أ.د.طارق الصادق  عبد السلام معلقا على مقال د. ست البنات حسن ( التعدين الاهلي ثروة فى الظاهر ونزيف فى عمق الاقتصاد

76

 

 

 أ. د طارق الصادق عبد السلام

استاذ وباحث فى العلوم الاجتماعية 

أرى أن المقال لا يقتصر على عرض سلبيات التعدين الأهلي، بل يقوم على بناء حجة اقتصادية متدرجة تبدأ من الظاهرة وتنتهي بالحلول.

ويمكن تقديم قراءة تحليلية للمقال تُبرز ما نجحت الدكتورة ست البنات في إظهاره، مع الإشارة إلى بعض الجوانب التي يمكن أن تعزز الطرح.

في تناولها لقضية التعدين الأهلي من زاوية الاقتصاد الكلي، متجاوزة النظرة الشائعة التي تقصره على كونه وسيلة لكسب الرزق أو توفير فرص عمل.

فقد بينت أن الحكم على أي نشاط اقتصادي لا يكون بحجم الأموال التي يتداولها، وإنما بمدى مساهمته في تعزيز الاقتصاد الوطني واستدامة التنمية.

وأبرز ما يلفت في المقال أنه ربط بين ظواهر تبدو متفرقة، لكنها في الحقيقة حلقات في سلسلة اقتصادية واحدة، تبدأ من التعدين الأهلي وتنتهي بتراجع قيمة العملة الوطنية وارتفاع معدلات التضخم وضعف المالية العامة للدولة.

أولاً: إبراز العلاقة بين التعدين والاقتصاد الكلي

أبرزت الكاتبة أن آثار التعدين الأهلي لا تقتصر على مناطق الإنتاج، وإنما تمتد إلى الاقتصاد الوطني بأكمله، وذلك من خلال:

* تهريب الذهب.

* فقدان حصائل الصادر.

* تراجع احتياطي النقد الأجنبي.

* ضعف قدرة البنك المركزي على إدارة السياسة النقدية.

وهذه نقطة مهمة، لأنها تنقل النقاش من مستوى النشاط المحلي إلى مستوى الاستقرار الاقتصادي للدولة.

ثانياً: الربط بين الذهب وسعر الصرف

من أهم ما نجحت الكاتبة في إبرازه العلاقة غير المباشرة بين التعدين الأهلي وانخفاض قيمة الجنيه السوداني.

فهي لم تنسب انهيار العملة إلى التعدين وحده، وإنما أوضحت الآلية الاقتصادية التي يمر بها الذهب، بدءاً من شراء الإنتاج بالجنيه، ثم تحويل العائد إلى الدولار عبر السوق الموازية، ثم تهريبه إلى الخارج، وهو ما يخلق ضغطاً دائماً على سوق النقد الأجنبي .

وهذا التحليل يبين أن المشكلة ليست في إنتاج الذهب، بل في خروجه من الدورة الاقتصادية الرسمية.

ثالثاً: لفت الانتباه إلى اختلال هيكل الاقتصاد

أصابت الكاتبة حين أوضحت أن التعدين الأهلي لا يضيف نشاطاً اقتصادياً جديداً بقدر ما يسحب الموارد البشرية من قطاعات أكثر استدامة، وعلى رأسها الزراعة والرعي.

وهنا تتجلى إحدى أخطر نتائج الاقتصاد الريعي؛ إذ ينتقل المجتمع من الإنتاج المستمر إلى البحث عن العائد السريع، فتضعف القاعدة الإنتاجية التي يقوم عليها الأمن الغذائي والصادرات.

رابعاً: توسيع مفهوم التكلفة الاقتصادية

تميز المقال بأنه لم يحصر الخسائر في الإيرادات الحكومية، وإنما وسع مفهوم التكلفة ليشمل:

* التلوث البيئي.

* تدهور الأراضي.

* تلوث المياه.

* المخاطر الصحية.

* الضغط على القطاع الصحي.

وهذا يعكس فهماً للاقتصاد الحديث الذي يقيس تكلفة النشاط الاقتصادي بما يتركه من آثار مباشرة وغير مباشرة على المجتمع.

خامساً: الانتقال من التشخيص إلى الحل

لم يكتف المقال بوصف المشكلة، وإنما اقترح مسارات إصلاح واقعية، منها:

* تقنين التعدين الأهلي.

* إحكام دور البنك المركزي في شراء الذهب وتصديره.

* استخدام تقنيات آمنة بدلاً من الزئبق والسيانيد.

