ما بعد العودة (1): من الوصول إلى الديار إلى استعادة شروط الحياة

80

 

 

من عمق المشهد

د. ست البنات حسن

حين يفتح النازح باب منزله بعد غياب طويل، لا يعود إلى المكان نفسه الذي غادره، ولا يعود هو أيضًا الإنسان نفسه. فالحرب لا تغيّر ملامح المدن والقرى وحدها، بل تعيد تشكيل النفوس والعلاقات والذكريات ومعنى الأمان ذاته. وقد يبدو الوصول إلى الديار نهاية رحلة النزوح، لكنه في الحقيقة بداية رحلة أشق: رحلة الانتقال من النجاة الفردية إلى التعافي المجتمعي، ومن استعادة المكان إلى استعادة شروط الحياة.
تشير أحدث بيانات مصفوفة تتبع النزوح التابعة للمنظمة الدولية للهجرة إلى عودة أكثر من 4.4 ملايين شخص إلى مناطقهم، في مقابل بقاء نحو 8.8 ملايين نازح داخليًا في ولايات السودان الثماني عشرة. كما سجلت المنظمة عودة ما يقارب 954 ألف شخص من دول الجوار إلى السودان بين يناير 2024 ويونيو 2026. وتؤكد هذه الأعداد الكبيرة أن العودة لم تعد حالات فردية متناثرة، بل أصبحت تحولًا اجتماعيًا وسكانيًا واسعًا يحتاج إلى سياسة وطنية شاملة.
غير أن الأرقام لا تروي القصة كاملة؛ فقد يعود الإنسان جغرافيًا إلى مدينته، بينما يظل نازحًا داخلها إذا لم يجد منزلًا صالحًا للسكن، أو ماءً آمنًا، أو مدرسة لأطفاله، أو علاجًا لمرضاه، أو عملًا يحفظ كرامته.
ولذلك ينبغي التمييز بين العودة إلى المكان والعودة إلى الحياة؛ فالأولى حركة انتقال جغرافي، أما الثانية فعملية طويلة لإعادة بناء شروط الاستقرار والانتماء والثقة. وقد يكون من السهل تسجيل عدد العائدين، لكن الأصعب هو معرفة عدد الذين استطاعوا البقاء، واستعادوا مصادر دخلهم، وألحقوا أطفالهم بالمدارس، وشعروا بأن حياتهم لم تعد مهددة بالانهيار من جديد.

من حلم العودة إلى صدمة الواقع

ظلت العودة بالنسبة إلى ملايين السودانيين حلمًا مؤجلًا طوال سنوات النزوح؛ عاش بعضهم في مراكز الإيواء، واستضافت الأسر والمجتمعات المحلية أعدادًا كبيرة منهم، بينما عبر آخرون الحدود إلى دول الجوار بحثًا عن الأمان. وفي كل تلك الحالات بقي المنزل في المخيلة رمزًا للحياة التي توقفت، وللخصوصية التي ضاعت، وللزمن الذي يتمنى الناس استعادته.
لكن لحظة الوصول قد تحمل صدمة جديدة. فبعض العائدين يجدون منازلهم مهدمة أو محترقة أو منهوبة، وبعضهم يجد الأبواب والنوافذ والأسلاك الكهربائية والأثاث قد اختفت، بينما تغيرت أحياء كاملة، وتوقفت الأسواق والمرافق، وغاب الجيران الذين كانوا يصنعون ألفة المكان.
إن المنزل ليس جدرانًا وسقفًا فقط، بل شبكة من العلاقات والذكريات والعادات اليومية. ولذلك قد يعود الإنسان إلى عنوانه القديم، لكنه لا يجد الحي الذي عرفه، ولا الوجوه التي ألفها، ولا الإيقاع الاجتماعي الذي كان يمنحه الشعور بالانتماء.
ولا تقف المشكلة عند الضرر المادي؛ فقد تنشأ نزاعات حول ملكية المنازل والأراضي، أو تظهر حالات إشغال للمساكن، أو تضيع الوثائق التي تثبت الملكية والهوية والحقوق. وقد تصبح الأسرة مطالبة بإثبات حق كان مستقرًا قبل الحرب، في وقت فقدت فيه أوراقها أو دُمرت المؤسسات التي تحفظ السجلات.
وهنا يصبح توفير آليات قانونية سريعة وعادلة لحسم النزاعات وحماية الملكيات شرطًا أساسيًا لسلامة العودة. فبيت يُرمم دون أن تُحسم ملكيته قد يتحول من موضع للاستقرار إلى سبب لنزاع جديد. كما أن ترك هذه القضايا للأعراف المتفاوتة أو لموازين القوة المحلية قد يفتح الباب أمام الاستيلاء والابتزاز وإعادة تشكيل الملكيات بقوة الأمر الواقع.

