اقتصاد الانتباه: ديناميكيات تأثير الإعلام الرقمي على الوعي والسلوك

204

العدد الأسبوعي رقم 245-  الجمعة 10 ابريل 2026

اقتصاد الانتباه: ديناميكيات تأثير الإعلام الرقمي على الوعي والسلوك

صباح الخير قراءنا الكرام،

يُشار في كثير من الأحيان إلى الاقتصاد المعاصر بوصفه اقتصادًا قائمًا على المعلومات التي تُعد “بترول القرن الحادي والعشرين”، إلا أن الواقع يتجاوز هذا التصور بكثير. فالعالم اليوم لم يعد يعتمد فقط على وفرة البيانات والمعلومات المتاحة عبر شبكة الإنترنت، بل أصبح يرتكز بدرجة كبيرة على عنصر مختلف يتمثل في كيفية استهلاك هذه المعلومات والتفاعل معها، وليس مجرد توافرها. وفي هذا السياق شهدنا انتقالًا تدريجيًّا من مرحلة “اقتصاد المعلومات والمعرفة” إلى ما يُعرف باسم “اقتصاد الانتباه” أو “اقتصاد جذب الانتباه”، وهو أحد فروع علم الاقتصاد الذي يركز على قيمة انتباه الإنسان باعتباره موردًا بالغ الأهمية في العصر الرقمي. فمع التزايد المستمر في حجم المعلومات وتدفقها الهائل، أصبح الأفراد يواجهون حالة من التشتت وصعوبة في التركيز على موضوع واحد لفترة طويلة، مما جعل الانتباه نفسه موردًا نادرًا وذا قيمة كبيرة، وهو ما دفع المؤسسات والمنصات الرقمية إلى التنافس بقوة من أجل جذب انتباه المستخدمين والسيطرة عليه، حتى أصبح الانتباه الإنساني يُعد اليوم من أهم السلع في سوق الإنترنت الحديثة.

كما أصبح الانتباه في العصر الرقمي أحد أكثر الموارد ندرةً وقيمة، إذ يواجه الإنسان تدفقًا مستمرًا وكثيفًا من المعلومات، بدءًا من موجزات الأخبار وشبكات التواصل الاجتماعي، وصولًا إلى الإعلانات الرقمية والتوصيات المخصصة. وفي ظل هذه البيئة المليئة بالمحتوى، لم يعد التنافس يتركز فقط على تقديم السلع أو الخدمات، بل تحول بشكل متزايد إلى التنافس على وقت الأفراد واهتمامهم، الأمر الذي جعلهما يشكلان نوعًا خاصًا من رأس المال الاقتصادي. ومن هنا برز الحديث المتزايد عن ظاهرة “اقتصاد الانتباه” Attention Economy، حيث يصبح المورد الرئيس هو القدرة على جذب انتباه الجمهور والمحافظة عليه لأطول فترة ممكنة.

ومع تزايد المنافسة على انتباه الأفراد، برزت “ظاهرة الإدمان الرقمي”، خاصة على منصات التواصل الاجتماعي، التي صُممت أدواتها وأساليبها بشكل يطيل مدة التفاعل، ويحفز المستخدم على العودة باستمرار. هذا الانغماس المستمر ليس مجرد سلوك ترفيهي، بل يعكس استراتيجية قائمة على اقتصاد الانتباه، حيث يُحوِّل كل نقرة ومشاهدة وتفاعل إلى سلعة يُستغل انتباه الإنسان من خلالها. ومن هنا تنبع خطورة هذه الظاهرة، إذ لا يواجه الأفراد مجرد فقدان الوقت، بل يتعرضون لتشتت ذهني وانخفاض التركيز، وتراجع الإنتاجية، بالإضافة إلى تأثيرات نفسية وسلوكية محتملة، مما يجعل الوعي بمخاطر الإدمان الرقمي والحذر من استغلال انتباهنا ضرورة ملحة في العصر الرقمي الحديث.

وعليه، تأتي هذه النشرة لتركز على ظاهرة “اقتصاد الانتباه” في العصر الرقمي، مستعرضة كيف تغيّرت سلوكيات ووعي الأفراد نتيجة التدفق الهائل للمعلومات وتصميم التطبيقات الرقمية لتعزيز التفاعل المستمر. كما تتناول آليات جذب الانتباه والإدمان الرقمي وتأثيرهما في التركيز وصحة العقل، وتسلط الضوء على انتشار الإنترنت وأنماط استخدام المنصات الرقمية وصعود الفيديوهات القصيرة وتأثيرها في وعي الجمهور. بالإضافة إلى ذلك، تستعرض النشرة تجارب دولية وسياسات عالمية لمواجهة الإدمان الرقمي، مع التركيز على برامج علاج الإدمان التكنولوجي، وتناقش تجربة مصر في جهود التحول الرقمي والتثقيف الإعلامي وسياسات تنظيم المحتوى لتوضيح كيفية إدارة التأثيرات الرقمية وبناء ثقافة رقمية واعية.

اضغط هنا للتواصل معنا

في البداية، يأتي (مفهوم الانتباه) كعنصر أساسي لفهم كل الظواهر الرقمية الحديثة، حيث عرَّف قاموس أوكسفورد Oxford الانتباه بأنه تركيز الذهن على شيء ما ذي معنى أو تفكير معين بهدف القيام بفعل ما، ومراعاة حاجات الآخرين ورغباتهم بصورة تعاطفية، وهذا التركيز على توجيه الانتباه هو ما جعل الاهتمام البشري موردًا ثمينًا في العصر الرقمي.

أما (اقتصاد الانتباه)، والمعروف أيضًا باقتصاد الاهتمام، فهو أحد الفروع الحديثة لعلم الاقتصاد، ويعنى بالتعامل مع انتباه الأفراد “كسلعة ثمينة ونادرة”. هذا المفهوم صاغه لأول مرة عام 1971 هربرت ألكسندر سيمون، عالم الاقتصاد الأمريكي الفائز بجائزة نوبل في العلوم الاقتصادية عام 1978، حين كتب عن ندرة الانتباه في عالم غني بالمعلومات، موضحًا أن التدفق المفرط للمعلومات يؤدي بالضرورة إلى ضعف الانتباه، ويستدعي اتجاه المخ إلى تحديد الأهم، ومن ثمَّ التركيز على معلومة محددة. ومع النمو المتسارع للتسويق عبر المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح من الضروري فهم الكيفية التي يمكن من خلالها تحويل انتباه الأفراد إلى تفضيلات شرائية، وكذلك إلى رأس مال فردي قائم على السمعة والعلامة التجارية الشخصية.