وهذا يمنح المقال طابعاً عملياً، إذ يتجنب الدعوة إلى إيقاف التعدين كلية، ويدعو بدلاً من ذلك إلى تنظيمه وإدماجه في الاقتصاد الرسمي.

ما يمكن أن يعزز المقال

ورغم قوة الطرح، فإن هناك بعض الجوانب التي يمكن أن تضيف بعداً أعمق للتحليل، منها:

أولاً: بيان أن المشكلة ليست في التعدين الأهلي في ذاته،

وإنما في غياب المؤسسات والحوكمة، لأن تجارب دول عديدة أثبتت أن التعدين التقليدي يمكن أن يتحول إلى نشاط اقتصادي منظم إذا أحسن تنظيمه.

ثانياً: إضافة مفهوم تكلفة الفرصة البديلة،

وذلك بإبراز ما يخسره السودان عندما ينتقل آلاف الشباب من الزراعة والإنتاج إلى التعدين، وهي خسارة قد تفوق في قيمتها ما يحققه الذهب من مكاسب آنية.

ثالثاً: التوسع في بيان الآثار الاجتماعية والثقافية،

مثل انتشار ثقافة الثراء السريع، وتراجع قيمة العمل الإنتاجي، وظهور تجمعات سكانية هشة حول مناطق التعدين، وما يصاحبها من مشكلات أمنية واجتماعية.

رابعاً: الإشارة إلى أن الذهب الخام لا يحقق أعلى قيمة اقتصادية،

وأن تعظيم العائد الوطني يقتضي تطوير سلاسل القيمة، من التكرير والتصنيع والخدمات المرتبطة بالتعدين، بدلاً من تصديره كمادة أولية.

وقصارى القول يُحسب للدكتورة ست البنات حسن أنها نجحت في إعادة توجيه النقاش من سؤال: كم ينتج التعدين الأهلي من الذهب؟ إلى سؤال أكثر أهمية: كم يكلف السودان اقتصادياً ومالياً واجتماعياً إذا استمر بالشكل الحالي؟ وهذا هو التحول المنهجي الأهم في المقال. فقد أبرزت أن الثروة الطبيعية لا تتحول تلقائياً إلى تنمية، وإنما تتوقف آثارها على كفاءة الإدارة، وقوة المؤسسات، وفاعلية السياسات الاقتصادية. ومن ثم فإن القيمة الحقيقية للمقال تكمن في إبرازه أن معالجة التعدين الأهلي ليست قضية قطاعية تخص التعدين وحده، بل هي قضية إصلاح اقتصادي شامل تمس السياسة النقدية، والأمن الغذائي، والبيئة، والحوكمة، والتنمية المستدامة.

 ومن منظور المشروع المعرفي القرآني وعلم الاجتماع الاستخلافي السنني،

فإن ما عرضته الدكتورة ست البنات حسن يؤكد أن أزمة التعدين الأهلي ليست أزمة مورد، بل أزمة إدارة واستخلاف. فالرؤية القرآنية تقرر أن الثروات الطبيعية أمانة استخلاف، وأن صلاحها مرتبط بقيام العدل، وإحكام المؤسسات، وتحقيق المصلحة العامة، لا بمجرد تعظيم المكاسب الفردية. وعندما تنفصل إدارة الموارد عن مقاصد العمران والإصلاح، تتحول النعمة إلى مصدر للاختلال الاقتصادي والاجتماعي والبيئي. ومن هنا فإن معالجة التعدين الأهلي لا تقتصر على الإجراءات الفنية والرقابية، وإنما تتطلب إعادة بناء السياسات الاقتصادية في ضوء فلسفة الاستخلاف التي تجعل الإنسان أمينًا على الثروة، والدولة مسؤولة عن توجيهها لتحقيق التنمية الشاملة واستدامة العمران.

وتحديدا يكشف هذا المقال عن إحدى القضايا التي يعالجها المشروع المعرفي القرآني،

وهي أن المشكلة لا تكمن في ندرة الموارد، وإنما في منهج إدارتها. فوفق الرؤية الاستخلافية السننية، تتحول الثروة إلى رافعة للعمران إذا خضعت للعدل والحوكمة والمصلحة العامة، وتتحول إلى سبب للاختلال إذا انفصلت عن هذه السنن. ومن ثم فإن إصلاح قطاع التعدين هو جزء من مشروع أوسع لإعادة بناء العلاقة بين الإنسان والموارد والدولة وفق مقاصد الاستخلاف والعمران

Leave A Reply

Your email address will not be published.