صحيفة صوت الشمالية | شئ للوطن | صلاح غريبة يكتب: الشمالية.. درع التعاضد في وجه النزوح وتحديات الحرب
شئ للوطن
م.صلاح غريبة
Ghariba2013@gmail.com
الشمالية.. درع التعاضد في وجه النزوح وتحديات الحرب
وسط التحديات الجسام التي فرضتها الحرب اللعينة والنزوح القسري، تبرز ولاية الشمالية في السودان كنموذج مضيء للتكاتف المجتمعي والعمل المؤسسي المُنظم. لقد كشف المؤتمر الصحفي لوفد الإعلاميين الزائر للولاية، في إطار مبادرة دعم متضرري الحرب، عن تفاصيل دقيقة لجهود الولاية في احتواء الأزمة الإنسانية، مع تسليط الضوء على قدرتها على الموازنة بين الإغاثة وضمان استدامة الحياة في قطاعاتها الحيوية، وأبرزها الزراعة والأمن. هذا المشهد يؤكد أن الروح الوطنية والتعاضد الشعبي هما القوة الحقيقية التي تقف سدًا منيعًا أمام تداعيات الصراع.
الحديث الصريح أمينة الشؤون الاجتماعية ونائب رئيس اللجنة العليا للطوارئ والأزمات، منال مكاوي، رسم خارطة واضحة للأزمة الإنسانية التي مرت بها الشمالية. لم تكن الأوضاع مجرد تبعات للحرب فحسب، بل هي “أربع مراحل” متداخلة بدأت باندلاع القتال، مرورًا بالسيول والأمطار، ثم استهداف مشروعات الطاقة، لتنتهي بموجة النزوح الأخيرة جراء اعتداءات الميليشيا على الفاشر. هذا التسلسل يكشف عن تعقيد الموقف وضرورة وجود تخطيط استراتيجي لمجابهة الأزمات المتراكمة.
الأبرز في هذا السياق هو التأكيد على أن الشمالية “ضربت أروع الأمثال في التكاتف والتعاضد المجتمعي” في دعم النازحين. هذا التضامن، الذي تجسد في تكوين اللجنة العليا للطوارئ والأزمات، لم يقتصر على تقديم المعونات، بل امتد إلى “تجفيف معسكر مليط” وتحويل النازحين إلى معسكرات مهيأة ضمن “خطة محكمة” للاستيعاب، مما يدل على تحول نوعي من الاستجابة اللحظية إلى التخطيط الإنساني المستدام. كما أن الإشارة إلى “أهمية دارفور وشعبها على قلوب أهل الولاية” تؤكد على عمق الرابط التاريخي والجغرافي الذي يتجاوز مفهوم الإغاثة إلى مفهوم الأخوة والوحدة الوطنية.
لقد عزز مفوض العون الإنساني، د. وائل محمد شريف، هذا المشهد الإنساني، مشيرًا إلى النداء الذي أطلقته المفوضية لتجميع الجهود تحت مظلة إنسانية موحدة، ومطالبًا بتعميم التدخلات على كل محليات الولاية، لكونها جميعًا تمر بظروف مشابهة. هذا مطلب منطقي وضروري لضمان عدالة التوزيع وتخفيف العبء عن كاهل الولاية بأسرها.
من جهة أخرى، جاء صوت التعايش ليؤكد عليه العمدة الطاهر آدم، منسق تنسيقية حكومة إقليم دارفور، الذي أشار إلى الوجود “المتلاحم والتعايش السلمي” بين أهالي دارفور والشمالية في كل مناحي الحياة. هذا التصريح يمثل صفعة قوية لأي محاولة لبث الفتنة، ويؤكد أن الشمالية، التي استضافت نازحي دارفور وولايات السودان المختلفة، تمثل نموذجًا للوحدة الوطنية التي ترفض الانسياق وراء “الأكاذيب التي يشاع من هنا وهناك“. الشكر الذي وجهه العمدة الطاهر للشمالية “حكومة وشعبًا ومجتمعًا” هو اعتراف بجوهر الشعب السوداني القائم على الكرم والإيواء.
في خضم الأزمة الإنسانية، لا يمكن إغفال جهود الحفاظ على استدامة الحياة، وهنا يبرز دور قطاع الإنتاج، الذي يمثل شريان الحياة في الولاية. ممثل وزارة الإنتاج، مهندس ياسر محمد علي، طمأن الجميع بأن “الموسم الزراعي الحالي يشهد استقرارًا كبيرًا بفعل الاستقرار الأمني”. لقد استعرض كيف تم تجاوز تحدي استهداف العدو لمحطات الطاقة والمياه – وهو تحدٍ كاد أن يعصف بالمواسم السابقة – من خلال خطط محكمة، واتفاقات وطنية ودولية لتوفير الآليات والتمويل.
إن توفير البذور المحسنة وتسهيل التمويل البنكي هما خطوات عملية لتعويض ما فقدته الولاية، ويؤكدان على أن التنمية المستدامة يجب أن تسير جنبًا إلى جنب مع الإغاثة. هذا الاستقرار في القطاع الحيوي، والذي تحتل فيه دنقلا مركز الصدارة، يمثل أحد أهم أشكال “المقاومة الشعبية” التي تحدث عنها ممثل المقاومة الشعبية، عميد أمن معاش عصام علي عبد الرحمن، الذي أكد على أن “الحرب الحالية حرب إعلامية” تستدعي تفعيل دور الإعلام، مع استمرار الجهد العسكري والجهد الشعبي في إرسال قوافل الدعم والإعمار.
إن مؤتمر دنقلا الصحفي لم يكن مجرد استعراض لجهود، بل كان رسالة وحدة وعمل مؤسسي فعال. لقد نجحت الشمالية في تحويل تحديات النزوح، وتداعيات استهداف الطاقة، وشائعات الفتنة، إلى فرصة لإظهار أسمى معاني التكاتف والتخطيط الاستراتيجي. إن جهود مفوضية العون الإنساني ولجنة الطوارئ، وتأمين الموسم الزراعي، وضبط الوجود الأجنبي كما أشار إليه المدير التنفيذي لمحلية دنقلا، د. مكاوي الخير، كلها دليل على أن الروح الشعبية والعمل الحكومي المتضافر هما المفتاح لعبور الأزمة.
الشمالية اليوم هي أكثر من مجرد ولاية تستضيف؛ هي درع حقيقي يؤكد أن السودان، بأهله وتاريخه، أقوى من كل محاولات التمزيق والتخريب.