ويُظهر هذا السياق أيضًا العلاقة الوثيقة بين اقتصاد الانتباه و(مفهوم الإدمان الرقمي أو إدمان الشاشات)، حيث انصب اهتمام المختصين مؤخرًا على إدمان الهواتف الذكية، التلفزيون، والأنشطة المختلفة أثناء استعمالها، مثل؛ الألعاب الإلكترونية أو تصفح مواقع التواصل الاجتماعي أو البحث عن المعلومات. إذ يُعرف الإدمان على الشاشات بأنه الاستعمال المستمر والمتكرر الذي يؤدي إلى ضعف الأداء أو الضغط النفسي، ويتميز بأعراض مشابهة للإدمان على المواد الأخرى، مثل؛ الرغبة المستمرة في الاستخدام وعدم القدرة على التوقف أو التقليص، ما يجعل الانتباه البشري سلعة قابلة للاستغلال من قبل منصات الإعلام الرقمي.

المصدر

ثانيًا: نشأة اقتصاد الانتباه وتطوره في العصر الرقمي

بزغ مفهوم “اقتصاد الانتباه” مع ظهور وسائل الإعلام “السمعبصرية”، غير أنه بقي محدود النطاق والتأثير زمانيًّا ومكانيًّا، ومع التحول إلى العصر الرقمي، تغيّر هذا الواقع جذريًا؛ إذ أصبح الأفراد في حالة اتصال دائم، وفي كل مكان، ما أدى إلى ازدهار هذا النوع من الاقتصاد واتساع نطاقه بشكل غير مسبوق. ولم يعد الأمر مقتصرًا على استهلاك المحتوى، بل امتد ليشمل مختلف جوانب الحياة اليومية، حيث باتت الهواتف الذكية ترافق الأفراد باستمرار، وتجذب انتباههم عبر الإشعارات المتواصلة، مما أدى إلى تداخل استخدامها مع أنشطتهم والتزاماتهم الأخرى.

وفي سياق استيعاب هذا المفهوم وتطوره عبر الزمن، يمكن تتبع جذوره من خلال التحولات التكنولوجية التي شهدها النصف الثاني من القرن العشرين. ومع تطور البنى التكنولوجية خلال هذه الفترة، بدأت ملامح التحول في أنماط توليد القيمة الرقمية في الظهور تدريجيًّا، في سياق مهد لاحقًا لظهور مفهوم اقتصاد الانتباه.

  • عام 1971:
    عبر هربرت سيمون عالم الاقتصاد الأمريكي الفائز بجائزة نوبل في العلوم الاقتصادية، لأول مرة عن إشكالية فائض المعلومات، إذ يقابل تنامي حجم المعلومات تراجعٌ في قدرة الأفراد على التركيز والانتباه. ومع ظهور التقنيات الرقمية في أواخر التسعينيات، ظهرت دعوات لاقتصاد “رقمي” أو “معلوماتي” أو “شبكي”، وقد شكلت لاحقًا الأساس للأدبيات الحديثة حول اقتصاد الانتباه، حيث تناول الباحثون مسألة الانتباه باعتباره أزمة فكرية ناجمة عن انتشار الإنترنت.

  • عام 1993:
    مع انتشار الحواسيب الشخصية وتطبيقات الوسائط المتعددة، كان عالم الحاسوب مارك وايزر Mark Weiser من أوائل من تنبّهوا إلى ميل هذه التقنيات إلى جذب انتباه المستخدمين. ولذلك طرح أفكارًا تدعو إلى تطوير تقنيات رقمية تُصمَّم بطريقة تقلّل من استهلاك انتباه المستخدم، من خلال جعل الأجهزة أكثر اندماجًا في حياة الأفراد وأقل إزعاجًا لهم. ومن هنا أدرك وايزر وآخرون أهمية تصميم التقنيات بأسلوب يراعي البعد الأخلاقي في التعامل مع انتباه المستخدمين.

  • عام 1994:
    قدّم الباحث الإعلامي جوناثان بيلر Jonathan Beller مفهوم “نظرية قيمة الانتباه”، حيث سعى من خلاله إلى الربط بين اقتصاديات الانتباه والتحليل الماركسي بوصفه إطارًا يفسّر آليات إنتاج القيمة والربح في النظام الرأسمالي في هذا السياق، يرى بيلر أن الانتباه لم يعد مجرد سلوك إنساني، بل أصبح أحد أهم الموارد الاقتصادية الحديثة التي تُسهم في توليد القيمة داخل هذا النظام. وقد حظي هذا المفهوم باهتمام متزايد في عدد من الحقول المعرفية، من بينها الأنثروبولوجيا، والاقتصاد، والقانون، والأدب، وعلم الاجتماع.

  • عام 1997:
    روّج الفيزيائي والمستشار مايكل غولدهاير Michael Goldhaber لمصطلح “اقتصاد الانتباه” خلال السنوات الأولى لشبكة الإنترنت العالمية، وأعرب عن مخاوفه بشأن عدم المساواة في الوصول إلى الانتباه، فضلاً عن إساءة استخدام السلطة التي قد يتيحها ذلك الاقتصاد، وفي المقابل، ركّز هربرت سيمون، عالم الاقتصاد الأمريكي الذي طرح لأول مرة فكرة التعامل مع الانتباه بوصفه موردًا نادرًا وثمينًا، اهتمامه بشكل أساسي على النخبة الإدارية، باعتبارها الفئة الأكثر احتياجًا لإدارة الانتباه واتخاذ القرارات في ظل فائض المعلومات.

  • عام 2001 وما بعدها:
    أصبح مصطلح “اقتصاد الانتباه” شائعًا، لا سيما في مجالات تصميم التكنولوجيا والشركات الناشئة، حيث يشير إلى الآليات التي يتم من خلالها جذب انتباه الأفراد واستثماره. وفي هذا السياق، برز إدراك متزايد بأن الانتباه يُعد موردًا نادرًا وقابلًا للقياس، تحكمه ديناميكيات العرض والطلب.

