من عمق المشهد | ست البنات حسن أحمد يكتب ……. الإعلام الحضاري: حائط صد الهوية وجسر السودان نحو النهضة
من عمق المشهد |
د. ست البنات حسن أحمد
الإعلام الحضاري: حائط صد الهوية وجسر السودان نحو النهضة
في هذه اللحظة التاريخية الفارقة التي يمر بها السودان ومحيطه العربي والإفريقي، لم تعد معارك البقاء تُحسم في ميادين المواجهات العسكرية وحدها؛ بل غدت منصات الفضاء الرقمي وشاشات البث خطوط تماس مشتعلة، تتداخل فيها الخطابات الموجهة وتتصارع السرديات لتستهدف أخطر ما تملكه الأمم: السلم المجتمعي، والتماسك الوطني، والوعي الجمعي.
لم يعد الإعلام في عصر الثورة الرقمية مجرد أداة محايدة لنقل الأخبار العاجلة أو منصة لعرض البيانات الرسمية؛ بل تحول إلى صانع أول للواقع ومهندس للصورة الذهنية التي تُبنى عليها مصائر الشعوب. ومن هنا، يفرض مفهوم «الإعلام الحضاري» نفسه اليوم، ليس كشعار نخبوي أو ترف فكري، بل كضرورة وطنية وأمنية حتمية، تنقل الرسالة الإعلامية من رد الفعل الناقل إلى الفعل التنويري، التنموي، والإنساني الراشد.
أولاً: أبعاد الإعلام الحضاري.. المزاوجة بين التقنية والأصالة
إن الإعلام لا يكون حضارياً بمجرد امتلاكه أحدث التقنيات الاستوديوية أو الخوارزميات الرقمية، بل حين ينجح في إقامة توازن عضوي بين قوة الأدوات العصرية وعمق الثقافة والأصالة. فالتقنية سلاح ذو حدين؛ إذا جُرّدت من البعد الأخلاقي والرسالي تحولت إلى بؤرة لتفريخ الشائعات، وتأجيج العصبيات، وإشاعة خطابات الكراهية والتضليل التي تمزق نسيج المجتمعات الخارجة من أتون النزاعات.
الإعلام الحضاري في جوهره هو ذلك الخطاب المسؤول الذي يجعل من التنوع مصدر ثراء لا وقوداً للاقتتال، ومن الحوار والتعايش السلمي ركيزة للأمن القومي. إنه المنظومة التي تحمي الوعي العام من التزييف، وتستوعب قضايا الهامش والمركز في بوتقة وطنية جامعة، مؤسسةً لعصر يقوم على إعمال العقل واستنهاض طاقات البناء والتجديد.
ثانياً: تقاطعات الرؤى.. من إعلان بورتسودان إلى أفق التجديد العربي
تتقاطع هذه الحاجة الوطنية الملحة مع التوجهات الفكرية الإقليمية التي تسعى لإعادة صياغة المشهد الإعلامي العربي. وقد تجسد ذلك بوضوح في الرؤية الاستراتيجية التي طرحتها الدكتورة حنان يوسف، رئيسة المنظمة العربية للحوار والتعاون الدولي ورئيسة الاتحاد العربي للإعلام والثقافة، خلال المؤتمر الفكري الخامس للمعهد العالمي للتجديد العربي، عبر ورقتها الموسومة بـ: «الإعلام الحضاري لبناء عصر عربي جديد: المفهوم والآليات – مقاربة في نماذج حماية الأمن الحضاري».
لقد وضعت هذه المقاربة اليد على الجرح؛ فالأمن الحضاري لا يعني بأي حال الانكفاء على الذات أو التقوقع داخل أسوار الخوف، بل يعني «امتلاك المناعة الفكرية والمهنية للتفاعل الواعي مع العالم الرقمي دون التفريط في الخصوصية الثقافية والهوية الحضارية».
وهذا الطرح يتماهى تماماً مع مخرجات المؤتمر الإعلامي الأول لوزارة الثقافة والإعلام بالسودان، الذي شخّص بدقة خطورة الحرب الإعلامية الموجهة ضد الدولة والمجتمع، وشدد على ضرورة:
* إصلاح الخطاب الإعلامي وتفكيك لغة التخوين والكراهية.
* إعادة بناء وهيكلة المؤسسات الإعلامية وفق معايير الشفافية والاحترافية.
* تأسيس حائط صد معرفي يحمي الجبهة الداخلية، ويوثق جرائم التمرد والانتهاكات بمهنية وموضوعية تفحم آلات التزييف الدولية.
ثالثاً: خارطة طريق للإعلام السوداني.. من الحرب إلى الإعمار
إن تمكين هذا المفهوم الحضاري في واقعنا الإعلامي يتطلب خطوات هيكلية تتجاوز المعالجات الجزئية:
* بناء شراكات إقليمية واستراتيجية: فتح آفاق التعاون والتوأمة المهنية بين منصات الإعلام السوداني ونظيراتها العربية والدولية الرصينة؛ لكسر طوق التعتيم، وتبادل الخبرات التدريبية، وبناء منصات تدقيق متقدمة تكافح التضليل الرقمي.
* الاستثمار في الكادر البشري: تحويل الصحفي والإعلامي من ناقل للأحداث إلى صانع محتوى تنويري يمتلك أدوات السرد الرقمي الحديث، ويتسلح بمسؤولية الكلمة وأخلاقيات النشر.
* الانتقال إلى إعلام البناء والتنمية: مثلما قاد الإعلام معركة تثبيت الشرعية والدفاع عن بقاء الدولة، عليه أن يستعد لقيادة معركة التعافي والإعمار؛ عبر بث الأمل، وجذب الاستثمارات، وترميم الوجدان الجمعي، وإبراز قصص الصمود والنجاح وسط الركام.
كلمة أخيرة.. في الميزان
إن الكلمة في أوقات الأزمات الكبرى رصاصة، إما أن تحمي حمى الوطن أو ترتد إلى صدره. وإذا كانت الجيوش تصون الحدود وتدحر العدوان، فإن «الإعلام الحضاري» هو الحارس الأمين لحصون العقول ووجدان الأمة.
إن معركتنا القادمة هي معركة وعي وهويّة؛ ولن ينهض السودان ويسترد مكانته اللائقة إلا بإعلام رسالي مسؤول، يؤمن بأن حماية الأمن القومي تبدأ من صون الحقيقة، وأن بناء المستقبل يصنعه خطاب حضاري مستنير يجمع الصف، ويداوي الجراح، ويمد جسور الأمل نحو النهضة المنشودة.