لا جديد في ملف القاعدة الروسية بالسودان: السفير الروسي ينفي “التطورات الأخيرة”
لا جديد في ملف القاعدة الروسية بالسودان: السفير ينفي “التطورات الأخيرة”
الخرطوم: أخبار وادي النيل
الثلاثاء،02 ديسمبر 2025

نفى السفير الروسي لدى السودان، أندريه تشيرنوفول، بشكل قاطع وجود أي تطورات جديدة أو مستجدات بشأن مشروع إنشاء قاعدة بحرية روسية على الأراضي السودانية، وذلك رداً على تقارير إعلامية تحدثت مؤخراً عن تقدم في هذا الملف الحيوي.
وفي تصريحات أدلى بها السفير تشيرنوفول لوكالة الأنباء الروسية “تاس“، أوضح أن المعلومات التي نشرتها مؤخراً صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية، والتي أشارت إلى تقديم السودان “عرضاً حديثاً” لروسيا لإنشاء القاعدة، تعود في حقيقتها إلى اتفاقية موقعة بالفعل في عام 2020.
شدد تشيرنوفول على أن هذه الوثيقة متوفرة ومتاحة للعموم، لكنها لم تدخل حيز التنفيذ بالكامل بعد. وأشار إلى أن الاتفاقية لا تزال بحاجة إلى التصديق الرسمي لكي تصبح سارية المفعول، وهو ما يؤكد أن المشروع لم يشهد أي خطوات تنفيذية أو تقدم تفاوضي فعلي خارج إطار الوثيقة الأصلية.
كان الاتفاق الموقع في عام 2020 يقضي بإنشاء مركز دعم لوجستي تابع للبحرية الروسية على ساحل البحر الأحمر في السودان، قادر على استقبال السفن الحربية التي تعمل بالطاقة النووية، ويسمح بوجود متزامن لأربع سفن روسية كحد أقصى وعدد محدود من الأفراد.
ويأتي تصريح السفير الروسي ليضع حداً للتكهنات التي ثارت حول إحياء وشيك للمشروع الاستراتيجي بعد فترة من الجمود والتوترات الداخلية في السودان.
تفاصيل الاتفاقية الإطارية لإنشاء المركز اللوجستي الروسي (2020)
تهدف الاتفاقية إلى إنشاء “مركز للدعم اللوجستي” تابع للبحرية الروسية على ساحل البحر الأحمر في السودان، وتحديداً في محيط ميناء بورتسودان.
1. المدة والتجديد
مدة الاتفاقية: تمتد الاتفاقية لمدة 25 عامًا (ربع قرن).
التجديد: تتضمن بنداً يتيح التجديد التلقائي لفترات إضافية تمتد كل منها 10 سنوات، ما لم يعترض أحد الطرفين.
2. الحضور العسكري واللوجستي الروسي
عدد السفن: يُسمح لروسيا برسو ما يصل إلى أربع سفن حربية تابعة للبحرية الروسية في الميناء في وقت واحد.
ملاحظة هامة: يشمل هذا السماح للسفن التي تعمل بالطاقة النووية بالرسو.
الوجود البشري: يُسمح لروسيا بنشر ما يصل إلى 300 فرد من العسكريين والمدنيين الروس في القاعدة.
هدف المنشأة: المركز مخصص لأغراض الدعم اللوجستي، بما في ذلك:
صيانة واصلاح السفن.
إمداد السفن بالوقود والتموين اللازم.
توفير مرافق ترفيهية لأطقم السفن.
3. التزامات ومزايا السودان (المقابل)
الدعم العسكري: مقابل السماح بإنشاء القاعدة، تلتزم روسيا بتزويد الجيش السوداني بـ أسلحة ومعدات عسكرية روسية، وتقديم خدمات التدريب العسكري والفني.
الامتيازات الاقتصادية (في المقترحات الحديثة): تشير تقارير إلى أن المقترحات الحالية المتبادلة تمنح روسيا أفضلية في عقود التعدين المربحة في السودان (خاصة الذهب).
4. الوضع القانوني والدبلوماسي
التصديق: كما أكد السفير الروسي، فإن الاتفاقية لا تزال تتطلب تصديقاً رسمياً من السلطات السودانية لتدخل حيز التنفيذ. وهذا هو سبب تأكيد السفير على “عدم وجود تطورات جديدة“، حيث أن الأساس القانوني قائم منذ 2020 لكن الإجراءات التنفيذية لم تُستكمل.
طبيعة المركز: يُشار إلى القاعدة على أنها نقطة إمداد لوجستية وتهدف إلى “المساعدة في تعزيز السلام والاستقرار في المنطقة”، وليست موجهة ضد أي طرف ثالث.
