صحيفة القوات المسلحة | شيء للوطن | صلاح غريبة يكتب …… إعلام المدنية: من “بوق السلطة” إلى “حارس الحقيقة”
شيء للوطن
م.صلاح غريبة
Ghariba2013@gmail.com
إعلام المدنية: من “بوق السلطة” إلى “حارس الحقيقة”
بينما تقف البلاد على أعتاب مرحلة مفصلية من تاريخها السياسي، جاءت ورشة “مساحة الإعلام في ظل الحكومة المدنية” التي احتضنتها بورتسودان مؤخراً، لتضع النقاط على الحروف في قضية طالما كانت شائكة ومؤرقة: كيف نصنع إعلاماً حراً في دولة مدنية تخطو نحو الاستقرار؟.
لم تكن الورشة مجرد تظاهرة بروتوكولية، بل بدت كـ “مانيفستو” جديد لإعادة صياغة العلاقة بين السلطة وصحافة الورق والشاشة والمنصات الرقمية. حضور قيادات الدولة، وعلى رأسهم نائب رئيس مجلس السيادة الفريق مالك عقار ووزير الإعلام الأستاذ خالد الإعيسر، أعطى التوصيات ثقلاً سياسياً، لكن القيمة الحقيقية تكمن في جوهر ما طُرح من أوراق عمل وتوصيات تلمس جراح المهنة.
أبرز ما خرجت به الورشة هو التشديد على أن حرية الإعلام “حق دستوري أصيل” وليس منحة من حكومة أو هبة من مسؤول. هذا الوعي هو حجر الزاوية؛ فالحكومة المدنية المنشودة لا تكتمل ملامحها إلا بوجود إعلام يمتلك القدرة على النقد والتقصي دون خوف من ملاحقة قانونية كيدية. ولعل التوصية بـ “تريم مقاضاة الإعلام” وضمان “حق الوصول للمعلومة” تمثلان الترياق الحقيقي لمرض السرية الذي عطل مسيرة التنمية والشفافية لسنوات طويلة.
في ظل الحرب المعلوماتية التي يعيشها السودان، كان لزاماً التطرق لما قدمه الخبراء حول تهديدات “تضييق المساحة“. نحن نعيش في عصر أصبح فيه “الخبر الكاذب” أسرع انتشاراً من الحقيقة، وهو ما جعل التوصية بوضع “استراتيجية وطنية لمكافحة التضليل” ضرورة أمن قومي قبل أن تكون ضرورة مهنية. إن حماية النسيج الاجتماعي من “خطاب الكراهية” والتحريض السياسي عبر المنصات الرقمية هي المعركة الحقيقية التي يجب أن يخوضها الإعلام الوطني بمهنية وعقلانية.
التعهد الذي قطعه الوزير خالد الإعيسر بتنفيذ التوصيات وتشكيل لجنة متابعة هو خطوة في الاتجاه الصحيح، لكن الضمانة الحقيقية تكمن في “مأسسة” هذا الحراك. التوصية بتأسيس مجلس أعلى مستقل للإعلام يضم الأكاديميين والممارسين والمجتمع المدني، هي المخرج من نفق “الإعلام الموجه“. هذا المجلس يجب أن يكون هو الرقيب المهني، بعيداً عن تقلبات الأمزجة السياسية، لضبط أخلاقيات المهنة وتطوير الكوادر عبر التدريب المستمر.
إن إشادة الوزير بصمود القوات المسلحة وتضحيات شهداء الإعلام ليست مجرد لفتة وفاء، بل هي تذكير بأن كلفة الاستقرار كانت باهظة، وأن “الوعي الجمعي” هو السد المنيع الذي يحمي هذه التضحيات. الإعلام في المرحلة القادمة لا ينبغي أن يكون مجرد “ناقل للأخبار“، بل يجب أن يكون “شريكاً في البناء“، يحمي الحقيقة ويصون الديمقراطية.
إن مخرجات ورشة بورتسودان هي خارطة طريق متكاملة، والكرة الآن في ملعب السلطة التنفيذية لتحويل هذه التوصيات إلى تشريعات ملموسة، وفي ملعب الصحفيين لاستعادة زمام المبادرة المهنية. السودان لا يحتاج لإعلام يصفق، بل لإعلام يضيء الطريق ويحرس أحلام المدنية من التبخر.

لتصفح صحيفة القوات المسلحة العدد الصادر يوم الثلاثاء 30 ديسمبر 2025، مستخدما تطبيق Google drive، أضغط هنا ………..!
