اقتصاد المسكنات: كيف يُجهز “التمويل العاجز” على ما تبقى من مواسم الإنتاج؟

5

 

 

من عمق المشهد |

د. ست البنات حسن أحمد

تخوض القطاعات الإنتاجية في البلاد اليوم—وفي مقدمتها قطاعا الزراعة والتصنيع الزراعي—معركة خفية لا تقل ضراوة عن المعارك الميدانية؛ إنها معركة الصمود التأميني والتمويلي أمام شح الموارد وتداعي سلاسل الإمداد. وفي كل مرة يقترب فيها الموسم الزراعي من مواعيد رمي التقاويم أو حصد المحاصيل، يخرج علينا المسؤون في المؤسسات المالية والتنفيذية ببيانات احتفالية تُعلن عن “حزم تمويلية استثنائية” وشراكات إنقاذية لإسناد المزارعين والمنتجين.
غير أن قراءة هذه الإعلانات من عمق المشهد تكشف عن خديعة بنيوية تكاد تتكرر بصورة رتيبة: إن ما يُقدم باسم “الدعم والإنقاذ” ليس سوى حزم مسكنات متأخرة، تُصرف بخاطر ضيق، وفي توقيتات تُفرغ عملية التمويل من قيمتها التنموية والإنتاجية.
أولاً: أزمة “التوقيت القاتل”.. التمويل حين يصل بعد فوات الأوان
العملية الزراعية والإنتاجية ليست نشاطاً إدارياً يخضع لمشاوير المكاتب وحسابات الجمع والطرح النظري؛ فالأرض لا تنتظر موافقات اللجان التمويلية، والشتول لا تصمد أمام الجفاف لكي تكتمل إجراءات الضمانات والتعاميم البنكية.
إن الآفة الكبرى التي تقتل الموسم الإنتاجي في مهده تكمن في «متلازمة التمويل المتأخر»:
* يُقر التمويل للسماد أو الوقود أو التقاويم بعد أن يتجاوز المواقيت الفسيولوجية للنبات؛ فيضطر المزارع إما لشراء المدخلات من الأسواق الموازية بأسعار مجحفة، أو زراعة الأرض بمدخلات ضعيفة تُهدر طاقة التربة.
* وتُصرف ميزانيات الصيانة لمصانع السكر والمطاحن والمشاريع التحويلية في أواخر الموسم الإعدادي؛ مما يقلص فترة التشغيل الفعلي، ويجعل المصانع تدور بكسر طاقتها التصميمية، ليُعزى العجز لاحقاً إلى “ظروف قاهرة” بينما السبب الحقيقي هو البيروقراطية المصرفية.
التمويل الذي لا يصل في ميقاته المضبوط ليس تمويلاً؛ بل هو عبء إضافي يغرق المنتج في غياهب الديون والإعسار دون أن يحقق إنتاجاً يُذكر.
ثانياً: نقل المخاطر إلى الطرف الأضعف
المعضلة الأخرى في سياسات التمويل الحالية هي الإصرار على تطبيق شروط السلامة المصرفية التقليدية في ظروف استثنائية تعصف بالجميع.
في الوقت الذي يُطلب فيه من المزارع والمنتج الصغير أن يخوض رهان الإنتاج تحت مخاطر أمنية واقتصادية عالية لضمان الأمن الغذائي القومي؛ تتنصل المنظومة التمويلية الرسمية من تحمل شرف المخاطرة معه:
* المطالبة بضمانات تعجيزية: الإصرار على رهن أصول ثابتة أو تقديم ضمانات عينية صلبة في مناطق نزوح واضطراب، مما يخرج صغار المنتجين—وهم الكتلة الضاربة في الإنتاج—من مظلة التمويل الرسمي ليلجأوا إلى مصائد “السَّلَم” والتمويل الطفيلي.
* خصخصة الخسارة وتأميم النجاح: حين ينجح الموسم بفعل جلد المزارع وتضحياته، تُسارع المؤسسات لتسجيل الأرقام ضمن قياسات نجاح سياساتها؛ وحين ينتكس الموسم بسبب انقطاع الوقود أو تلف المدخلات التمويلية المتأخرة، يتحمل المزارع وحده تبعات الإعسار والملاحقات القانونية.
ثالثاً: من سياسة “الإنقاذ الشكلي” إلى “استراتيجية سلاسل القيمة”
إن الخروج من هذه الحلقة المفرغة يقتضي تحولاً جذرياً في مفهوم التمويل التنموي أثناء الأزمات الكبرى؛ عبر خطة محوكمة تتجاوز منطق “إبرام الصفقات الورقية”:
* مرونة التوقيت والتحويل المباشر: ربط الإفراج عن الحزم التمويلية بالمواقيت الميدانية للحقل لا بجدول السنة المالية للمصارف، مع اعتماد آليات التحويل المباشر لمدخلات الإنتاج الحقيقية دون المرور بسلسلة السماسرة والوسطاء.
* صناديق مخاطرة واستثمار تكافلية: تأسيس صناديق ضمان للإنتاج الزراعي والصناعي تُسهم فيها الدولة والمؤسسات التمويلية والتكافلية، لامتصاص صدمات الآفات أو التقلبات الأمنية، واعتبار المزارع شريكاً في التنمية لا مجرد مقترض مطارد.
* التركيز على سلاسل القيمة المغلقة: ألا يُكتفى بمنح التمويل لزراعة المحصول، بل أن يمتد التمويل ليشمل التخزين، والتصنيع التحويلي، والتسويق؛ فالقيمة المضافة هي الوحيدة القادرة على سداد كلفة التمويل وتحقيق هامش ربح عادل يحمي المنتج من الفقر.
كلمة أخيرة..
إن السودان لا يعاني من عقم في أراضيه، ولا من قلة في عرق أبنائه؛ بل يعاني من «عقول إدارية تُصر على قراءة حقول الإنتاج من وراء زجاج المكاتب المكيفة».
إن إنقاذ ما تبقى من الاقتصاد الوطني لا يتطلب مزيداً من المؤتمرات والبيانات الصحفية الرنانة، بل يتطلب شجاعة تنزيل القرار إلى الميدان، وجعل “الفدان الذي ينتج والطن الذي يُصنّع” هما المعيار الوحيد لنجاح التمويل. ودون ذلك، سنظل ندور في فلك “إعادة تدوير الفشل”، وننتظر الحصاد من حقول لم يروِها سوى الوعود الورقية!

Leave A Reply

Your email address will not be published.