قطر الخيرية … الصرح الشامخ بقلم/ بابكر عيسى أحمد 

257

قطر الخيرية … الصرح الشامخ

الأحد، 4 أغسطس 2024
بقلم/ بابكر عيسى أحمد 


من أجل أطفالنا الذين تهددهم المجاعة وتقتلهم المسغبة … ومن أجل أخواتنا وأمهاتنا اللآئي يغتصبن في قارعة الطريق … ومن أجل أباءنا الذين يعجزون عن السفر أو الإنتقال إلى أماكن بعيدة أو عبر الحدود بسبب الأمراض … ومن أجل الحياة التي أحرقتها عبثية الحرب اللعينة … وبسبب غياب ثقافة التسامح والتعايش والسلام ونبذ الكراهية تعيش بلادنا السودان في محنة بائسة غابت عنها سلطة الدولة وتوارت العدالة وغاب القانون.
وسط كل ذلك والعتمة تلف المكان وحيويات الناس وتزداد معاناتهم وتتراكم عليها المصائب أطلقت جمعية قطر الخيرية -الصرخ الشامخ- لإغاثة المنكوبين ومساعدة البائسين “نفرة” لإغاثة أهلنا في السودان الذين تقطعت بهم السبل وأصبحوا تائهين على وجوههم في كل الأرجاء بلا أمل يلوح في الأفق لإسكات صوت البنادق وإعادة النبض إلى شرايين الحياة للأسر التي هجرت بيوتها قسراً وباتت تفترش الأرض وتلتحف السماء.
ليس جديداً على “قطر الخيرية”  مثل هذه المبادرات الجليلة والكريمة والإنسانية، فقد ظلت مبادراتها موصولة وأيديها ممدودة لأهلنا في السودان في كل المنعطفات وضروب المعاناة التي يعانيها شعبنا بسبب هذا العبث الممنهج والفوضى المقصودة لتحويل وطن شامخ وعزيز إلى “دولة فاشلة” بكل المقاييس.
ما زلت أذكر -بالشكر والعرفان والتقدير- وقفات قطر الخيرية في حملات “أيدينا للبلد” و “جائحة كورونا” و”سالمة يا سودان” في مواجهة الفيضانات والسيول التي أغرقت البلد ودمرت الحياة في أكثر من مكان … مساهمة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد أمير البلاد المفدى بمبلغ 50 مليون ريال كانت فاتحة الخير لحملة “سالمه يا سودان” التي جمعت في أقل من ساعتين 100 مليون ريال.
جمعية قطر الخيرية التي ترفع شعار “حياة كريمة للجميع” هي منظمة غير حكومية دولية إنسانية وتنموية أسست سنة 1992 وفقاً للقوانين المنظمة للعمل الخيري في دولة قطر … وأصبحت ساعد الخير والعطاء والمساندة الإنسانية في أكثر من 181 دولة تبدأ بميانمار وتنتهي بالجابون كما أن لها مكاتب فاعلة ونشطة في أكثر من 70 دولة وتنسق مع المؤسسات الإنسانية في العالمين العربي والإسلامي بل وتعتبر من أكبر المؤسسات العاملة في مجال الإغاثة وفي حال وقوع الكوارث إضافة إلى المشروعات التنموية وقد تجسدت هذه الجهود في زلزال المغرب وفيضانات ليبيا وأحداث فلسطين وما لحق بقطاع غزة من تدمير وحشي وممنهج ومن قبل الزلزال الذي ضرب تركيا إلى جانب المأساة الإنسانية في سوريا وضراوة الإقتتال العبثي في السودان.
تشرفنا يوم الثلاثاء 30/07/2024  بزيارة لمقر قطر الخيرية بمنطقة لوسيل حيث كان اللقاء دافئاً من فريق العمل المتجانس بصحبة الزميل الصحفي السيد الحاج أبورقة وسلمنا السيد محمد حمود مدير مكتب الرئيس التنفيذي “رؤية لدعم حملة نفرة جمعية قطر الخيرية لإغاثة ودعم أهلنا في السودان” … كانت البناية لوحة من التجانس كما كان العاملون على مختلف جنسياتهم خلية نحل تعمل بلا كلل أو ملل من أجل الخير الذي تحمله إسم الجمعية مقروناً بقطر الفتية وأهلها الكرماء.
في 13 سبتمبر عام 2020  كتبت في ذات المساحة مقالة بعنوان “كعبة المضيوم” قبلة للباحثين عن السلام والإستقرار وأن حملة “سالمة يا سودان”  تؤكد نبل أهل قطر وعمق العلاقة بين الشعبين الشقيقين فيما ظلت 16 ولاية من جملة 18 ولاية تعاني من مخاطر الفيضانات والسيول والأمطار الغزيرة … وتزداد المعاناة مع غياب ونقص الادوية والأمصال في وقت تتعاظم مخاطر العقارب والثعابين والأمراض المختلفة التي تفتك بالجميع بلا استثناء … واعترفت الحكومة بأن الكارثة أكبر من امكانياتها، وهو ما جعلها عاجزة ومشلولة.
تلك الحملة “سالمة يا السودان” خرجت بصورة رائعة ومؤثرة وتسابق أهل قطر لإغاثة أهلهم في السودان وحتى الأطفال والنساء كانوا حضوراً في ذلك الكرنفال الإنساني الجميل وتدفقت التبرعات على التوالي فيما مشاهد الغرق والدمار والأسر المشردة تنعكس على شاشة تلفزيون قطر والجزيرة لتزاوج بين الموقفين الإنساني والواقعي.الآن المحنة أكبر والحرب دمرت البلاد وشردت العباد ولا تبدو في الأفق السياسي بارقة ضوء لحقن الدماء ووقف الحرب رغم الجهود الوطنية والإقليمية والدولية المقدرة وهو ما يستوجب ممارسة أكبر قدر من الضغوط لوقف الحرب.
تحت عنوان “وقفة قطر الشامخة أسعدت أهل السودان” كتبت مقالة بتاريخ 20 سبتمبر 2020 “أن الوطن ما زال مثخناً بالجراح … والأيدي الملوثة تستهدف تفجير الداخل السوداني” وقلت أن “وقفة قطر الشامخة ملحمة انسانية رائعة جعلت كل أهل السودان يتغنون بها ويرون فيها دعماً ومساندة دون متاجرة بأحزان والآم أهلنا في السودان”.
“نفرة  قطر الخيرية الآن” تحتاج إلى تكاتف كل الأيدي لتخفيف المعاناة وتجفيف الدموع و معالجة الجراح النفسية التي أصابت الوطن في مقتل وهذا يتطلب من الجميع إسقاط كل تناقضاتهم الثانوية سواء كانت حزبية أو عقائدية وأن ينتصروا للوطن حتى يخرج سالماً معافاً من وهدته الراهنة، وأنا على ثقة أن رجال وشباب ونساء السودان قادرون على إعادة بنائه وطناً للطهر والجمال والتعايش مع محيطه الدولي والإقليمي ولنتنادى جميعاً ف “الحصة وطن” … والجهد والبذل والعطاء يبدأ بأهل المأتم.

Leave A Reply

Your email address will not be published.