صحيفة القوات المسلحة | شئ للوطن | صلاح غريبة يكتب …… صمود الوحدة في وجه شبح التقسيم وعمق المأساة الإنسانية
شئ للوطن
م.صلاح غريبة
Ghariba2013@gmail.com
صمود الوحدة في وجه شبح التقسيم وعمق المأساة الإنسانية
شهدت مدينة بورسودان مؤخراً اجتماعاً ثلاثياً رفيع المستوى، جمع وزيري خارجية مصر والسودان، مع وكيل السكرتير العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ. ورغم أن الهدف المعلن للاجتماع كان بحث الجهود الإنسانية وسبل تعزيز الاستجابة الدولية للأزمة، إلا أن الرسالة الأقوى والأكثر أهمية، التي شدد عليها وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، كانت هي الرفض الكامل لأي مخططات لتقسيم السودان.
هذه النبرة الحازمة من القاهرة ليست مجرد موقف بروتوكولي، بل هي إدراك عميق ومسؤول لخطورة المرحلة التي يمر بها السودان. في ظل الصراع المستمر، تتصاعد أصوات خافتة وعلنية تدعو أو تشير إلى إمكانية تفكك الدولة السودانية، إما بفعل الضغوط الداخلية أو التدخلات الخارجية التي تستغل حالة الفوضى. إن تأكيد مصر على دعم وحدة السودان وسلامة أراضيه والحفاظ على مؤسساته الوطنية هو بمثابة خط دفاع إقليمي أول ضد شبح التفتيت الذي لو تحقق، سيزعزع استقرار المنطقة بأسرها. التقسيم لن يحل الأزمة، بل سيخلق بؤراً جديدة للنزاع والتوتر الإقليمي والدولي.
بموازاة الموقف السياسي الثابت، ركز الاجتماع على الجانب الإنساني الذي بلغ مستويات كارثية. وقد كان تأكيد مصر على حرصها على تقديم كافة أشكال الدعم، وتسهيل دخول المساعدات الإنسانية عبر منافذها البرية والبحرية والجوية، خطوة عملية ضرورية في هذا السياق.
لكن الكارثة الحقيقية تجسدت في التقارير الواردة حول الأوضاع المروعة، خاصة في مناطق مثل الفاشر بدارفور. بعد السيطرة عليها من قبل قوات الدعم السريع، تتوالى الأنباء عن “فظائع مروعة” وجرائم قتل جماعي وعنف عرقي. دعوة مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، إلى تحرك دولي عاجل لوقف هذه الفظائع، وتنبيهه الخطير بأنه “ينبغي ألا ننتظر حتى تقرر المحكمة أن ما حدث كان إبادة جماعية”، يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية تاريخية وأخلاقية لا تحتمل التأجيل.
التقارير عن حصار أدى إلى تجويع الناس لدرجة تناول علف الحيوانات وقشور الفول السوداني، وموت الأطفال جوعاً، ليست مجرد أرقام أو إحصاءات، بل هي صرخة مدوية في جبين الإنسانية.
إن الموقف المصري القائم على الرفض القاطع للتقسيم، والدعوة لتعزيز الاستجابة الإنسانية الدولية، يمثل استراتيجية شاملة ومترابطة. الحفاظ على الدولة السودانية ككيان موحد هو شرط أساسي لأي حل مستدام، ولا يمكن تحقيق هذا الهدف دون التخفيف الفوري للمأساة الإنسانية التي تهدد نسيج المجتمع السوداني بالتمزق والانهيار.
إن الثناء على انفتاح مفوضية العون الإنساني السودانية (HAC) على جهود المنظمات الإنسانية وتسهيل منح التأشيرات والتصاريح، يبرز أهمية التعاون بين الحكومة السودانية والمنظمات الأممية لتيسير وصول الإغاثة. هذا التعاون هو السبيل الوحيد لإيصال شريان الحياة إلى المناطق المتضررة والمحاصرة.
في الختام، إن السودان اليوم في مفترق طرق حرج. وبينما يتشابك الحبل السياسي مع الخيط الإنساني، يبقى الأمر يقتضي من الجميع، إقليمياً ودولياً، تحركاً عاجلاً لا يكتفي بالحديث عن المساعدات، بل يتضمن ضغطاً سياسياً فاعلاً لوقف إطلاق النار، ودعماً صريحاً وثابتاً لوحدة السودان، قبل أن يبتلعه الصراع وتصبح الكارثة الإنسانية والسياسية أمراً واقعاً لا رجعة فيه.