  • عام 2022 وحتى الآن:
    أصبح واضحًا أن تصميم إطار الانتباه له أهمية أخلاقية، سواء للمستخدمين أو المصممين، فقد جادل الباحث والفيلسوف جورجي غاردينر Georgi Gardiner بأن هناك فضائل ورذائل مرتبطة بتوزيع الانتباه بين الأفراد والجماعات، كما يؤكد الباحث والفيلسوف المتخصص في الفلسفة العملية والأخلاق الرقمية سيث لازار Seth Lazar أهمية “توزيع الانتباه” في السياقات الإلكترونية باعتباره مسألة عدالة تواصلية.

ويتضح من هذا التسلسل الزمني أن مفهوم اقتصاد الانتباه تطور من ملاحظات سيمون حول ندرة الانتباه في عالم غني بالمعلومات، مرورًا بتأثير التقنيات الرقمية والحواسيب الشخصية في انتباه المستخدمين، وصولًا إلى صعود مصطلح اقتصاد الانتباه على الإنترنت وأهميته في مجالات الأعمال والتكنولوجيا.

كما أظهرت الدراسات والمقاربات الحديثة أن الانتباه ليس موردًا نادرًا فحسب، بل يحمل أبعادًا اجتماعية وأخلاقية، مما يستدعي تصميم أنظمة وتطبيقات تحترم الإنسان كمستخدم، وتراعي العدالة في توزيع الانتباه بين الأفراد والجماعات، مع الانتباه للفجوات الاجتماعية وتحديدًا الخاصة بالنوع الاجتماعي التي قد تتأثر بهذا الاقتصاد، وبهذا يصبح اقتصاد الانتباه قضية معقدة تتداخل فيها التكنولوجيا والثقافة والسياسة والأخلاق، وتتطلب وعيًا جماعيًا ومسؤولية تصميمية مستمرة.

كما يتميز اقتصاد الانتباه بثلاث خصائص رئيسة، أولها، محدودية الانتباه، إذ يمتلك الإنسان وقتًا محدودًا يوميًا يتوزع بين العديد من الأنشطة. وثانيها، قابليته للقياس، إذ يمكن تقدير الانتباه من خلال حساب الوقت المخصص لكل نشاط. وثالثها، قيمته الاقتصادية، إذ يمكن تحويله إلى مصدر للدخل، وهو ما يفسّر السعي المستمر لقياسه واستثماره بكفاءة.

ويعكس هذا التطور أن اقتصاد الانتباه لم يعد مجرد إطار نظري، بل أصبح بنية حاكمة لآليات التفاعل داخل البيئة الرقمية، تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية والتقنية والأخلاقية، بما يؤثر بشكل مباشر في سلوك المستخدمين وأنماط استهلاكهم للمحتوى.

المصدر

يتناول هذا القسم تحليل الوضع الراهن لاقتصاد الانتباه على المستوى العالمي في ظل التحول الرقمي المتسارع، من خلال استعراض مؤشرات انتشار الاتصال بالإنترنت عالميًّا وما يرتبط به من فجوات رقمية بين الدول والفئات السكانية المختلفة. كما يناقش خريطة الاستخدام العالمي للمنصات الرقمية وصعود عمالقة التواصل الاجتماعي وهيمنتهم على الفضاء الرقمي، إضافة إلى بروز الفيديوهات القصيرة كأحد أبرز أنماط المحتوى المهيمنة في البيئة الرقمية المعاصرة وتأثيرها في أنماط استهلاك المعلومات وانتباه الجمهور. ويتطرق القسم كذلك إلى الآليات التي تعتمدها المنصات الرقمية لجذب انتباه المستخدمين والحفاظ عليه، وكيفية توظيف هذا الانتباه ضمن استراتيجيات اقتصادية تحول تفاعل المستخدمين ووقتهم على المنصات إلى قيمة مالية وأرباح للشركات الرقمية الكبرى.

أولًا: الاتصال بالإنترنت عالميًّا.. تقدم رقمي غير متكافئ:

في ظل التحول الرقمي المتسارع، أصبح الاتصال بالإنترنت مؤشرًا أساسيًّا على مستوى التقدم والتنمية، وعنصرًا محوريًّا في التعليم والعمل والتواصل والوصول إلى المعلومات. وقد أسهم الانتشار الواسع للتقنيات الرقمية، خاصة الهواتف المحمولة، في تسريع الاتصال ودمج مليارات الأفراد في الفضاء الرقمي، إلا أن هذا الانتشار لا يزال غير متكافئ بين الدول والفئات السكانية، متأثرًا بعوامل، مثل؛ الدخل والموقع الجغرافي والعمر والنوع الاجتماعي. ومن ثم تبرز أهمية تحليل مؤشرات استخدام الإنترنت وانتشار الهواتف المحمولة لفهم الفجوة الرقمية ورصد اتجاهات الاتصال الحديثة، لا سيما بين فئة الشباب الأكثر تفاعلًا مع البيئة الرقمية.

ورغم أن وتيرة النمو اتسمت بالتدرج في السنوات الأولى، فإنها تسارعت بشكل ملحوظ بعد عام 2015 مدفوعة بالانتشار الواسع للهواتف الذكية وتطور شبكات الاتصالات الرقمية. ومع ذلك، وبرغم هذا التقدم المستمر نحو تحقيق الاتصال الشامل، لا يزال أكثر من ربع سكان العالم خارج نطاق الاتصال بالإنترنت، بما يعكس استمرار الفجوة الرقمية على المستوى العالمي.

هذا، ولا يزال استخدام الإنترنت مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بمستوى التنمية، إذ تقترب الدول ذات الدخل المرتفع من الاستخدام الشامل للإنترنت بنسبة 94% من السكان، في حين لا تتجاوز النسبة في الدول منخفضة الدخل 23%.

وفيما يتعلق بالفئات الأكثر استخدامًا للإنترنت، لا يزال الشباب في الفئة العمرية (15–24 عامًا) يمثلون الشريحة الأعلى استخدامًا على مستوى العالم في عام 2025. ووفقًا لتصنيفات الدول حسب مستوى الدخل، تسجل الدول مرتفعة الدخل أعلى معدلات الاستخدام بنسبة تصل إلى 99%، في حين لا تتجاوز هذه النسبة 38% في الدول منخفضة الدخل. ويعكس هذا التفاوت اتساع الفجوة الرقمية بين الدول مرتفعة ومنخفضة الدخل.

