شيء للوطن | صلاح غريبة يكتب …… سودان الغد: ترميم الديمقراطية من رماد الحرب وتمكين أجيال المستقبل

127

شيء للوطن
م.صلاح غريبة – مصر
Ghariba2013@gmail.com

سودان الغد: ترميم الديمقراطية من رماد الحرب وتمكين أجيال المستقبل

تأتي الذكرى السنوية لليوم العالمي للديمقراطية لتفتح جراحاً وتثير أسئلة مصيرية في الوجدان السوداني. ففي الوقت الذي يحتفل فيه العالم بهذا المفهوم كحجر أساس للمجتمعات المرنة والشاملة للجميع و التواقة للسلام، يخوض السودان مخاضاً عسيراً ونزاعاً مأساوياً يهدد كيان الدولة ومؤسساتها. غير أن قراءة التاريخ السياسي لبلاد النيلين تؤكد أن جذور التوق إلى الحرية عصية على الانكسار، وأن الانتكاسات الحالية – على قسوتها – لا تلغي أزلية المطالبة بالعدالة والمواطنة المتساوية.
لم تكن الديمقراطية في السودان يوماً فكرة وافدة أو خياراً طارئاً، بل امتداداً لسجل حافل من المد والجزر بين الحكم المدني والشمولية. لقد سجل الشعب السوداني سبقه الإقليمي عبر ثورات شعبية ملهمة في أكتوبر 1964 وأبريل 1985، وصولاً إلى ثورة ديسمبر 2018 المجيدة التي أظهرت للعالم أجمع عمق وعي هذا الشعب وتوقه للانعتاق.
ومع ذلك، فإن قراءة التجربة السابقة بحياد تكشف عن ثغرات هيكلية شابت الممارسات الانتقالية، أبرزها: هشاشة التوافق السياسي وغياب الحاضنة الوطنية الجامعة واستبدال المصلحة العليا بالمحاصصات الحزبية والأيديولوجية الضيقة، وضعف المؤسسات المدنية: استمرار هيمنة التكوينات التقليدية والعسكرية على مفاصل القرار والتأثير، واستبعاد الشباب والنساء: اختزلت مشاركة الكتل الحية في أدوار التظاهر والتضحية دون منحها مساحات صنع القرار الهيكلي، بالإضافة إلى انتشار الخطاب المضلل: استغلال الفضاءات المدنية وتغذية الاستقطاب المجتمعي للحيلولة دون بناء ثقة مستدامة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
إن الخروج من أتون الحرب الراهنة والتأسيس لمرحلة إعادة الإعمار يجب تجنب أخطاء الماضي وإعادة تعريف مفهوم الانتقال الديمقراطي ذاته. لم يعد المطلوب مجرد إجراء انتخابات شكلية، بل التأسيس لبنية ديمقراطية عميقة تتكامل فيها التنمية الاقتصادية مع سيادة القانون.
ففي محور الأمن والاستقرار، متطلبات التنفيذ بإنجاز عملية الترتيبات الأمنية، وبناء جيش مهني وقومي موحد ينأى بنفسه عن السياسة والصراع الحزبي، وفي محور العدالة الانتقالية، يجب محاسبة المتسببين في الانتهاكات، وجبر ضرر الضحايا، وتأسيس مصالحة مجتمعية قائمة على المكاشفة لا الإفلات من العقاب، وفي محور إعادة البناء الاقتصادي، توجيه الموارد ونشاط الإعمار نحو المناطق الأكثر تضرراً، وتأمين البنية التحتية والمرافق الأساسية لضمان العودة الآمنة للنازحين واللاجئين، وفي محور حماية الفضاء المدني، مكافحة المعلومات المغلوطة والمضللة، وتأسيس تشريعات تحمي حرية التعبير والتجمع السلمي وتصون كرامة المواطن.
يتسق الشعار العالمي لليوم الدولي للديمقراطية، المتمثل في “تمكين الجيل القادم”، مع احتياجات السودان أكثر من أي وقت مضى. إن الأطفال والشباب السودانيين الذين دفعوا الثمن الأكبر لهذه الحرب من استقرارهم وتعليمهم هم ذاتهم الترياق الوحيد ضد إعادة إنتاج الفشل والحروب الأهلية.
إن حماية الديمقراطية في السودان اليوم وفي المستقبل تتطلب تحولاً جذرياً في التعاطي مع الشباب، عبر خطوات تشمل الاستثمار في التعليم والمهارات وتوجيه جهود الإعمار نحو التعليم النوعي وبناء القدرات والتعلم مدى الحياة لتأهيل كوادر قادرة على إدارة الدولة الحديثة، بالإضافة إلى ضرورة توسيع المشاركة السياسية والانتقال من مرحلة الاستماع لأصوات الشباب إلى إدماجهم المباشر في هياكل السلطة وتأسيس مجالس شبابية ذات صلاحيات تنفيذية وتشريعية، وتعزيز المساواة وحقوق الإنسان لضمان المشاركة الفاعلة للشارع الشاب والشابّات في رسم السياسات العامة، بما يضمن دمج القضايا الاجتماعية والحقوقية في صلب برامج التعافي الوطنية.
إن طريق الديمقراطية في السودان قد يكون ملبداً بالتحديات ومخضباً بالتضحيات، إلا أن وضع أيدينا في أيدي الأجيال الشابة والتأسيس المواطنة بلا تمييز يظل الضمانة الوحيدة لبناء سودان أكثر عدلاً وأمناً ويسع جميع أبنائه.

Leave A Reply

Your email address will not be published.