الخدمات الأساسية: امتحان العودة الأول

لا يمكن مطالبة الأسر بالعودة إلى أحياء تفتقر إلى الماء والكهرباء والرعاية الصحية ووسائل النقل. فالخدمات ليست تحسينات تكميلية تأتي بعد العودة، بل شروط لازمة لحدوث عودة آمنة ومستدامة.
وتكشف أرقام منظمة الصحة العالمية عن حجم التحدي؛ إذ إن نحو 37 في المائة من المرافق الصحية في السودان لا تزال خارج الخدمة، بينما تعاني المرافق العاملة نقص الكوادر والأدوية والمعدات والمياه والكهرباء. كما وثقت المنظمة 201 اعتداء على مرافق الرعاية الصحية والعاملين فيها بين أبريل 2023 ونهاية ديسمبر 2025.
وهذا يعني أن عودة السكان إلى بعض المناطق قد تسبق قدرة المؤسسات الصحية على خدمتهم، بما يعرض الأطفال والحوامل وكبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة لمخاطر إضافية. كما أن نقص المياه المأمونة وتعطل شبكات الصرف وتراكم النفايات قد يحول الأحياء العائدة إلى بيئات مهيأة لانتشار الأوبئة.
ومع ذلك، لا ينبغي انتظار إعادة البناء الكامل قبل بدء العودة، كما لا يجوز دفع المواطنين إلى عودة غير مدروسة ثم تركهم يواجهون المصير وحدهم. والمطلوب هو تحديد مستويات واضحة ومعلنة لجاهزية كل منطقة، تشمل سلامة الأحياء، وصلاحية مصادر المياه، ووجود مركز صحي يعمل، وفتح طرق الوصول، وتوافر المدارس والأسواق، والقدرة على إزالة النفايات ومخلفات الحرب.
وينبغي نشر هذه المعلومات بصورة منتظمة، حتى تتخذ الأسر قراراتها بناءً على معرفة حقيقية، لا على الشائعات أو الوعود العامة أو ضغط الحاجة. فالعودة الآمنة تقتضي أن يكون المواطن شريكًا في القرار، لا مجرد رقم يُضاف إلى إحصاءات العائدين.
وبغير هذه المعايير قد تتحول العودة إلى نزوح ثانٍ؛ إذ تصل الأسرة إلى منزلها، وتنفق ما تبقى لديها في إصلاحه، ثم تضطر إلى المغادرة مرة أخرى بسبب غياب الخدمات أو انعدام الأمن أو استحالة كسب العيش. وحينئذ تكون قد فقدت مواردها القليلة، وتعرضت لصدمة جديدة، وأصبحت العودة نفسها مصدرًا لمزيد من الهشاشة.