تُعدّ الهواتف المحمولة الوسيلة الأكثر شيوعًا للوصول إلى الإنترنت، إلا أن العلاقة بين امتلاك الهاتف واستخدام الإنترنت ليست مباشرة؛ نظرًا لاستخدام بعض الأفراد هواتف الآخرين، أو امتلاك أكثر من جهاز، أو استخدام هواتف بإمكانات محدودة لا تدعم الاتصال بالإنترنت. وعالميًّا، يمتلك أكثر من أربعة من كل خمسة أشخاص حول العالم هاتفًا محمولًا، مع تفاوت واضح حسب مستوى الدخل؛ إذ تصل النسبة إلى 99% في الدول مرتفعة الدخل، مقابل 53% فقط في الدول منخفضة الدخل، مما يعكس استمرار الفجوة الرقمية بين الدول.

المصدر

ثانيًا: خريطة الاستخدام العالمي للمنصات الرقمية وهيمنة منصات التواصل الاجتماعي:

في ظل التحول المتسارع نحو المجتمع الرقمي، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي من أكثر الظواهر تأثيرًا في حياة الأفراد، حيث تجاوزت كونها أدوات للتواصل لتتحول إلى بيئة رقمية متكاملة تُشكّل أنماط التفاعل الاجتماعي، واستهلاك المعلومات، بل وتؤثر في تشكيل الوعي والسلوك. ومع هذا التوسع الكبير، تشير بيانات منصة DataReportal من خلال تحليل مفصل أجراه فريق كيبوس إلى أن نحو 93.8% من مستخدمي الإنترنت عالميًّا يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي بشكل نشط شهريًّا، ولا يزال عدد المستخدمين في تزايد مستمر، إذ ينضم نحو 7.8 مستخدمين جدد كل ثانية، ما يعكس وتيرة التسارع الملحوظ في انتشار وسائل التواصل الاجتماعي على المستوى العالمي.

في الوقت نفسه، تشير بيانات من شبكة الإنترنت العالمية (GWI) إلى أن 96.9% من مستخدمي الإنترنت الذين تبلغ أعمارهم 16 عامًا فأكثر في 54 من أكبر اقتصادات العالم يستخدمون بالفعل شبكة تواصل اجتماعي واحدة على الأقل شهريًّا، بالإضافة إلى أن مستخدم وسائل التواصل الاجتماعي العادي يستخدم أو يزور ما يعادل 6.75 منصات تواصل اجتماعي مختلفة شهريًّا، ويقضي ما يعادل 18 ساعة و36 دقيقة في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي أسبوعيًّا، ويشمل ذلك تصفح الشبكات الاجتماعية ومشاهدة مقاطع الفيديو عبر الإنترنت على منصات، مثل؛ يوتيوب وتيك توك وإنستجرام وفيسبوك.

وفيما يتعلق بخريطة الهيمنة الرقمية، فوفقًا لبيانات Similarweb، وهي منصة تحلل تسجيل الدخول وسلوك المستخدمين على المواقع والتطبيقات الرقمية، فإن منصة YouTube تأتي في الصدارة من حيث عدد المستخدمين النشطين شهريًّا بتسجيلها الحد الأعلى للمؤشر وهو 100 نقطة، يليها WhatsApp بـ 86.5 نقطة، ثم Instagram بـ 79.9 نقطة، ويأتي Facebook في المرتبة الرابعة، حيث يمثل مستخدموه النشطين 77.1% من قاعدة مستخدمي تطبيق YouTube النشطين، ما يعكس قوة تطبيقات شركة Meta، خاصة في مجال المراسلة، بينما يحتل TikTok المرتبة الخامسة بمؤشر 67.1، ليكون آخر منصة تتجاوز نصف قاعدة مستخدمي YouTube. وتعكس هذه المؤشرات فجوة واضحة في حجم الاستخدام الفعلي بين المنصة المتصدرة وباقي المنصات، بما يؤكد هيمنة عدد محدود من عمالقة التكنولوجيا على مشهد التواصل الاجتماعي عالميًّا.

وتُشير هذه المعطيات في مجملها إلى أن تركّز الاستخدام داخل عدد محدود من المنصات لا يعكس فقط هيمنة رقمية من حيث عدد المستخدمين، بل يمتد ليعزز من قدرة هذه المنصات على التحكم في تدفقات المحتوى وتوجيه أنماط التفاعل، وهو ما يفتح المجال لتحليل أعمق لدور الخوارزميات وآليات إدارة الانتباه في تشكيل السلوك الرقمي للمستخدمين على نطاق واسع، وفي هذا الإطار، تبرز مؤشرات الاستخدام العالمي كأداة لفهم خريطة هذا التنافس، ومدى تركّز الانتباه داخل عدد محدود من المنصات الكبرى.

المصدر

ثالثًا: صعود الفيديوهات القصيرة وتأثيرها في وعي وانتباه الجمهور وآليات جذب الانتباه في المنصات الرقمية:

شهد الفضاء الرقمي خلال العقد الأخير تحولات جوهرية نتيجة التطور المتسارع في أساليب إنتاج المحتوى وأنماط استهلاكه، حيث برزت الفيديوهات القصيرة كأحد أبرز مظاهر هذا التحول. فقد أصبحت هذه الصيغة الإعلامية، بما تتميز به من بساطة وجاذبية وسهولة الوصول، من أكثر وسائل التواصل انتشارًا بين ملايين المستخدمين حول العالم.

يرتكز انتشار مقاطع الفيديو القصيرة على تزايد إقبال الجمهور على المحتوى السريع والجذاب بصريًّا، مع تراجع فترات الانتباه واعتماد المستخدمين المتزايد على الهواتف المحمولة. لذلك تقدم هذه المقاطع رسائل مختصرة تعتمد على الإبداع أو الفكاهة أو التأثير العاطفي، وتمتاز بسهولة إنتاجها وسرعة انتشارها داخل البيئة الرقمية المتغيرة.

أصبحت مقاطع الفيديو القصيرة أداة مؤثرة في مجالات متعددة، مثل؛ التعليم والتسويق والنشاط الاجتماعي والصحافة، حيث تُستخدم لتبسيط المعلومات والترويج ونشر الوعي. كما أسهمت الهواتف الذكية وتطبيقات التحرير في إتاحة الفرصة لعدد كبير من الأفراد ليصبحوا صناع محتوى ومؤثرين يشاركون في تشكيل الخطاب الرقمي.

