صحيفة صوت الشمالية العدد 324 الصادر يوم الاربعاء 23 يوليو 2025

مستخدما تطبيق Google drive

628

 

شئ للوطن
م.صلاح غريبة – مصر
Ghariba2013@gmail.com

مجمع حضارة كرمة: كنز أثري بانتظار العالم

بصفتي مؤسس ورئيس منظمة “أصدقاء السياحة السودانية”، وهي مجموعة مجتمعية ملتزمة بتنشيط السياحة في هذا البلد الغني بالتاريخ والثقافة، فقد كان لي شرف زيارة مجمع حضارة كرمة بالولاية الشمالية عدة مرات. هذه الزيارات، التي سبقت الجهود الحالية لتأهيل المجمع، عززت قناعتي بأن هذا الموقع ليس مجرد معلم أثري، بل هو بوابة لاكتشاف إحدى أعظم الحضارات القديمة في أفريقيا، حضارة كوش.

إن التجديدات الجارية في مجمع كرمة، والتي تابعها مؤخرًا مسؤولون من الولاية الشمالية، تبعث على التفاؤل الكبير. فكما أكد الأستاذ أمير حسن البشير، المدير العام لوزارة المالية والقوى العاملة بالولاية الشمالية، فإن المجمع “يعكس ماضي وتاريخ حضارة كرمة ويشكل معلمًا سياحيًا مهمًا”. هذا الاعتراف الرسمي بأهمية الموقع هو خطوة أساسية نحو وضعه في مكانته المستحقة على الخريطة السياحية العالمية.

ما يميز مجمع حضارة كرمة ليس فقط الآثار الشاهدة على عظمة الحضارة الكوشية، بل أيضًا الإمكانات الهائلة التي يمتلكها ليصبح وجهة سياحية متكاملة. لقد أشار صديقي ودعمنا في اصدقاء السياحة السودانية، الدكتور الصادق عوض محمد عبد الرسول، الأمين العام للمجلس الأعلى للسياحة بالولاية الشمالية، إلى أن المجمع “يعد من الصروح الحضارية المهمة بالسودان فهو يجسد حضارة وتاريخ المنطقة”. هذه الرؤية تتوافق تمامًا مع أهدافنا في “أصدقاء السياحة السودانية”؛ فنحن نؤمن بأن السياسات المختلفة وخاصة السياحة الأثرية والثقافية يمكن أن تكون محركًا قويًا للتنمية الاقتصادية والتعريف بالتراث السوداني الغني.

لقد سررت بشكل خاص بمعرفة أن المجمع أصبح جاهزًا لاستيعاب وإيواء 25 نزيلًا، بالإضافة إلى الغرف الملحقة باستراحة المتحف والكافتيريا، وعدد من القاعات المخصصة للمؤتمرات والتدريب. هذه الإضافات الحيوية ستحول المجمع من مجرد موقع أثري إلى مركز ثقافي وسياحي حيوي، قادر على استضافة الباحثين والطلاب والسياح على حد سواء. إن توفير الإقامة والخدمات الأساسية أمر بالغ الأهمية لجذب الزوار وتشجيعهم على قضاء وقت أطول في استكشاف المنطقة وما حولها.

الدعم الذي يقدمه والي الولاية الشمالية ومدير عام وزارة المالية، والذي أعرب عنه المدير التنفيذي لمحلية البرقيق الأستاذ عبد العزيز عباس، هو دليل على الالتزام الحكومي بتطوير هذا الكنز الأثري. هذا التعاون بين مختلف الجهات الحكومية والمجتمع المدني، ممثلاً في مجموعات مثل “أصدقاء السياحة السودانية”، هو ما يضمن نجاح هذه المشاريع الحيوية.

بعد اكتمال تأهيل مجمع حضارة كرمة، لضمان جذب أكبر عدد ممكن من السياح وتحويله إلى وجهة عالمية، أرى أن الخطوات الأكثر أهمية تتركز في ثلاث محاور رئيسية: التسويق الفعال، تحسين التجربة السياحية، وتطوير البنية التحتية المحيطة، بحملات تسويقية رقمية ومحتوى جذاب، من خلال استثمار كبير في إنشاء محتوى بصري عالي الجودة (صور احترافية، فيديوهات 360 درجة، جولات افتراضية) للمجمع.