الأطفال: العودة إلى المدرسة قبل ضياع جيل

يتحمل الأطفال العبء الأثقل للحرب والنزوح؛ فقد انقطع ملايين منهم عن التعليم، وعاشوا الخوف وفقدان الأقارب وتبدل البيئات، واضطر بعضهم إلى العمل أو تحمل مسؤوليات تفوق أعمارهم.
وتقدر اليونيسف أن ثمانية ملايين طفل في سن الدراسة لا يزالون خارج المدارس، وأن قرابة نصف المباني المدرسية في السودان لم تعد تعمل بوصفها فصولًا دراسية، بعد تعرض بعضها للضرر واستخدام بعضها الآخر مراكز لإيواء النازحين.
ولا تكمن خطورة هذا الانقطاع في فقدان عام أو عامين دراسيين فقط؛ فكلما طالت مدة ابتعاد الطفل عن المدرسة، تضاءلت فرص عودته إليها، وازدادت احتمالات دخوله المبكر إلى سوق العمل، أو تعرضه للاستغلال والعنف والتجنيد والزواج المبكر وغير ذلك من المخاطر.
لهذا فإن إعادة فتح المدرسة ليست شأنًا تعليميًا فقط، بل هي تدخل للحماية وإعادة الاستقرار النفسي والاجتماعي. فالمدرسة تعيد إلى الطفل نظام يومه، وعلاقته بأقرانه، وشعوره بأن المستقبل لا يزال ممكنًا، وتساعد الأسرة نفسها على استعادة قدر من الحياة الطبيعية.
ولا يكفي فتح الأبواب وإحضار المقاعد؛ لأن عددًا كبيرًا من الأطفال فقد سنوات دراسية كاملة، ويحتاج إلى برامج تعليم تعويضي، ومناهج مرنة، ودعم نفسي، ووجبات مدرسية، وتخفيف تكاليف التعليم والنقل. كما ينبغي تدريب المعلمين على التعامل مع الأطفال المتأثرين بالصدمات، حتى لا تدخل الحرب إلى الفصول عبر الخوف والعنف والعجز عن التركيز.
وقد أُعلن في مايو 2026 عن برنامج يستهدف إعادة أكثر من 328 ألف طفل إلى التعليم، وإعادة فتح نحو 850 مدرسة، ودعم أكثر من تسعة آلاف معلم، وإنشاء قرابة 1800 مساحة تعليمية آمنة. وهي خطوة مهمة، لكن مقارنة هذه الأعداد بحجم الأطفال الموجودين خارج المدارس تبين أن الأزمة أكبر من أن تعالجها مشروعات محدودة، وأن الحل يحتاج إلى مشروع وطني واسع يجعل التعليم في مقدمة أولويات التعافي.
كما ينبغي ألا تقتصر إعادة التعليم على المدن والمناطق الأسهل وصولًا، وإلا نشأ تفاوت جديد بين الأطفال بحسب مكان العودة. فحق الطفل في التعليم لا ينبغي أن يتحدد بموقع أسرته أو قربها من مراكز النفوذ والتمويل.

ترميم النفوس قبل طلاء الجدران

يعود كثير من الناس حاملين ما لا يظهر في الصور: الخوف، والحزن، وذكريات القتل والقصف، وفقدان الأقارب، والقلق من تجدد الحرب. وقد يكون المنزل قائمًا، لكن صاحبه لا يستطيع النوم فيه؛ لأن المكان نفسه أصبح مرتبطًا في ذاكرته بلحظات الرعب والفقد.
وقد تظهر آثار الصدمة في صورة قلق دائم، أو اضطراب في النوم، أو عزلة، أو غضب، أو عنف أسري، أو خوف مفرط لدى الأطفال، أو عجز عن العودة إلى العمل والدراسة. وإذا لم تُفهم هذه الأعراض بوصفها آثارًا للحرب، فقد يُلام المتضرر على ضعفه أو سلوكه، بينما هو في الحقيقة يحتاج إلى المساندة والعلاج.
لذلك لا يجوز اختزال إعادة الإعمار في الإسمنت والحديد. فالدعم النفسي والاجتماعي ينبغي أن يُدمج في مراكز الرعاية الصحية الأولية والمدارس والمراكز المجتمعية، مع إعطاء أولوية للأطفال والنساء وكبار السن وذوي الإعاقة والأشخاص الذين فقدوا أفرادًا من أسرهم.
وينبغي كذلك إعداد كوادر محلية قادرة على اكتشاف الحالات التي تحتاج إلى مساعدة متخصصة، وإحالتها إلى الجهات المناسبة، بدل انتظار وصول أعداد محدودة من المختصين إلى جميع المناطق.
كما أن التعافي لا يقتصر على الجلسات الفردية؛ فاستعادة النشاط الاجتماعي، وعودة الأسواق والمدارس ودور العبادة والنوادي، وإحياء المبادرات التطوعية والمناسبات الجماعية، كلها تساعد المجتمع على استرداد توازنه. فالإنسان يتعافى داخل جماعة تمنحه الشعور بالأمان والانتماء، لا داخل منزل معزول وإن اكتمل ترميمه.