يعكس صعود الفيديوهات القصيرة تحولًا ثقافيًّا وتكنولوجيًّا في الإعلام الرقمي، إذ تعتمد المنصات على الخوارزميات لتخصيص المحتوى وزيادة التفاعل. ومع انتشار الهواتف الذكية وتطور الإنترنت، أصبحت هذه المقاطع وسيلة رئيسة للتواصل ونقل المعرفة، خاصة بين جيل الألفية وجيل زد.

آليات جذب الانتباه في المنصات الرقمية

وفي هذا الإطار، ومع اعتماد المنصات الرقمية على اقتصاد الانتباه باعتباره أساسًا لنموها وقيمتها السوقية، اتجهت إلى توظيف آليات تقنية وتفاعلية تهدف إلى جذب انتباه المستخدمين وإبقائهم أطول فترة ممكنة داخل المنصة، من خلال تحليل بياناتهم وسلوكهم الرقمي، وذلك عبر استخدام العديد من آليات الجذب، من أبرزها:

1- خوارزميات التخصيص (Personalization Algorithms): تمتلك المنصات الرقمية القدرة على جمع وتحليل البيانات الكبيرة للمستخدمين مثل عمليات البحث، التفاعل، الاهتمامات، ومدة المشاهدة، وتقديم محتوى يناسب مع ما يجذب انتباه المستخدمين، بالإضافة إلى أنها تعتمد على خوارزميات متطورة لترشيح المحتوى والتوصيات، وهو ما يؤثر بشكل كبير على طريقة تفاعل المستخدمين مع المحتوى، فكلما زادت دقة التخصيص، زاد الوقت الذي يقضيه المستخدم على المنصة.

2- أنماط التفاعل المفرط: هي أساليب تهدف إلى جذب انتباه المستخدمين والحفاظ عليه لأطول فترة ممكنة، لكنها في الوقت نفسه تستهلك قدرًا كبيرًا من تركيزهم وطاقتهم الذهنية، ومن أبرزها:

  • آلية التمرير اللانهائي (Infinite Scrolling): تقوم على الانتقال السريع والمستمر بين المحتويات، حيث يحصل الدماغ مع كل تمرير على جرعة من الدوبامين، مما يخلق شعورًا بالمتعة اللحظية، ويدفع المستخدم للاستمرار في التصفح داخل دورة متكررة تشبه الإدمان السلوكي.

  • آلية التشغيل التلقائي (Auto-Play): تقوم على تشغيل المحتوى السمعي البصري تلقائيًّا عند زيارة المستخدم للموقع دون تدخل منه، بهدف جذب انتباهه بشكل مفاجئ وفوري، حتى وإن أدى ذلك إلى تشتيت تركيزه ومقاطعة تجربته.

  • آلية الإشعارات الفورية والنوافذ المنبثقة (Push Notifications & Pop-ups): تعتمد على إرسال رسائل تظهر كنوافذ منبثقة أو لافتات على أجهزة المستخدم مثل الهواتف المحمولة أو الأجهزة اللوحية، بهدف جذب انتباه العملاء وتحفيزهم على التفاعل مع المحتوى أو التطبيق حتى وإن لم يكونوا نشطين في استخدام المنصة.

  • آلية الإثارة الحسية والبصرية والسمعية: تعتمد المنصات الرقمية على توظيف عناصر الإثارة الحسية المتكاملة في طريقة عرض المحتوى، من خلال استخدام المؤثرات الصوتية والموسيقى، والألوان، والصور والرسوم، بما يسهم في جذب انتباه المستخدمين وإثارة اهتمامهم منذ اللحظة الأولى للتفاعل مع المنصة. وتعمل هذه العناصر على تحفيز الحواس المختلفة وإحداث استجابات نفسية وفسيولوجية، مما يعزز تركيز المستخدم، ويزيد احتمالية استمراره في التصفح والتفاعل داخل المنصة.

المصدر

رابعًا: من التركيز إلى الربح: استراتيجيات الشركات في تحويل انتباه المستهلكين إلى قيمة مالية:

تركز الشركات والمنصات الرقمية على جذب انتباه المستخدمين والحفاظ عليه عبر استراتيجيات دقيقة تعتمد على تحسين التفاعل وتجربة المستخدم، من خلال تصميم المحتوى والميزات التي تشجع المستخدمين على البقاء والتفاعل بشكل مستمر، مثل اختبار نسختين A/B لضبط التصميم وهو أسلوب يعتمد على عرض نسختين مختلفتين من التصميم أو المحتوى على مجموعتين من المستخدمين، ثم تحليل النتائج لمعرفة أي النسختين تحقق تفاعلًا أكبر، ومن ثم اعتمادها لتحسين تجربة المستخدم ورفع معدلات التفاعل.

يعتمد اقتصاد الانتباه على تحويل الوقت والتركيز الذي يكرسه المستخدمون للمحتوى الرقمي إلى مصدر أرباح مباشر للشركات. ففي هذا الإطار، تحقق المنصات الكبرى مثل YouTube وFacebook وInstagram التابعة لشركة Meta الجزء الأكبر من إيراداتها من الإعلانات؛ إذ بلغت إيرادات Meta الإعلانية في عام 2024 نحو 160.6 مليار دولار، وحققت YouTube  36.1 مليار دولار من عائدات الإعلانات، بينما شكلت الإعلانات حوالي 75٪ من إيرادات شركة Alphabet المالكة لجوجل والتي بلغت 350.02 مليار دولار لعام 2024.

لا يقتصر ربح اقتصاد الانتباه على هذه المنصات، بل يمتد ليشمل قطاع التكنولوجيا الإعلانية المزدهر، بما في ذلك شركات مثل The Trade Desk التي توفر حلولًا لتمكين العلامات التجارية ووكالات الإعلان من تحسين حملاتها وأتمتتها. كما تستفيد شركات تصنيع الأجهزة، مثل Apple، من هذا الاقتصاد عبر مبيعات المنتجات، والعمولات على متجر التطبيقات، والمحتوى الرقمي، بما في ذلك منصات البث الاشتراكية مثل Netflix، التي بدأت تدريجيًّا في دمج الإعلانات ضمن نموذجها لزيادة الإيرادات.