يجب إطلاق حملات إعلانية مستهدفة على منصات التواصل الاجتماعي العالمية (فيسبوك، إنستغرام، يوتيوب، تيك توك) ومنصات السفر المتخصصة. التعاون مع مدوني السفر والمؤثرين المهتمين بالتاريخ والثقافة الأفريقية سيجلب مشاهدات ومتابعين جدد، وبناء علاقات مع وكالات السياحة العالمية ومنظمي الرحلات المتخصصين في السياحة الثقافية والأثرية.

يمكن تقديم باقات جذابة تشمل زيارة كرمة ومواقع أثرية سودانية أخرى، بجانب حضور ومشاركة نشطة في كبرى المعارض والفعاليات السياحية العالمية لتقديم المجمع بشكل مباشر، وتوزيع المواد الترويجية، وإقامة ورش عمل وعروض تقديمية عن حضارة كرمة، وتعزيز العلاقات العامة والإعلام بدعوة وسائل الإعلام الدولية المتخصصة في السفر والتاريخ لزيارة المجمع وكتابة تقارير عنه. تنظيم فعاليات صحفية عند الافتتاح لجذب الانتباه العالمي.

تحسين التجربة السياحية داخل المجمع وخارجه، بالتجربة الجيدة هي مفتاح تكرار الزيارات والتوصيات الشفهية، وذلك من خلال تطوير المعروضات والتأويل باستخدام أحدث التقنيات في عرض القطع الأثرية وتفسيرها (لوحات معلومات تفاعلية، شاشات لمس، تطبيقات الواقع المعزز) لتوفير تجربة تعليمية ممتعة وجذابة.

توفير مرشدين سياحيين مؤهلين يتحدثون لغات مختلفة ولديهم معرفة عميقة بالتاريخ، والاهتمام بخدمات الزوار والتأكد من وجود مرافق نظيفة وحديثة (دورات مياه، مناطق استراحة، كافتيريا تقدم مأكولات محلية)، ومتاجر هدايا توفر منتجات محلية وحرف يدوية أصيلة ذات جودة عالية، وربط المجمع بمواقع أخرى وتشجيع مسارات سياحية أوسع تشمل كرمة ومواقع تاريخية أخرى قريبة مثل جبل البركل ونوري والمواقع النوبية، لخلق تجربة سياحية متكاملة تجعل الإقامة أطول وأكثر إثراءً.

تطوير البنية التحتية والخدمات اللوجستية للوصول المريح والآمن أساسي لجذب السياح، بالعمل على تطوير الطرق المؤدية إلى المجمع وتسهيل وسائل النقل. دراسة إمكانية تسيير رحلات منظمة من المدن الرئيسية مثل الخرطوم الى دنقلا وكرمة، وتبسيط وتسهيل إجراءات الحصول على التأشيرات السياحية للسودان. هذا يعتبر عقبة رئيسية حاليًا لكثير من السياح المحتملين، مع توفير بيئة آمنة ومريحة للسياح في جميع مراحل رحلتهم، من وصولهم إلى مغادرتهم، وتدريب مكثف للسكان المحليين (المجتمع المحلي) على مفاهيم السياحة والضيافة، وتطوير مهاراتهم في تقديم الخدمات السياحية، وتوفير فرص عمل لهم داخل المجمع والمنشآت المرتبطة به.

باختصار، بعد التأهيل، يجب أن ينصب التركيز على جعل كرمة معروفة، سهلة الوصول إليها، وممتعة لزيارتها، مع ضمان أن تكون تجربة آمنة ومثيرة، وأتطلع بشغف إلى المشاركة في الافتتاح الرسمي لمجمع حضارة كرمة بعد انتهاء عمليات التأهيل. إن هذا المجمع لديه القدرة على أن يصبح نقطة جذب رئيسية للسياحة في السودان، ليس فقط بسبب أهميته التاريخية، ولكن أيضًا بفضل الجهود المبذولة لجعله قبلة سياحية جاذبة. أدعو الجميع، من داخل السودان وخارجه، لزيارة هذا الموقع المذهل واكتشاف جزء من تاريخ البشرية الذي غالبًا ما يتم تجاهله.

لتصفح صحيفة صوت الشمالية العدد 324 الصادر يوم الاربعاء 23 يوليو 2025، مستخدما تطبيق Google drive، أضغط هنا …….!!

Leave A Reply

Your email address will not be published.