مصدر الدخل: سؤال العودة الأصعب

قد يجد العائد جدران منزله، لكنه لا يجد الوظيفة التي كان يعمل بها، أو المصنع الذي أغلق، أو السوق الذي كان يبيع فيه، أو الأرض التي تعذر الوصول إليها، أو الأدوات التي كان ينتج بها. وهنا يظهر أن المسكن وحده لا يصنع استقرارًا.
وتزداد خطورة ذلك في ظل أزمة غذائية واسعة؛ إذ تشير تقديرات برنامج الأغذية العالمي لعام 2026 إلى أن نحو 19.5 مليون شخص، أي قرابة اثنين من كل خمسة سودانيين، يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي.
إن الأسرة التي لا تجد مصدرًا للدخل ستظل معتمدة على المساعدات، وقد تضطر إلى بيع ما تبقى لديها أو إخراج أطفالها من المدارس أو مغادرة منطقتها من جديد. ومن ثم ينبغي الانتقال تدريجيًا من الإغاثة التي تحفظ الحياة إلى اقتصاد التعافي الذي يعيد للإنسان قدرته على الإنتاج والاستقلال.
ويشمل ذلك تقديم منح صغيرة وقروض ميسرة، وتعويض الأدوات والمعدات المفقودة، ودعم المزارعين بالبذور ومدخلات الإنتاج، وإعادة تأهيل الأسواق والطرق ومرافق التخزين، وتسهيل عودة الحرفيين وأصحاب المشروعات الصغيرة.
غير أن القروض لا تصلح لكل الأسر؛ فمَن فقد منزله ومصدر رزقه ولا يملك دخلًا ثابتًا قد تتحول القروض بالنسبة إليه إلى عبء جديد. ولهذا ينبغي التمييز بين مَن يحتاج إلى منحة تعويضية، ومَن يستطيع الاستفادة من التمويل الميسر، ومَن يحتاج إلى تدريب أو أدوات إنتاج أو فرصة عمل مباشرة.
والأفضل أن تُعطى الأولوية للمشروعات كثيفة التشغيل والسريعة الأثر، مثل إصلاح المنازل، وصيانة شبكات المياه، وإزالة الأنقاض، وإعادة تأهيل المدارس والمراكز الصحية. وبهذا يصبح العائدون أنفسهم شركاء في إعادة البناء، ويتقاضون دخلًا مقابل عملهم، بدل أن يظلوا متلقين دائمين للمساعدات.
لكن توفير المنزل والخدمات والتعليم والعمل، على ضرورته، لا يكفي وحده لضمان عودة مستدامة. فقد تستعيد الأسرة مكانها، لكنها لن تستعيد استقرارها الكامل ما لم تجد أمنًا يحميها، وعدالة تنصفها، ومؤسسات تمنع تكرار المأساة.
وهنا تنتقل قضية العودة من تدبير احتياجات العائدين إلى سؤال أكبر: كيف نجعل العودة مدخلًا لإعادة بناء المجتمع والدولة، لا مجرد استئناف مؤقت للحياة فوق أنقاض الأزمة؟

ذلك ما نتناوله إن شاء اللّه في الجزء الثاني: من إعادة الإعمار إلى صياغة عقد اجتماعي جديد.

Leave A Reply

Your email address will not be published.