المصدر

يتناول هذا القسم ظاهرة الإدمان الرقمي وتعفن الدماغ بوصفهما من أبرز التحديات المعرفية والنفسية المرتبطة بالاستخدام المكثف للتكنولوجيا والمنصات الرقمية. ويعرض القسم مفهوم “الدوبامين الرقمي” وآلية عمله في تصميم التطبيقات والمنصات، بما يشجع على السلوكيات القهرية، ويعزز الاستمرار في الاستخدام. كما يناقش مفهوم تعفن الدماغ بوصفه أحد التأثيرات المحتملة للإفراط في استهلاك المحتوى الرقمي منخفض الجودة، إضافة إلى ذلك، فهو يعرض مظاهر الإدمان الرقمي لدى الأطفال وآثاره النفسية والاجتماعية، مع توضيح الفروق بين الاستخدام المكثف والاستخدام الإدماني للأجهزة والتطبيقات الرقمية.

أولًا: ظاهرة “الدوبامين الرقمي”: كيف تُصمم التطبيقات لعادات قهرية؟

  • مفهوم الدوبامين الرقمي Digital Dopamine

شَغَل مفهوم الدوبامين اهتمام العديد من الباحثين في مجالات علمية متعددة، ويُعرف في علم النفس بأنه “المسؤول عن مشاعر المتعة وتوقع المكافأة، ويعمل على تعزيز السلوكيات التي تقود إلى إقراره، مما ينشئ مسارًا قويًّا للمكافأة العصبية”.

ويقود هذا الاستخدام في سياق الاستخدام الرقمي إلى دورة ذاتية التعزيز؛ حيث يسعى الفرد إلى مزيد من التحفيز الرقمي لتحقيق نفس مستوى الرضا السابق، مما يسبب زيادة مستوى التحمل، ومع مرور الوقت يؤدي إلى اعتماد نفسي وسلوكي على التحفيز الرقمي بحيث تتسبب محاولات التوقف المفاجئ في ظهور حالات نفسية سلبية تشبه أعراض الانسحاب.

لذلك، ركّزت العديد من الدراسات على العلاقة بين الدوبامين والاستخدام الرقمي بمفهومه الواسع، سواء في الألعاب الإلكترونية أو استخدام وسائل التواصل الاجتماعي. وتشير الأدلة إلى وجود ارتباط قوي بين استخدام الأجهزة الرقمية وإفراز الدوبامين، ويتحقق ذلك عبر ما يُعرف بأنظمة المكافأة المتغيرة (Variable Reward Schedules)، حيث تؤدي العشوائية في تلقي الإعجابات، أو الإشعارات، أو المكافآت داخل الألعاب الإلكترونية إلى زيادة كبيرة في التفاعل والرغبة. وتُعد هذه الآلية مشابهة تمامًا لآليات المقامرة في الواقع، وهو ما يفسّر الطابع الجاذب والقابل للإدمان في الاستخدام الرقمي.

مخاطر الدوبامين الرقمي:

أظهر العديد من الدراسات الارتباط الواضح بين الدوبامين الرقمي ومجموعة واسعة من الحالات النفسية المرضية، ومن أبرزها:

1-العزلة وانخفاض متعة المكافأة الطبيعية: يؤدي التحفيز المفرط لنظام الدوبامين لدى مستخدمي الوسائط الرقمية المختلفة في كثير من الحالات إلى زيادة خطر السلوكيات الإدمانية أو حدوث تغيّرات مرضية في الدماغ، نتيجة انخفاض المتعة الناتجة عن المكافآت الطبيعية. وتعرف هذه الحالة بـانخفاض حساسية المكافأة (Reduced Reward Sensitivity)، وهي إحدى السمات الأساسية التي تميز الإدمان.

2-التأثير في الوظائف الإدراكية المرتبطة باتخاذ القرار: حيث يؤثر الدوبامين الرقمي في الوظائف الإدراكية ومعالجة المعلومات في الدماغ، ويؤثر في عمليات الانتباه والذاكرة العاملة والمرونة في التفكير والسلوك، وفقًا لدراسة صادرة عن المجلة العلمية Cureus التابعة لـ Springer Natureفي عام 2025، فإن استخدام الإنترنت يؤثر في الانتباه وتنظيم العواطف، وهي جميعها عوامل تؤثر في اتخاذ القرار.

3- التأثير في المراقبة الذاتية ومهارات التنظيم: تشير الأدبيات إلى أن التحفيز المستمر لنظام الدوبامين الناتج عن الإفراط في استخدام المنصات الرقمية والهواتف الذكية يؤدي إلى اضطرابات في قدرة الأفراد على مراقبة أنفسهم وممارسة التنظيم وإدارة الوقت. فقد كشفت دراسة تحليلية شاملة نُشرت عام 2019 في المجلة البريطانية للطب النفسي، شملت 2,922 ألف مشارك من 40 دراسة مستقلة، أن الإفراط في استخدام الإنترنت يرتبط بانخفاض القدرة على ضبط النفس والسيطرة على السلوكيات والانفعالات، إضافةً إلى تراجع الأداء في الذاكرة العاملة. كما أظهرت النتائج أن الأفراد المفرطين في استخدام الإنترنت يعانون من قصور موضوعي في الأداء المعرفي مقارنة بالأفراد الذين لا يعانون من الإفراط في استخدام الإنترنت، مما قد يترتب عليه تأثيرات وظيفية ملموسة في حياتهم اليومية.

4-الدوبامين الرقمي والتسوق العصبي: يظهر ذلك في استغلال بعض الصناعات التقنية لآليات عمل الدماغ، خاصة تلك المرتبطة بنظام المكافأة، من أجل جذب انتباه الأفراد والحفاظ على تفاعلهم المستمر. ويعتمد هذا النهج على فهم كيفية استجابة الإنسان للمحفزات السلوكية والمالية، بحيث يتم توجيه المستخدم نحو أنشطة تحقق أرباحًا لتلك الجهات.

المصدر

ثانيًا: من جذب الانتباه إلى إنهاك العقل: التعفن الدماغي في ظل الإعلام الرقمي:

وفقًا لنتائج تصويت شارك فيه أكثر من 37 ألف شخص، أعلنت دار Oxford University Press اختيار مفهوم “تعفن الدماغ” (Brain Rot) لتكون كلمة العام 2024 ضمن مبادرة Oxford Word of the Year. جاء ذلك بعد إعداد قائمة مختصرة للمصطلحات التي عكست أبرز الاتجاهات والنقاشات خلال العام. ويُعرف المصطلح بأنه “التدهور المفترض للحالة العقلية أو الفكرية للفرد، خاصة إذا نُظر إليه كنتيجة للإفراط في استهلاك محتوى رقمي، تافه أو غير مُحفز”.