🌎 السياق الجيوسياسي القاعدة الروسية في السودان
تندرج هذه الخطوة ضمن إطار أوسع من التنافس الدولي في منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي، الذي أصبح حالياً منطقة مكتظة بالقواعد العسكرية للقوى الكبرى.
1. الأهمية الاستراتيجية لروسيا
بوابة البحر الأحمر (الماء الدافئ): لطالما سعت روسيا تاريخياً (منذ الحقبة القيصرية والاتحاد السوفيتي) للحصول على “ميناء ماء دافئ” على ممر بحري حيوي. البحر الأحمر هو شريان التجارة العالمية، حيث يربط آسيا وأوروبا عبر قناة السويس ومضيق باب المندب (يمر به حوالي 12% من التجارة العالمية).
تعزيز النفوذ العالمي: يمنحها هذا المركز قدرة على إظهار القوة وإسقاط النفوذ البحري في المحيط الهندي وشرق إفريقيا والشرق الأوسط، مما يدعم طموحات موسكو لتكون قوة عالمية عظمى.
موازنة القوى: يمثل التواجد الروسي في السودان ثقلاً موازناً للوجود العسكري الغربي (الأمريكي، الفرنسي، البريطاني، إلخ) والصيني في جيبوتي، مما يزيد من أوراق موسكو التفاوضية في الساحة الدولية.
دعم العمليات الإفريقية: يوفر المركز نقطة ارتكاز لوجستية لدعم وتوسيع شبكة التعاون العسكري واللوجستي الروسي المتنامية في دول إفريقية أخرى (مثل مالي، النيجر، وليبيا).
2. دوافع السودان (المنظور المحلي)
الحصول على الدعم العسكري: في ظل الصراع الداخلي والحرب الأهلية، يسعى الجيش السوداني (بقيادة الفريق البرهان) إلى تأمين تدفق مستمر ومتطور من الأسلحة والذخائر الروسية لإمالة كفة الصراع.
المكاسب السياسية والدبلوماسية: يمنح هذا الاتفاق الخرطوم ورقة ضغط قوية في مواجهة الضغوط الغربية (الأمريكية والأوروبية) المتعلقة بالانتقال الديمقراطي والحرب. روسيا تقدم دعماً سياسياً ودبلوماسياً في المحافل الدولية (كالأمم المتحدة) بعيداً عن شروط حقوق الإنسان أو الديمقراطية.
البحث عن تحالفات جديدة: في ظل النزاع الأخير، لجأت الخرطوم إلى سياسة “البراغماتية الدفاعية“، أي استخدام التنافس بين القوى الكبرى (روسيا مقابل الغرب) لخدمة مصالحها وضمان بقاء النظام.
⚠️ التأثير المحتمل على التوازنات الإقليمية
التأثير الأبرز للقاعدة هو إعادة تشكيل خريطة التحالفات وزيادة تعقيد المشهد الأمني في المنطقة.
مصر
قلق استراتيجي. ترى القاهرة في البحر الأحمر “البوابة الجنوبية لقناة السويس” وهي ضد عسكرة الممر. الوجود الروسي قد يزيد من تعقيد التوازن الإقليمي ويقلل من النفوذ المصري التقليدي في السودان.
السعودية والإمارات
تحدٍ أمني. تنظر دول الخليج إلى ساحل البحر الأحمر ضمن نطاق أمنها القومي. التواجد الروسي يهدد بمزيد من التدويل للمنطقة، ويصعب من جهود دول المنطقة للحفاظ على الاستقرار.
الولايات المتحدة والغرب
قلق مضاعف. يُنظر إلى القاعدة كتهديد مباشر للمصالح الغربية وحرية الملاحة، وخطوة توسع للنفوذ الروسي في إفريقيا (وخاصة في ظل التوترات العالمية حول أوكرانيا). وقد يؤدي ذلك لزيادة الضغط الغربي على الخرطوم.
التنافس الإقليمي
زيادة التوتر. تحويل السودان إلى ساحة للتنافس العسكري بين قوى عظمى يزيد من فرص الاحتكاك العسكري ويصعّب من جهود إحلال السلام الداخلي، حيث قد تستغل القوى المتصارعة على الأرض هذا التنافس لدعم أجنداتها.
باختصار: القاعدة المقترحة هي أكثر من مجرد منشأة عسكرية؛ إنها رمز تحول جيوسياسي يعكس عودة روسيا القوية إلى مسرح القوى العظمى وتغير أولويات السودان في ظل أزمته الحالية.
