مصر والأمم المتحدة تؤسسان لمرحلة جديدة: مطالبة حاسمة بتقاسم الأعباء وتدشين قانون “لجوء الأجانب” التاريخي
مصر والأمم المتحدة تؤسسان لمرحلة جديدة: مطالبة حاسمة بتقاسم الأعباء وتدشين قانون “لجوء الأجانب” التاريخي
القاهرة: تقرير خبري
الخميس:25 يونيو 2026
في خطوة استراتيجية تعكس ثقل الدور الإقليمي والدولي للدولة المصرية في معالجة واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية المعاصرة، استقبل السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، اليوم، السيد برهم صالح، المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. وقد شهد اللقاء، الذي عُقد بحضور الدكتور بدر عبد العاطي وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، ولفيف من كبار مسؤولي المفوضية، مباحثات معمقة لتأطير مسار جديد للتعاون المشترك، يرتكز على الانتقال من الإدارة الأممية إلى المنظومة الوطنية الشاملة، مع التشديد على حتمية التضامن الدولي لتخفيف الأعباء الجسيمة الملقاة على كاهل الدولة المصرية.
استراتيجية مصرية ثابتة: احتواء بلا مخيمات وتوفير للخدمات الأساسية
استعرض الرئيس السيسي خلال المباحثات الجهود الاستثنائية التي تبذلها الدولة المصرية، والتي تتجسد في استضافة أكثر من عشرة ملايين ونصف المليون أجنبي ومهاجر ولاجئ من جنسيات متعددة، فروا من ويلات الأزمات الدولية والإقليمية المتعاقبة.
وقد برزت في تصريحات الرئاسة المصرية عدة رسائل ومواقف سياسية وإنسانية حاسمة، شملت:
- الدمج المجتمعي الكامل: رفضت مصر سياسة عزل اللاجئين في مخيمات، وآثرت دمجهم في النسيج المجتمعي، مع توفير الخدمات الأساسية لهم في قطاعات حيوية كالصحة والتعليم، على قدم المساواة مع المواطنين المصريين، وذلك في حدود القدرات الاقتصادية المتاحة.
- تنزيه الملف الإنساني عن التسييس: شدد الرئيس السيسي بوضوح على أن مصر لم، ولن، تستخدم يوماً ورقة اللاجئين لتحقيق أهداف أو مكاسب سياسية، التزاماً منها بمسؤولياتها الأخلاقية والإنسانية والقانونية.
- معالجة الجذور لا الأعراض: دعا الرئيس إلى تبني منظور دولي شامل لا يكتفي بالتعامل مع تداعيات اللجوء، بل يستهدف معالجة أسبابه الجذرية، المتمثلة في الأزمات السياسية، والهشاشة الأمنية، والتحديات الاقتصادية في دول المنشأ، كأساس لتحقيق تنمية مستدامة وسلم دولي حقيقي.
إشادة أممية وتأكيد على حتمية “تقاسم الأعباء”
من جانبه، عبّر المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، برهم صالح، عن تقدير المجتمع الدولي العميق والمفوضية السامية للدور المحوري الذي تضطلع به مصر بوصفها “نقطة ارتكاز محورية وثابتة تاريخياً” للاستقرار في منطقة تموج بالاضطرابات.
وقد أكد المسؤول الأممي على عدة نقاط مفصلية خلال اللقاء:
- الاعتراف بجسامة الأعباء: أقر المفوض السامي بحجم الضغوط الاقتصادية والخدمية الهائلة التي تتحملها الدولة المصرية لضمان استدامة الخدمات المقدمة لملايين اللاجئين والمهاجرين.
- الدعم الدولي الحقيقي: شدد على أنه لم يعد مقبولاً ترك دول الاستضافة تتحمل هذه المسؤوليات بمفردها، داعياً إلى ضرورة تعزيز الدعم الدولي ومشاركة المجتمع الدولي فعلياً في تحمل هذه الأعباء بما يتناسب مع حجم الجهود المبذولة، تفعيلاً لمبدأ “تقاسم الأعباء والمسؤوليات”.
- دعم الاستراتيجية الجديدة: أطلع المفوض السامي القيادة المصرية على رؤية المفوضية الرامية لتقليص أعداد اللاجئين عالمياً، معرباً عن دعمه الكامل للخطوات والإصلاحات الهيكلية التي تتخذها مصر حالياً.
نقلة تشريعية تاريخية: قانون “لجوء الأجانب” والمنظومة الوطنية الجديدة
في سياق متصل، وعقب اللقاء الرئاسي، عقد الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، جلسة مباحثات موسعة مع المفوض السامي، بحضور السفير صلاح عبد الصادق، رئيس اللجنة الدائمة لشؤون اللاجئين، لتنسيق الأطر التنفيذية للمرحلة الانتقالية.
وقد كشف وزير الخارجية عن أبعاد التحول التشريعي والتنظيمي الكبير الذي تشهده البلاد:
- أول قانون وطني متكامل: يُعد صدور “قانون لجوء الأجانب” خطوة تاريخية غير مسبوقة لتعزيز الإطار التشريعي الوطني. ويمثل هذا القانون أول تشريع وطني شامل ينظم أوضاع اللاجئين وطالبي اللجوء، بما يتسق تماماً مع التزامات مصر ومعاهداتها الإقليمية والدولية.
- انتقال سلس للمسؤولية: أكد الوزير حرص القاهرة على إبقاء قنوات التنسيق والتشاور مفتوحة مع المفوضية السامية في كافة مراحل تطوير وتطبيق القانون، لضمان انتقال منهجي وسلس من “المنظومة الأممية” إلى “المنظومة الوطنية” التي ستديرها اللجنة الدائمة لشؤون اللاجئين.
- تقنين الأوضاع: مع استمرار مصر في تقديم كافة التسهيلات والخدمات الأساسية ضمن سياسة تقوم على “عدم التمييز”، وجهت الدولة رسالة واضحة بضرورة التزام كافة اللاجئين والمهاجرين بسرعة تقنين أوضاعهم القانونية وفقاً للوائح والقوانين الوطنية الجديدة، لضمان استمرار حصولهم على الرعاية وتخفيفاً للضغط الاقتصادي غير المنظم.
يُذكر أن اللقاءات قد شهدت حضور قيادات بارزة من الجانب الأممي، من بينهم الدكتورة حنان حمدان ممثلة المفوضية لدى مصر والجامعة العربية، والسيدة ريما جاموس أمسيس المدير الإقليمي للمفوضية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، والسيد ريز جار دي المساعد الخاص للمفوض السامي، مما يعكس الأهمية القصوى التي توليها الأمم المتحدة للشراكة الاستراتيجية مع القاهرة في هذا الملف الحساس.