وقد اكتسب المصطلح رواجًا جديدًا عام 2024 للتعبير عن المخاوف المتعلقة بتأثير الإفراط في استهلاك المحتوى الإلكتروني منخفض الجودة، لا سيما على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث شهد استخدام مصطلح “تعفن الدماغ” ارتفاعًا بنسبة 230% بين عامي 2023 و2024. ويعود أول استخدام مسجَّل لمصطلح “تعفن الدماغ” إلى عام 1854 في كتاب “والدن” Walden” لهنري ديفيد ثورو Henry David Thoreau، والذي رصد فيه تجاربه في العيش بأسلوب حياة بسيط في الطبيعة، وانتقد ميل المجتمع إلى تفضيل الأفكار البسيطة على الأفكار المعقدة أو متعددة التفسيرات، معتبرًا ذلك مؤشرًا على تراجع الجهد العقلي والفكري.

وفي العصر الرقمي، اكتسب المصطلح أهمية متجددة، إذ انتشر في البداية على منصات التواصل الاجتماعي، وخاصة تيك توك بين جيل زد وجيل ألفا، قبل أن يمتد استخدامه ليشمل الصحافة السائدة، وسط مخاوف مجتمعية متزايدة بشأن التأثير السلبي للإفراط في استهلاك المحتوى الرقمي منخفض الجودة.

ونشير فيما يلي لأبرز العوامل المساهمة في إحداث التعفن الدماغي:

1-إدمان الشاشات: يعد الوقت الطويل الذي يقضيه الشباب أمام الشاشات اليومية أحد الأسباب الرئيسة لتدهور القدرات العقلية، حيث يقضي طلاب الجامعات ساعات طويلة في استخدام الأجهزة المحمولة للترفيه إلى جانب الاستخدام الأكاديمي. وقد ارتبط وقت استخدام الشاشة بارتفاع مستويات القلق والاكتئاب والتوتر، مع تراجع التركيز والإنتاجية والدافعية، وأعراض شبيهة بتدهور الدماغ نتيجة فرط التحفيز والتنقل بين المهام. وتشير إحصاءات صادرة في مارس 2026 عن منصة Demand Sage المتخصصة في تحليلات الأسواق الرقمية إلى أن المتوسط العالمي للوقت اليومي أمام الشاشات يصل إلى نحو 6 ساعات و54 دقيقة، بإجمالي 47 ساعة و55 دقيقة أسبوعيًّا، بينما يتجاوز استخدام الشاشات لدى جيل زد حاجز الـ 9 ساعات يوميًّا.

2-إدمان وسائل التواصل الاجتماعي: إذ صممت تلك المنصات للحفاظ على انتباه المستخدمين وتشجيع التصفح المستمر، من خلال حلقة تغذية راجعة مدفوعة بالدوبامين. وهو ما يُزيد شعور الشباب بالرضا عند التصفح، ويدفعهم إلى زيادة الاستخدام، ووفقا لإحصائيات منصة Statista في فبراير 2025، فقد بلغ متوسط الوقت العالمي على وسائل التواصل الاجتماعي 141 دقيقة يوميًّا، مع زيادات أكبر في دول مثل البرازيل (3 ساعات و49 دقيقة يوميًّا).

3-الحمل المعرفي الزائد: يعد الكم الهائل من المعلومات التي نتلقاها يوميًّا سببًا في إصابة الشباب بتعفن الدماغ، حيث يمثل الإنترنت مصدرًا للإرهاق المعرفي من خلال الأخبار والترفيه وتحديثات وسائل التواصل الاجتماعي والدورات التدريبية. وتجعل هذه المصادر الدماغ تحاول باستمرار معالجة المعلومات، مما يؤدي إلى الإرهاق الذهني وتراجع الوظائف الإدراكية. وقد أشارت الأبحاث إلى أن الاستخدام المطول للأجهزة الرقمية، خاصة بين الشباب، يرتبط بصعوبة التركيز والحفاظ على الانتباه.

كما يسبب تعفن الدماغ العديد من التأثيرات السلبية على الوظائف الإدراكية، ومن أبرزها:

1-الذاكرة المشوهة: الإفراط في استخدام الوسائط الرقمية يعطل عمليات تثبيت واسترجاع الذاكرة، حيث يمنع التشتت المستمر الناتج عن الإشعارات وسرعة استهلاك المعلومات المعالجة العميقة، ما يقلل الاحتفاظ بالمعلومات على المدى الطويل.

2-مدى الانتباه: يؤثر تعفن الدماغ في مدى الانتباه، إذ يؤدي الاستخدام المكثف للهواتف ووسائل التواصل إلى تفاعل سطحي مع المحتوى، من خلال ظاهرة تعرف بـ “التمرير السلبي”، مما يقلل القدرة على التركيز لفترات طويلة.

3-قدرات حل المشكلات: تتأثر أيضًا قدرة الشباب على حل المشكلات المرتبطة بالذاكرة والانتباه، إذ يقل الاعتماد على التفكير العميق مع الاعتماد على الأدوات الرقمية لاتخاذ القرارات، ما يضعف المرونة المعرفية، ويزيد من الاندفاع وضعف اتخاذ القرار، وهما سمتان شائعتان بين مستخدمي الإنترنت المفرطين.

المصدر

ثالثًا: الإدمان الرقمي لدى الأطفال وآثاره على الصحة النفسية والاجتماعية

مع التطور السريع للتكنولوجيا، أصبحت الأجهزة الرقمية المحمولة، مثل؛ الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية وأجهزة الكمبيوتر جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية للأطفال، مؤثرة في أنماط تعلمهم، ترفيههم، وتفاعلهم الاجتماعي، فضلاً عن كونها أداة أساسية في التعليم والمعيشة. يستخدم الأطفال هذه الوسائط في أوقات وأماكن متعددة لأغراض متنوعة، من تصفح الإنترنت والتفاعل عبر وسائل التواصل الاجتماعي إلى ممارسة الألعاب الإلكترونية. ومع كثافة هذا الاستخدام، برز مفهوم الإدمان الرقمي.