🇺🇸 ردود فعل الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي
كان الموقف الأمريكي الأكثر وضوحاً وشدة ضد الاتفاق، حيث ترى واشنطن في الوجود العسكري الروسي تهديداً مباشراً لمصالحها في المنطقة.
التحذير من العزلة والعواقب: حذر مسؤولون أمريكيون رفيعو المستوى، بما في ذلك السفراء والمبعوثين، من أن المضي قدماً في إنشاء القاعدة سيزيد من عزلة السودان عن المجتمع الدولي، لا سيما في وقت يحتاج فيه السودان إلى الدعم الدولي.
تهديد المصالح: أعربت واشنطن عن قلقها البالغ من أن القاعدة يمكن أن تستخدمها روسيا لتهديد حركة التجارة العالمية أو لعرقلة الوجود البحري الغربي في البحر الأحمر. الوجود الروسي يمثل تحدياً في سعي واشنطن منع خصومها من إقامة موطئ قدم عسكري دائم على الممرات البحرية الحيوية.
ربطها بالصراع الداخلي: ربطت الولايات المتحدة مسألة القاعدة بالصراع المستمر في السودان، مشيرة إلى أن التعاون الأمني مع روسيا قد يفاقم الصراع الداخلي ويهدد الاستقرار الإقليمي. كما يُنظر إلى توقيت العرض السوداني الجديد كـ “ورقة ضغط” من قبل الجيش السوداني (قوات البرهان) رداً على الضغوط الأمريكية لإبرام هدنة.
عقوبات محتملة: في تصريحات سابقة، حذرت وزارة الخارجية الأمريكية من أن أي دولة أو فرد يشارك في مخططات روسيا لإنشاء قاعدة بحرية قد يواجه “عواقب وخيمة“، بما في ذلك العقوبات، لتشجيع الخرطوم على تجنب المعاملات مع قطاع الدفاع الروسي.
🇸🇦🇪🇬 ردود فعل دول الجوار الإقليمي (دول البحر الأحمر)
تعتبر دول الجوار، خاصة مصر والمملكة العربية السعودية، الوجود الأجنبي المكثف في البحر الأحمر تهديداً مباشراً لأمنها القومي، وتفضل أن يظل الممر تحت سيطرة الدول الإقليمية.
مصر والمملكة العربية السعودية:
قلق استراتيجي: تعتبر كلتا الدولتين الوجود العسكري الروسي في البحر الأحمر عاملاً لزيادة عسكرة المنطقة وتدويلها، مما يقلل من نفوذها التقليدي.
تفضيل الاستقرار الإقليمي: ترفض هذه الدول أي خطوات تزيد من تعقيد المشهد الأمني، خاصة وأنها تمتلك استثمارات ضخمة ومصالح حيوية في الملاحة والتجارة عبر البحر الأحمر.
الجهود الدبلوماسية: تعمل كل من الرياض والقاهرة، إلى جانب الولايات المتحدة والإمارات (مجموعة الكواد)، على التوسط لإنهاء الصراع في السودان، وبالتالي يُنظر إلى الاتفاق الروسي على أنه يعرقل جهودهم الدبلوماسية ويعطي الجيش السوداني حافزاً للاستمرار في القتال.
تركيا وإيران (رد فعل غير مباشر):
قد ترى هذه الدول في التواجد الروسي فرصة أو تحدياً. تاريخياً، سعت كلتا الدولتين لزيادة نفوذها في المنطقة، وقد يدفع التنافس الجديد البعض منهما لتعزيز تحالفاته أو البحث عن موطئ قدم.
موقف السودان الداخلي:
من المهم الإشارة إلى أن التقارير الإعلامية ذكرت أن بعض المسؤولين العسكريين السودانيين يدركون أن إتمام الصفقة مع روسيا قد “يسبب لهم مشكلات كبيرة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي”، خاصة في ظل حاجتهم لإمدادات السلاح في الحرب الحالية. هذا التناقض يفسر سبب التردد السوداني المستمر في التصديق على الاتفاقية منذ توقيعها في 2020، رغم الحاجة إلى الدعم الروسي.
الخلاصة:
الاتفاقية هي في الأساس عقد إيجار طويل الأجل (25 عامًا) يمنح روسيا أول موطئ قدم بحري دائم لها في إفريقيا على مسار تجاري حيوي (البحر الأحمر)، مقابل حصول السودان على دعم عسكري روسي. لا تزال هذه الاتفاقية “ورقية” إلى حد كبير وتتوقف على التصديق الرسمي من الحكومة السودانية.