبرة تراكمية، وقدرة على قراءة احتياجات الفريق، وضبط بيئته، ومعالجة أزماته، وتهيئة أسباب الاستقرار الفني والنفسي.

وحَوّاء المريخ ولّادة، وفي رحاب الكيان قامات فنية، وكفاءات مقتدرة، وخبرات مشهودة، وسير مهنية ناصعة، ممن يملكون المؤهلات التي تخوّلهم الاضطلاع بهذه المسؤوليات عن جدارة واستحقاق. ومن المؤسف أن تبقى هذه الطاقات خارج دائرة الاستفادة، بينما تتطلب المرحلة استدعاء الكفاءات ووضع الرجل المناسب في الموقع المناسب.

خامساً: اختلال معايير التعاقدات

لم تقم آلية التعاقدات على أسس فنية دقيقة، أو معايير موضوعية محكمة، ويبدو أن المجلس وقع في شِراك سماسرة المكاتب ودهاليز الوساطة، فغلبت اعتبارات التسويق والترويج على مقتضيات الحاجة الفنية. وباتت بعض التعاقدات أقرب إلى إرضاء الضجيج الإعلامي واستدرار التصفيق منها إلى بناء فريق متجانس، متكامل العناصر، قادر على مجابهة الاستحقاقات الكبرى.

إن التعاقد الناجح يبدأ من تشخيص الخلل، وتحديد الاحتياج، ثم اختيار اللاعب الذي يسد الثغرة ويصنع الفارق، وفق رؤية فنية واضحة. وما دون ذلك إنفاقٌ بلا عائد، وصفقاتٌ تستنزف الموارد وتبدّد الآمال.

تلك ملاحظات موجزة، قصدت بها إضاءة مواضع الخلل التي أسهمت، في تقديري، في خروج المريخ من الأدوار التمهيدية لبطولة دوري أبطال أفريقيا. وهي ملاحظات تنطلق من الحرص على الكيان، وتستهدف تقويم المسار، بعيداً عن تصفية الحسابات أو النيل من الأشخاص.

ونحن إذ نجدد الثقة بمجلسكم الموقر، ونلتمس العذر لتجربة وليدة في ميدان العمل الرياضي، فإننا نفعل ذلك بعينٍ ترى ما أُنجز، وبعينٍ ترصد ما ينبغي استدراكه. فقد كشفت التجربة عن دروس قاسية، ومن شأن حسن استيعابها أن يحوّل الإخفاق إلى معرفة، والتعثر إلى نقطة انطلاق، والخسارة إلى رأسمالٍ من الخبرة المتراكمة.

غير أن الثقة مسؤولية متبادلة، والمحبة الصادقة لا تعفي من المصارحة. ومن هنا، نناشدكم الشروع الفوري في قرارات التصحيح، فمواطن الخلل سافرة المعالم، ماثلة للعيان، ولا تحتاج إلى كثير استبصار. ويأتي في مقدمة ذلك حسم ملف الجهاز الفني، وإعادة تقييم المحترفين، ومراجعة ملف التجنيس، وإعادة بناء القطاع الرياضي على أسس الكفاءة والخبرة، وإحكام منظومة التعاقدات بعيداً عن سطوة السماسرة وضجيج الإعلام.

يا باشمهندس سهل.. إن المريخ أمانة في أعناقكم، وجماهيره منحتكم ثقتها وهي تتطلع إلى مشروع يعيد للفريق هيبته، ويصون موارده، ويضعه في المكان الذي يليق بتاريخه وطموحاته. وما نرجوه أن تكون هذه العثرة آخر فصول الارتباك، وأول عتبات التصحيح، وأن تستعيد القرارات المقبلة ثقة الجماهير، وتؤسس لعمل مؤسسي راسخ، تُقاس نتائجه بما يتحقق في الميدان، لا بما يُقال في المنابر.

سنظل إلى جواركم ما استقام المسار، وسنظل أوفياء للمريخ في كل الأحوال، فدعمنا للمجلس نابع من انحيازنا للكيان، ومحاسبتنا له نابعة من الحرص ذاته. فالوفاء للمريخ عهدٌ لا تسقطه الخسارة، والنقد الصادق سياجٌ يحمي العهد من التآكل.

هذا والله الموفق.

همسة من أشعاري:

بدأت تراودني الشكوك وأحسّ أني أعتكف

وأهجر لمضمار السباق.. لا داعي إني أنا أستخف

محمد الرفيع محمد أحمد

 

 

Leave A Reply

Your email address will not be published.