ويُعد إدمان الألعاب الإلكترونية (Gaming Disorder) الأخطر والمعترف بيه طبيًا، حسب التصنيف الدولي للأمراض، الإصدار الحادي عشر (ICD-11) الصادر عن منظمة الصحة العالمية، ويُعرّف بأنه نمط سلوكي يتسم بضعف السيطرة على اللعب وإعطاء الأولوية للألعاب على حساب الأنشطة الأخرى، والاستمرار فيها رغم العواقب السلبية. ويحدد الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-5) تسعة معايير لتشخيص هذا الاضطراب، تشمل الانشغال المفرط، أعراض الانسحاب، التحمل، فقدان السيطرة، تراجع الاهتمام بالهوايات السابقة، الاستمرار في الاستخدام رغم المشكلات، خداع الآخرين بشأن مقدار اللعب، استخدام الألعاب للهروب من المشاعر السلبية، والشعور بضيق شديد.

من المهم التفرقة بين الاستخدام المكثف والاستخدام الإدماني، فالأول يشير إلى انشغال مستمر بالأنشطة الرقمية لفترات طويلة دون فقدان السيطرة أو حدوث ضيق نفسي شديد، ولا يُعد إدمانًا رسميًّا، بينما الثاني يمثل حالة من الإفراط غير المنضبط تؤثر سلبًا في الحياة اليومية، وترافقه أعراض، مثل؛ التقلّب المزاجي عند المنع، الحاجة المستمرة إلى الاتصال بالإنترنت، التوتر والانفعال عند عدم الوصول إليه، الصراعات مع الأسرة والأصدقاء، وإهمال الاحتياجات الأساسية.

المصدر

يستعرض هذا القسم التجارب الدولية والسياسات العالمية الرامية إلى تعزيز الاستخدام الآمن والمسؤول للتكنولوجيا الرقمية، ولا سيما بين الأطفال والشباب، في ظل التوسع المتسارع للإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي. كما يستعرض أبرز المبادرات التي أطلقتها المنظمات الدولية والحكومات لحماية القُصّر من مخاطر البيئة الرقمية والحد من الإدمان الرقمي، مع تحليل نماذج دولية مختلفة؛ تشمل دولًا رائدة نجحت في تطوير سياسات فعّالة للتمكين الرقمي الآمن، وأخرى تواجه تحديات ومخاطر رقمية مرتفعة. ويهدف هذا العرض إلى إبراز الممارسات والسياسات التي يمكن الاستفادة منها في بناء بيئة رقمية أكثر أمانًا وتوازنًا.

وتأتي جهود منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونسيف” (UNICEF) كمبادرة إيجابية ومهمة في هذا الإطار، حيث تعمل على دعم الإصلاحات القانونية ووضع سياسات تتوافق مع حقوق الطفل، وتعزيز قدرات العاملين في مختلف القطاعات لمواجهة التهديدات الرقمية. كما تشمل مبادراتها برامج توعوية وتعليمية تستهدف الأطفال وأولياء الأمور؛ بهدف تشجيع الاستخدام الآمن للتكنولوجيا، وتعزيز مسؤولية الشركات في حماية حقوق الطفل على الإنترنت.

واتصالًا بذلك، وضع العديد من الدول سياسات لحماية الأطفال في البيئة الرقمية، ومن أبرز هذه الجهود الدولية؛ إطلاق استراتيجية “الإنترنت الأفضل للأطفال” better internet for kids (BIK+) عام 2022 من قبل المفوضية الأوروبية ضمن خطة الاتحاد الأوروبي بهدف توفير بيئة رقمية أكثر أمانًا للأطفال في ظل تزايد استخدامهم للإنترنت والتقنيات الحديثة. وتركز الاستراتيجية على حماية الأطفال من المخاطر والمحتوى الضار عبر الإنترنت، وتنمية مهاراتهم الرقمية لاستخدام التكنولوجيا بشكل واعٍ ومسؤول، إضافة إلى إشراكهم في تطوير السياسات والبيئة الرقمية التي يتفاعلون معها. وبذلك تسعى الاستراتيجية إلى تحقيق توازن بين الاستفادة من الفرص التي يوفرها العالم الرقمي وضمان حماية حقوق الأطفال وسلامتهم.

كما ظهرت مبادرات دولية تجمع بين الحكومات وشركات التكنولوجيا، مثل “تحالف حماية القُصّر على الإنترنت” الذي أطلقه الاتحاد الأوروبي بهدف تطوير معايير تصميم رقمية آمنة للأطفال، وتعزيز أدوات الرقابة الأبوية، والحد من انتشار المحتوى غير المناسب للأطفال على المنصات الرقمية، وهو ما يعكس الاتجاه العالمي نحو إشراك القطاع التكنولوجي في المسؤولية الاجتماعية لحماية الفئات الأصغر سنًا في البيئة الرقمية.

وعلى المستوى الوطني، اتجهت بعض الدول إلى وضع استراتيجيات خاصة لمواجهة الإدمان الرقمي لدى الأطفال، مثل “الاستراتيجية الوطنية لحماية القاصرين من مخاطر الإنترنت” التي تبنتها اليونان، والتي تعتمد على برامج توعوية في المدارس، وإرشادات للأسر حول تنظيم وقت استخدام الأجهزة الرقمية، إضافة إلى دعم الخدمات النفسية والتربوية للأطفال الذين يعانون من الاستخدام المفرط للتكنولوجيا، كما أعلنت ماليزيا أنها تخطط لحظر استخدام منصات التواصل الاجتماعي على من هم دون 16 عامًا ابتداءً من عام 2026، وذلك ضمن إجراءات حكومية تهدف إلى حماية الأطفال والمراهقين من المخاطر الرقمية مثل التنمر الإلكتروني والاحتيال والاستغلال عبر الإنترنت.

بالإضافة إلى أن أستراليا قد اتجهت إلى تبنّي سياسة تشريعية صارمة لحماية الأطفال في البيئة الرقمية، حيث أقرّت قانونًا يفرض حدًا أدنى للعمر لاستخدام منصات التواصل الاجتماعي، ويمنع من هم دون 16 عامًا من إنشاء أو الاحتفاظ بحسابات على هذه المنصات. كما يُحمّل القانون الشركات المالكة لمنصات التواصل مسؤولية اتخاذ خطوات جادة وحاسمة للتحقق من أعمار المستخدمين ومنع الحسابات الخاصة بالقاصرين، مع فرض غرامات كبيرة على المنصات التي لا تلتزم بهذه الإجراءات.

Leave A Reply

Your email address will not be published.